ليبيا

الطفرة النفطية المعطلة.. الإنتاج الليبي يلامس 1.4 مليون برميل والمواطن خارج حسابات العائدات

الصراع السياسي وتضخم الإنفاق العام يحولان دون انعكاس إيرادات الطاقة على الأوضاع المعيشية والخدمية

تنبت التناقضات في المشهد الليبي من رحم الثروة ذاتها؛ ففي الوقت الذي تصعد فيه مؤشرات إنتاج النفط لتلامس عتبة المليون وأربعمائة ألف برميل يوميًا، تتقاطع أرقام هذا الانتعاش مع واقع معيشي واقتصادي متأزم يرزح تحته المواطن. هذا التدفق المالي، الذي تغذيه طفرة الأسعار في الأسواق العالمية المتأثرة بارتدادات الأزمات الجيوسياسية في مضيق هرمز، يظل بعيدًا عن ملامسة اليومي المعيشي لليبيين، إذ يرتطم بجدار سميك من الانقسام السياسي، وتضخم الإنفاق العام، وتفشي الفساد الإداري والمالي الذي ينهش في جسد المؤسسات.

ويرى الخبير الاقتصادي وحيد الجبو أن هذه القفزة السعرية، التي تجاوزت مستويات ما قبل الأزمة حين كان البرميل يدور في فلك ستين إلى خمسة وستين دولارًا، أصبحت تفرض تساؤلات ملحة ومشروعة حول مصير تلك العوائد الإضافية، خاصة في ظل التراجع المستمر للخدمات الأساسية والموجات المتلاحقة لارتفاع الأسعار محليًا.

وكان من المفترض منطقيًا أن تسهم هذه الطفرة في تقليص العجز المالي العام وتحسين الواقع الخدمي، إلا أن سوء إدارة المال العام وتضخم الجهاز الإداري للدولة الذي يستنزف الميزانيات دون مردود حقيقي، يحولان دون تحقيق ذلك الأثر، وهو ما توثقه بوضوح تقارير الجهات الرقابية المحلية كديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية، فضلاً عن المؤشرات الدولية للشفافية التي تضع البلاد ضمن الدوائر الأكثر مواجهة لتحديات الفساد.

وفي القراءة السياسية والمؤسسية للمشهد، يذهب المحلل السياسي إسلام الحاجي إلى أن بلوغ الإنتاج هذه المعدلات، أو حتى طموح الوصول إلى مليوني برميل مستقبلاً، يبقى مجرد مؤشر رقمي ظاهري لا يترجم بالضرورة إلى رخاء مجتمعي، فالأزمة متجذرة في تضخم الإنفاق ، والمستهلك في بنود المرتبات والدعم والمصاريف التشغيلية غير المنتجة التي توارثتها الحكومات المتعاقبة.

كما يقف الانقسام المؤسسي وغياب سلطة رقابية وقضائية رادعة قادرة على إنفاذ الأحكام بحق المتورطين في تبديد المال العام، حجر عثرة أمام أي إصلاح اقتصادي حقيقي، حيث تتسرب الأموال عبر قنوات شتى، تارة تحت غطاء الإنفاق الرسمي، وتارة أخرى عبر مشروعات تنموية وإعادة إعمار لا يظهر أثرها على البنية التحتية.

ويكتمل المشهد المأزوم بالضغط المستمر على الدينار الليبي، الذي يتراجع أمام تنامي الطلب غير الطبيعي على النقد الأجنبي، وتصاعد حجم التحويلات الخارجية التي تفوق حاجة السوق الطبيعية، مما يؤشر على وجود أنشطة واقتصاد غير رسمي يستنزف احتياطيات الدولة.

وبناءً على هذه المعطيات، يغدو من الجلي أن معالجة الأزمة الليبية لا تكمن في زيادة معدلات الضخ النفطي وحدها، بل في حلحلة العقدة السياسية وأزمة الحوكمة؛ إذ إنه دون توحيد مؤسسات الدولة، وتفعيل الرقابة الصارمة، وإجراء إصلاحات مالية ونقدية شاملة، سيبقى التلازم مستمرًا بين الارتفاع الرقمي لبراميل النفط والانخفاض الفعلي للقدرة الشرائية، تمامًا كما كانت المعادلة قبل عام ألفين وأحد عشر، حين كان الإنتاج يلامس المليونين ولكن بآليات إدارة وحصص دولة مغايرة تمامًا لما هي عليه اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى