غضب سيادي عارم يجتاح ليبيا رفضاً لمشاريع التوطين الأممية
احتجاجات شعبية تقتحم المشهد ومطالبات بإسقاط حكومة الأمر الواقع
ليبيا 24:
في مشهد يعكس تحولاً نوعياً في الوعي الجمعي الليبي، لم تعد شوارع العاصمة طرابلس ومدن أخرى مجرد فضاء للاحتجاجات المعيشية أو السياسية المرحلية، بل تحولت إلى ساحة مواجهة سيادية كبرى، عنوانها العريض: “لا للتوطين.. لا لتحويل ليبيا إلى مخزن بشري”.
إنها لحظة فارقة تتقاطع فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، لتكشف عن أزمة دولة عميقة، وعن فشل نخبوي في إدارة أكثر الملفات حساسية، وعن تغول دولي يهدد، وفقاً لرؤية المحتجين، نسيج الدولة الليبية وهويتها الديموغرافية.
تحت سماء مثقلة بالغضب، يوجه الليبيون أصابع الاتهام مباشرة إلى الحكومة منتهية ولايتها، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، معتبرين إياها شريكاً بالصمت أو بالتقصير في تمرير أجندات لا تعبر عن الإرادة الشعبية، بينما تقف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في قلب العاصفة، كرمز لهذه السياسات المرفوضة.
تشريح الغضب: من سيادة الدولة إلى كرامة المواطن
إن ما يحدث ليس مجرد موجة احتجاج عابرة، بل هو تتويج لمسار طويل من الاحتقان والريبة. تصريحات المسؤولين والنخب، التي رصدها مراسلونا، ترسم خريطة دقيقة لهذا الغضب.
الإعلامية والباحثة الدكتورة ريم البركي، التي طالما تصدرت التحذير من هذا الملف، تعيد التأكيد على ثابتة قانونية وسيادية جوهرية: “ليبيا ليست طرفاً في اتفاقية جينيف، بالتالي فنحن غير ملزمين باستقبال قارة أفريقيا في أرضنا وتوطينهم”.
هذا الطرح ليس انعزالياً، بل ينطلق من رؤية تفرق بين الواجب الإنساني، وهو التعامل بكرامة مع العابرين، وبين الالتزام القانوني الذي لا وجود له.
لكنها في الوقت ذاته، توجه ضربة قاصمة للداخل الليبي، متهمة “أبناءنا تجار البشر” بأنهم من فتح الأبواب على مصراعيها لهذه الأعداد المهولة، في إشارة إلى شبكات إجرامية منظمة تنخر جسد الدولة وتستفيد من حالة الانفلات الأمني التي توفرها حكومة الأمر الواقع.
هذا التحليل المدعوم بخبرة ميدانية يضع الكرة في ملعب السلطة القائمة فعندما تتحدث البركي عن “قوانين مهترئة لا تردع تجارة البشر وشبكات النقل والتهريب”، فهي بذلك تعلن فشل المنظومة التشريعية والتنفيذية التي ترعاها حكومة الدبيبة في حماية الحدود وصون الأمن القومي.
وفي هذا السياق، يأتي صوت الخبير الاقتصادي ووزير الاقتصاد الأسبق منير علي عصر ليضيف بعداً تنظيمياً مقارناً، فيطرح نموذجاً لدول استطاعت ضبط هذا الملف دون ضجيج.
ويضرب مثلاً بدولة الإمارات التي “بها 8 أضعاف سكانها أجانب ولكن كلهم مسجلون وبإقامة إلكترونية دقيقة”، مؤكداً أن حق الدولة في “تنظيم وحماية حدودها ومنع التوطين والمحافظة على الديموغرافيا السكانية” هو حق أصيل يكفله القانون، شريطة أن يتم “بعمل مؤسسي وبقوانين وإجراءات ضبطية دون المساس بحقوق الإنسان”.
وكأن لسان حال عصر يقول: المشكلة ليست في وجود الأجانب، بل في الفوضى التي تتيحها حكومة لا تملك إرادة الضبط المؤسسي، مفضلة منطق الفوضى الذي يدر الأموال على شبكات النفوذ.
نظرية المؤامرة أم حقيقة التناقض الدولي؟
لكن الغضب الشعبي لا يتوقف عند حدود الفشل الداخلي، بل يمتد ليشمل المجتمع الدولي وبعثته الأممية، التي باتت في عيون الكثير من الليبيين “بيت الداء والدواء”، كما وصفها المحلل السياسي سليمان البيوضي.
في تحليله، يضع البيوضي البعثة الأممية في قفص الاتهام، معتبراً أنها لعبت دوراً رئيسياً في “تمديد عمر سلطات الفساد” من خلال سياسة “تقطيع الوقت”، مما خلق حالة الاحتقان الحالية.
هذا الربط بين استمرار حكومة الدبيبة المدعومة دولياً، وتنامي ظاهرة الهجرة غير النظامية، أصبح يشكل يقيناً لدى قطاع واسع من الليبيين بأن هناك صفقة غير معلنة، تدفع فيها ليبيا ثمن استقرارها الديموغرافي مقابل استمرار نخب سياسية فقدت شرعيتها.
وعضو مجلس الدولة الاستشاري، سعد بن شرادة، يسلط الضوء على التناقض الصارخ للسياسات الغربية، متسائلاً بحدة: “إذا كانت ليبيا غير آمنة لمواطني تلك الدول، فكيف تُعتبر مكاناً مناسباً لإقامة آلاف اللاجئين والمهاجرين؟”.
إنه سؤال يخترق جدار الخطاب الإنساني الغربي ليكشف عن نهج براغماتي صرف، يهدف إلى إبقاء موجات الهجرة بعيدة عن الشواطئ الأوروبية، حتى لو كان الثمن تحويل ليبيا إلى منطقة عازلة، أو “طرف ثالث” لاستقبال هذه الأعداد.
وهذا ما أكد عليه بن شرادة نفسه عندما أشار بذكاء إلى أن “المجتمع الغربي وضع ليبيا طرفاً ثالثاً لاستقبال المهاجرين و خطة إجلاء بعض المواطنين”، معتبراً أن حديث المسؤولة الأممية عن مساعدة اللاجئين على العودة لبلدانهم الأصلية ليس سوى “ضحك على الليبيين”، لا سيما في ظل وجود آلاف لا يحملون وثائق سفر ولا تُعرف دولهم الأصلية.
بين رفض التوطين ونبذ العنصرية: معادلة وطنية دقيقة
في خضم هذا الغليان، يبرز خطاب وطني يحاول ضبط إيقاع الغضب وتوجيهه نحو أهدافه الحقيقية، دون الانزلاق إلى فخ العنصرية أو الفوضى.
المرشح الرئاسي مبروك محمد أبوعميد يقدم نموذجاً لهذا التيار، فهو يوجه رسالة نارية إلى رئيسة بعثة المفوضية، مطالباً إياها بمغادرة البلاد فوراً، ومذكراً إياها بأن معاناة الأفارقة سببها “استعمار من تنتمين إليهم فكرياً”.
لكنه في اللحظة ذاتها، يوجه رسالة ضبط للمتظاهرين، محدداً ثلاث نقاط محورية: أولاً، سلمية المظاهرة وتركيزها على منظمات الأمم المتحدة. ثانياً، “عدم الانجرار وراء مخططات نشر العنصرية” والامتناع التام عن التعرض للمهاجرين.
وثالثاً، التأكيد على أن الحراك يهدف للضغط على أوروبا لتحمل مسؤولياتها التاريخية وإعادة الحقوق المنهوبة للأفارقة، وليس كراهيتهم.
هذه المعادلة الدقيقة، التي ترفض أن تكون ليبيا “حارساً لحدود أوروبا”، وتطالب في الآن نفسه بعدم تحويل المهاجرين إلى وقود لصراع سياسي، تمثل جوهر الحراك الشعبي الواعي.
وهي رسالة مفادها أن الشارع الليبي أذكى من أن يتم استدراجه إلى صدام مع ضحايا الاستعمار، الذين يشاركونهم القارة نفسها.
هذا الموقف يلقى صداه في الشارع. فعندما خرج أهالي قبيلة ورفلة في بني وليد لدعم الحراك، كانت رسالتهم واضحة: الرفض القاطع للتدخلات الخارجية، وتحديداً الرفض للدور القطري، في الشأن الليبي.
هذا التضامن العابر للمدن والقبائل يشير إلى تبلور كتلة سيادية عابرة للانقسامات التقليدية، ترى في ملف التوطين خطراً وجودياً يستوجب الوحدة.
ومبادرة القوى الوطنية، في بيانها الحاد، تلخص هذا الموقف باتهام مباشر، محملة “المسؤولية السياسية والوطنية الكاملة لجميع الأجسام القائمة التي تدير المشهد الليبي اليوم، وفي مقدمتها حكومة الدبيبة والرئاسي والنواب والدولة”.
البيان يتجاوز المطالبة بإجراءات، ليصل إلى إعلان مبدأي بأن “ليبيا ليست دولة ناقصة السيادة حتى تتحول إلى ساحة لتصفية أزمات الآخرين أو مخزناً بشرياً لمشكلات الهجرة”.
اقتصاد الهجرة غير النظامية: جذور المأساة وأربابها
لا يمكن فهم هذه الأزمة دون الخوض في جذورها الاقتصادية العميقة، التي تضرب في جسد الدولة المنهكة. لقد أصبحت تجارة البشر والهجرة غير النظامية واحدة من أكثر الصناعات ربحاً في ليبيا ما بعد 2011، متجاوزة بذلك تهريب الوقود والمخدرات.
هذه التجارة اللاإنسانية، التي تديرها شبكات إجرامية معقدة، لم تكن لتنمو وتزدهر بهذا الشكل المرعب دون وجود غطاء سياسي وأمني من داخل أجهزة الدولة التي تسيطر عليها حكومة الدبيبة.
فالسؤال الذي يطرحه الشارع بقوة، كما صاغه المرشح الرئاسي أبوعميد، يظل معلقاً: “من أين يدخل المهاجرون ومن يدخلهم من الحدود الليبية؟ كيف يعبروا بوابات الجيش والشرطة وبوابات المليشيات؟”.
الإجابة الضمنية على هذه الأسئلة تشير بأصابع الاتهام إلى شبكات نافذة داخل الأجهزة الأمنية، بعضها يتبع رسمياً للحكومة، تستفيد مادياً من كل مهاجر يتم تهريبه أو إيوائه أو نقله إلى السواحل.
إنها منظومة فساد متكاملة، حيث تتقاطع مصالح قادة المليشيات مع تجار البشر ومع موظفين فاسدين في مؤسسات يفترض أن تحمي الحدود.
هؤلاء هم “أبناءنا” الذين تحدثت عنهم الدكتورة البركي، والذين يوفرون السكن والحماية للمهاجرين غير النظاميين مقابل أموال طائلة، بينما تلتزم الحكومة الصمت، أو الأسوأ، تشارك في العائدات بشكل غير مباشر.
وفي هذا السياق، تبدو الدعوات إلى “حماية حقوق الإنسان” التي تطلقها المنظمات الدولية، منفصلة عن الواقع ومثيرة للسخرية، لأنها تتجاهل حقيقة أن هذه الشبكات هي التي تنتهك هذه الحقوق أولاً، وتستغل بؤس المهاجرين وتحولهم إلى سلعة.
وعندما تطالب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بـ “احترام حرمة مقارها وموظفيها”، فإنها تغض الطرف عن الانتهاكات اليومية التي تمارسها شبكات التهريب التي تنعم بالحماية تحت سمع وبصر سلطات لا تحرك ساكناً لتفكيكها.
الوجه الإنساني المخفي: ضحايا بين شقي الرحى
وسط هذا السجال السياسي والاقتصادي المحتدم، لا ينبغي أن يغيب الوجه الإنساني لهذه المأساة متعددة الطبقات.
فالمهاجر غير النظامي، الذي غالباً ما ينظر إليه بعين الريبة، ليس مجرد رقم في تقرير إيطالي يتحدث عن انخفاض أعداد الواصلين بنسبة 49.87% خلال الأشهر الستة الأولى من العام مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
إنه إنسان هارب من حروب وفقر وانهيارات مناخية، ضحية لشبكات إجرامية عابرة للحدود، وضحية أيضاً لسياسات دولية جائرة.
لكن التعامل مع هذه المعاناة لا يمكن أن يكون بتوطينه قسراً أو طوعاً في ليبيا، كما تحاول بعض الأطراف الدولية أن تفرضه كأمر واقع. فالموقف الليبي، كما يعبر عنه المحتجون والنخب، ليس ضد هؤلاء البشر، بل هو ضد تحويلهم إلى أداة للضغط السياسي والمتاجرة بهم.
المجلس الاجتماعي لمنطقة السراج، الذي قاد وقفة احتجاجية أمام مقر المفوضية، عبر عن هذه المعادلة بقوله: “لا نمانع وجود العمالة الوافدة ولكن شرط التزامهم بسلامة الإجراءات القانونية… ونرفض أن تكون ليبيا دولة تفرض عليها الأمور كأمر واقع”.
إن هذا الموقف يتسق مع المبادئ الإنسانية التي تحث على تنظيم العلاقات وحماية الحقوق. فالعمالة الوافدة التي تدخل عبر القنوات الرسمية، وتخضع للقوانين، وتتمتع بالحماية، هي حالة صحية، أما الفوضى التي تخلقها الهجرة غير النظامية فهي التي تؤدي إلى انتهاك كرامة الجميع، مواطنين ومهاجرين على حد سواء.
وعندما يكشف تقرير إيطالي عن إعادة 6.811 مهاجراً تم اعتراضهم إلى ليبيا منذ بداية العام الحالي، فإن السؤال الإنساني الأكبر الذي يجب توجيهه للمجتمع الدولي هو: ما مصير هؤلاء بعد إعادتهم؟ أليس هذا هو جوهر سياسة التوطين غير المعلنة، بإبقائهم في ليبيا في ظروف مزرية، في مراكز احتجاز تديرها مليشيات، بدلاً من توفير حلول حقيقية لهم في بلدان آمنة؟
رهان الانتخابات: المخرج السيادي الوحيد
في خضم هذا المشهد القاتم، يبرق أفق الحل من جديد عبر بوابة واحدة لا غيرها، كما يؤكد المرشح لمنصب رئيس الحكومة الموحدة، محمد المزوغي، الذي يعتبر أن “الحل الحقيقي في العودة إلى الشعب الليبي باعتباره المصدر الوحيد للشرعية، وفتح الطريق فوراً أمام انتخابات عامة رئاسية وبرلمانية شاملة”.
إن هذا التشخيص يربط بشكل لا يقبل الجدل بين استمرار الأزمة السياسية، ممثلة في حكومة منتهية الولاية تدير البلاد وفق منطق المحاصصة والارتجال، وبين تفاقم ملف الهجرة الذي بات يهدد النسيج الوطني.
إن حكومة الدبيبة، التي كانت مهمتها الأساسية والوحيدة هي قيادة البلاد نحو انتخابات في زمن محدد، تحولت إلى عقبة رئيسية في هذا المسار.
وبدلاً من تسليم السلطة، تمعن في التمسك بها، مستفيدة من حالة الانقسام الدولي ومن دعم بعثة أممية وجدت في هذه الحكومة شريكاً يطيل عمر المراحل الانتقالية.
هذه الحكومة، التي أثبتت عجزها عن بسط سيادة الدولة على كامل التراب الليبي، وعن تفكيك المليشيات، وعن إجراء انتخابات، هي نفسها التي تبدو عاجزة أو غير راغبة في ضبط الحدود.
بل إن استمرارها بات مرتبطاً بتغذية حالة الفوضى التي تتيح لها وللمحيطين بها الاستفادة من اقتصاد الحرب والتهريب.
ولذلك، فإن المطالبة بالانتخابات ليست مجرد شعار سياسي، بل هي مفتاح سيادي لإنهاء حالة الاستنزاف الوطني. إن سلطة منتخبة، تمتلك تفويضاً شعبياً، هي الوحيدة القادرة على وضع استراتيجية وطنية شاملة لملف الهجرة، تقوم على فرض القانون، وحماية الحدود، وتفكيك شبكات الإجرام، والتفاوض بندية مع الشركاء الدوليين من موقع قوة وشرعية، وليس من موقع التبعية والابتزاز.
خاتمة: ليبيا للجميع ولكن بشروط السيادة
إن الحراك الشعبي الرافض للتوطين والمطالب برحيل حكومة الدبيبة ليس حراكاً عنصرياً ولا انعزالياً.
إنه صرخة سيادة في وجه مشروع دولي يريد تحويل ليبيا إلى مستودع للمشكلات التي عجز الآخرون عن حلها. إنه دفاع عن حق شعب في تقرير مصيره، وفي اختيار حكامه، وفي حماية هويته الديموغرافية.
ليبيا، التي عانت عقوداً من الاستبداد ثم من الفوضى، ترفض أن تكون كبش فداء لأخطاء الاستعمار التاريخية، أو لسياسات أوروبية آنية تنحو نحو تشديد الخناق على حدودها الخارجية عبر خلق مناطق عازلة في الجنوب.
في هذه اللحظة المفصلية، يقف الشعب الليبي على مفترق طرق فإما أن تستمر حكومة الأمر الواقع في رقصتها على حبال المصالح الضيقة، مما سيفجر الوضع أكثر، وإما أن يستجيب الجميع، في الداخل والخارج، لصوت العقل القائل بأن الحل يبدأ من تمكين الليبيين من بناء دولتهم.
دولة قوية بجيش واحد وشرطة واحدة وقضاء واحد، دولة تحتكر حق استخدام القوة على أراضيها، وتفرض هيبتها على كل شبر من حدودها.
دولة لا تقبل أن يفرض عليها أحد، لا بعثة أممية ولا سفارة أجنبية، سياسات تمس جوهر كيانها.
عندها فقط، ستكون ليبيا قادرة على أن تكون فاعلاً إنسانياً حقيقياً، يتعامل مع قضايا الهجرة من منطلق الكرامة والقانون، لا من منطلق الفوضى والإملاءات.
وحتى ذلك الحين، سيبقى الغضب مشتعلاً، وستبقى راية “لا للتوطين” خفاقة في سماء ليبيا، من بنغازي إلى طرابلس، إلى بني وليد، معلنة أن السيادة ليست للبيع، وأن الأرض أرضنا، والبلاد بلادنا، “واللي مش عاجبه مشكلته”.



