اقتصاد

عوائد النفط الليبية.. زيادة ظرفية وسط تحديات هيكلية مزمنة

خبير اقتصادي يحذر من القراءات المضللة للأرقام المالية

تحتل القراءة الدقيقة للمؤشرات المالية في ليبيا أهمية بالغة بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالاستقرار الاقتصادي المعيشي. وفي هذا الصدد، تشير القراءات التحليلية للمشهد المالي الحالي إلى أن الارتفاع الأخير في الإيرادات النفطية لا يمثل مؤشراً على تحسن هيكلي مستدام في بنية الاقتصاد الليبي، بل يعد زيادة ظرفية مؤقتة نتجت عن الظروف الجيوسياسية الدولية، وتحديداً التوترات الراهنة بين إيران والولايات المتحدة التي انعكست على أسعار الطاقة عالمياً، وليس نتيجة تطور في معدلات الإنتاج المحلي.

وتتأكد هذه الرؤية بالنظر إلى استمرار الضغوط الاقتصادية وتذبذب سعر صرف الدولار في السوق الموازية الذي بلغ نحو 8.37 دينار، مما يستدعي عدم الارتكان إلى الطفرة السعرية المؤقتة، والتحضير لسيناريوهات انخفاض الأسعار العالمية في حال زيادة المعروض من الدول المنتجة الأخرى بعد انحسار التوترات.

عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق الدكتور مراجع غيث أكد أن الارتفاع الأخير في الإيرادات النفطية لا يمكن اعتباره مؤشرا على تحسن هيكلي في الاقتصاد الليبي مشددا على ضرورة قراءة الأرقام المالية ضمن سياقها الاقتصادي العام وتجنب الاستنتاجات السريعة حول تحسن الأداء الاقتصادي.

وأوضح أن الأداء الأسبوعي للإيرادات النفطية يعكس زيادة ظرفية مرتبطة بعوامل خارجية أبرزها التطورات الجيوسياسية في أسواق الطاقة وليس نتيجة توسع مستدام في الإنتاج أو تحسن بنيوي في القطاع النفطي.

إيرادات ظرفية وضغوط اقتصادية مستمرة

أشار غيث إلى أن الاقتصاد الليبي يواجه تحديات متراكمة رغم تسجيل إيرادات نفطية مرتفعة موضحا أن العوائد الحالية تتزامن مع استمرار الضغوط على سعر صرف الدولار في السوق الموازية وبلوغه مستويات مرتفعة ما يعكس حالة عدم استقرار نقدي.

وأضاف أن جزءا من الإيرادات النفطية الحالية يرتبط بارتفاع أسعار الطاقة عالميا نتيجة التوترات الدولية مؤكدا أن هذه الزيادة لا تعكس تحسنا دائما في الأساس الإنتاجي للاقتصاد.

سقف الإنفاق وتحديات إدارة الفوائض

أوضح أن الإنفاق العام في ليبيا مقيد بسقف الميزانية المعتمدة من السلطة التشريعية مشيرا إلى أن أي فوائض تتجاوز هذا السقف لا يمكن التصرف فيها خارج الأطر القانونية داعيا إلى توجيه الفوائض نحو الاحتياطيات المالية بدلا من التوسع في الإنفاق الجاري.

ولفت إلى أن التحدي الأساسي لا يكمن في حجم الإيرادات بل في كيفية إدارتها وتوظيفها بما يضمن الاستقرار المالي على المدى الطويل.

ترشيد الإنفاق وإصلاح منظومة الدعم

دعا غيث إلى ضرورة ترشيد الإنفاق العام وتجنب توجيه الفوائض النفطية نحو مصروفات تشغيلية غير ضرورية مشيرا إلى أن بنود المرتبات والدعم تستحوذ على النسبة الأكبر من الإنفاق العام ما يحد من القدرة على تنفيذ مشاريع تنموية حقيقية.

وانتقد استمرار الاعتماد شبه الكامل على الإنفاق الاستهلاكي مؤكدا أنه لا يسهم في خلق نمو اقتصادي مستدام أو توسيع القاعدة الإنتاجية.

وفي ملف دعم الوقود اعتبر أن المنظومة الحالية تمثل عبئا ماليا كبيرا على الدولة وتشهد هدرا واسعا نتيجة التهريب وضعف الرقابة مشددا على ضرورة إصلاح تدريجي يبدأ بتحسين منظومة التوزيع والجباية قبل أي تعديل في الأسعار.

إصلاحات تدريجية وتحول في سياسات الدعم

أكد غيث أن أي إصلاح في ملف الدعم يجب أن يتم بشكل تدريجي يأخذ في الاعتبار الأبعاد الاجتماعية مشيرا إلى إمكانية التحول خلال فترة تمتد بين ثلاث وخمس سنوات من الدعم السلعي إلى الدعم النقدي المباشر.

وأوضح أن نجاح هذا التحول يتطلب تحديد الفئات المستحقة بدقة وتوفير آليات شفافة لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه دون وسطاء مع تقدير نسبة الفئات الهشة بما يتراوح بين 40 و60 بالمئة من السكان.

وختم بالتأكيد على أن الاستقرار الاقتصادي في ليبيا يتطلب توازنا بين العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية من خلال سياسات مالية أكثر انضباطا وإدارة رشيدة للفوائض النفطية بما يضمن الاستدامة على المدى الطويل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى