عربىليبيا

ليبيا على صفيح ساخن.. شبح التوطين يُشعل غضب الشارع والحكومة الليبية تتحرك

الجيش الوطني يطلق حملة واسعة لترحيل المهاجرين غير القانونيين

ليبيا 24

تصاعد الاحتجاجات الشعبية رفضاً لمخططات توطين المهاجرين في ليبيا

لم تعد قضية الهجرة غير الشرعية في ليبيا مجرد ملف إنساني عابر أو معضلة أمنية تُدار في الكواليس المغلقة، بل تحولت خلال الأسابيع الماضية إلى شرارة إشعال كبرى تهدد بتفجير الوضع الاجتماعي والأمني والسياسي في عموم البلاد.

عاد شبح “توطين” المهاجرين غير الشرعيين ليطل برأسه من جديد، ليس كسيناريو مرعب يتم تداوله في الجلسات المغلقة، بل كخطر وجودي يطرق أبواب المدن الليبية، مستفيداً من انقسام السلطة وضعف المؤسسات السيادية في غرب البلاد.

وبين موجة غضب شعبي عارمة ورفض الحكومة الليبية ومجلس النواب، وتحركات ميدانية حازمة من القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية، تتضح ملامح معركة سيادية جديدة عنوانها: ليبيا ليست وطناً بديلاً.

شبح التوطين يخرج من الظل

فجرت وثائق ومعلومات نُسبت إلى مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، تتعلق بإصدار بطاقات لجوء وتصنيف آلاف المهاجرين غير الشرعيين كلاجئين، موجة من الهلع والغضب العارم في الشارع الليبي.

التطورات التي تحدثت عن منع إعادة مهاجرين إلى بلدانهم الأصلية، بالتزامن مع تحركات ميدانية للمفوضية في الداخل الليبي، أعادت إلى الأذهان مخاوف قديمة جديدة من تحول ليبيا من بلد عبور إلى بلد استقرار دائم، في ظل موقعها الجغرافي الحساس على ضفاف المتوسط وضغوط أوروبية متصاعدة لنقل أزمة الحدود إلى العمق الأفريقي.

هذا الكابوس الديموغرافي، الذي لطالما حذر منه الخبراء والمحللون، بات اليوم مادة دسمة للنقاش الشعبي على منصات التواصل الاجتماعي، حيث ربط الليبيون بين هذه الإجراءات الأممية ومشاريع “التوطين” المرفوضة جملة وتفصيلاً، معتبرين أن ما يحدث هو تكريس لواقع يتجاوز البعد الإنساني ليمس صميم السيادة الوطنية والأمن القومي والتوازنات الديموغرافية الهشة أصلاً.

غضب الشارع.. “الأرض أرضنا والبلاد بلادنا”

لم يعد الاستياء الشعبي حبيس الشاشات، بل خرج إلى الشارع في مشاهد تذكر بانتفاضة الضمير الوطني. أطلق ناشطون حملات احتجاج واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، دعوا خلالها إلى التظاهر أمام مقر مفوضية اللاجئين في طرابلس، مطالبين بتعليق أنشطتها ورفض أي مشاريع تتعلق بالإدماج الدائم للمهاجرين غير الشرعيين.

وبالفعل، تحولت تلك الدعوات إلى حشود غاضبة رفعت شعارات قاطعة تعبر عن رفض الليبيين تحويل وطنهم إلى منطقة استيطان بديلة، وسط تأكيدات أن وجود أكثر من مليونين ونصف مليون أجنبي، جُلهم دخلوا البلاد بطرق غير شرعية وغير مسجلين في أنظمة الإقامة والضرائب وفواتير الكهرباء والماء، يشكل قنبلة موقوتة تهدد النسيج الاجتماعي والاقتصادي.

الإعلامي خليل الحاسي لخص هذا الغضب بتصريح لاذع عبر صفحته على فيسبوك، قائلاً: “من حق الليبيين أن يقولوا ما يشاؤون وأن يعبروا عن رفضهم لسياسات مفوضية اللاجئين والأمم المتحدة كما يشاؤون.. الأرض أرضهم والبلاد بلادهم واللي مش عاجبه مشكلته.. ونعم.. ليبيا ليست بلادا للهجرة ولا للتوطين، سواء أعجب ذلك الأوروبيين والغربيين أو ان شاء الله والله ما عجبهم.”

هذا التصريح يعكس بعمق حالة الرفض المطلق التي تجاوزت النخب لتستقر في وجدان المواطن العادي الذي يعاني يومياً من تداعيات الوجود العشوائي للمهاجرين، من استنزاف للبنية التحتية المتهالكة، إلى مزاحمة في الخدمات العامة والرعاية الصحية، وصولاً إلى الاختلالات الحادة في أسواق العقارات والإيجارات، فضلاً عن انتشار أسواق وأحياء عشوائية خاصة بالمهاجرين خارج سلطة الدولة تنتشر فيها ممارسات مخالفة للقانون.

حملة القيادة العامة.. صدام حفتر يشرف على إنفاذ القانون

في الشرق الليبي، حيث الدولة ومؤسساتها متماسكة، جاء الرد على التهديد عملياً وسريعاً. فقد أشرف نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية، الفريق أول ركن صدام خليفة حفتر، بنفسه على الحملة الأمنية الموسعة التي تنفذها الأجهزة الأمنية المختصة بإنفاذ القانون على المخالفين للقوانين الليبية المنظمة لدخول البلاد والإقامة بها، وذلك “حفظاً للأمن العام وسلامة المواطنين”، كما صرح في بيان رسمي.

وأكد نائب القائد العام أنه شدد على “الالتزام بأقصى درجات الانضباط والمهنية في التعامل مع المخالفين، بما يراعي حقوق الإنسان وكرامتهم، مع اتخاذ الإجراءات القانونية والفورية لترحيلهم خارج البلاد.”

الحملة، كما أوضح، “تأتي استجابةً للتهديدات المتصاعدة التي يمثلها ملف الهجرة غير القانونية والتسلل إلى الأراضي الليبية عبر شبكات تهريب المهاجرين والجريمة المنظمة العابرة للحدود.”

هذه التحركات لقيت ترحيباً شعبياً واسعاً، خاصة بعد تأكيده أن “لن نقف مكتوفي الأيدي أمام تفاقم هذا الوضع خلال السنوات الماضية، وما ترتب عليه من مخاطر تهدد حياة المواطنين في مختلف المدن الليبية.”

ونتيجة لهذه التعليمات الصارمة، أعلن فرعا جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في الساحل والبيضاء عن ترحيل مئة وثلاثة عشر مهاجراً من جنسيات سودانية وتشادية ونيجرية، فيما نفذ مركز إيواء المهاجرين غير الشرعيين شرق طرابلس ومديرية أمن تاجوراء حملة أمنية مشتركة استهدفت أماكن تجمع العمالة الوافدة والمخالفين، حيث جرى التحقق من الأوضاع القانونية للأشخاص المستهدفين وضبط المخالفين واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم.

هذه الإجراءات مثلت رسالة واضحة بأن ثمة سلطة في ليبيا قادرة على فرض هيبة الدولة، بعكس الفوضى التي تعم مناطق سيطرة الحكومة منتهية الولاية في الغرب.

الحكومة الليبية تعلن الطوارئ السيادية.. والبيان رقم 8 درع المواجهة القانونية

بالتوازي مع التحرك العسكري والأمني، بادرت الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد المنبثقة عن مجلس النواب إلى إصدار بيانها المرقم (8) لسنة 2026، والذي شكل إعلاناً شاملاً للحرب على مشاريع التوطين والهدر السيادي.

البيان، الذي اطلعت عليه “ليبيا 24″، انطلق من “المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتق الدولة الليبية في حماية سيادتها وصون أمنها القومي والحفاظ على هويتها الوطنية وتركيبتها السكانية ونسيجها الاجتماعي”، مؤكداً أن “مواجهة الهجرة غير الشرعية ومكافحة التوطين والتوطن تمثلان قضية سيادية وأولوية وطنية عليا لا تقبل التهاون أو التساهل.”

ووجهت الحكومة كافة الأجهزة الأمنية والعسكرية وجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية ومديريات الأمن إلى “الشروع الفوري في اتخاذ كافة الإجراءات القانونية والتنفيذية اللازمة للتفعيل الكامل لأحكام القانون رقم (24) لسنة 2023 بشأن مكافحة توطين الأجانب في ليبيا، والقانون رقم (19) لسنة 2010 بشأن مكافحة الهجرة غير الشرعية، والقانون رقم (6) لسنة 1987 بشأن تنظيم دخول وإقامة الأجانب وخروجهم من ليبيا.”

كما تضمن البيان إعلاناً لا لبس فيه بأن “ليبيا ليست بلداً للتوطين أو إعادة التوطين أو الاستقرار الدائم للمهاجرين والأجانب المخالفين للقانون، وترفض بصورة قاطعة ولا لبس فيها أي محاولات مباشرة أو غير مباشرة لفرض سياسات أو ترتيبات تتعارض مع القوانين الليبية.”

هذا الموقف الحازم قوبل بترحيب برلماني وشعبي، حيث أصدرت لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب بياناً أكدت فيه “رفضها القاطع لأي محاولات أو مخططات تستهدف توطين المهاجرين غير الشرعيين داخل الأراضي الليبية”، محذرة من “أي محاولات مباشرة أو غير مباشرة تستهدف إحداث تغييرات ديموغرافية تمس الهوية الليبية.”

خبراء ومحللون: تفريط في السيادة وجمع للمعلومات لصالح الخارج

في الغوص العميق لجذور الأزمة، كشف باحثون ومحللون عن حجم الاختراق الذي تعرضت له السيادة الليبية. الباحث القانوني عبد الله الديباني، في حديث تلفزيوني، أوضح أن “الحشود الشعبية التي شهدتها ليبيا رفضاً لمشروعات توطين المهاجرين بعثت برسالة واضحة إلى المنظمات الدولية برفض أي مساعٍ تهدف إلى تحويل البلاد إلى وجهة لاستقرار المهاجرين.”

وكشف الديباني أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين “لا تملك حق إصدار بطاقات أو وثائق ذات أثر قانوني داخل ليبيا”، معتبراً أن نشاطها “يفتقر إلى الأساس القانوني” لعدم وجود اتفاقية مقر مصادق عليها تمنحها صلاحيات تجاوزت طبيعة مهامها الأصلية، مستشهداً بتصريحات وزير الخارجية بحكومة الدبيبة منتهية الولاية الذي أكد عدم وجود إذن قانوني يمنحها تلك الصلاحيات، بينما قامت الوزيرة السابقة نجلاء المنقوش بمنح المفوضية تسهيلات واسعة.

أما المستشار في الأمن القومي فيصل بوالرايقة، فذهب إلى ما هو أبعد محذراً من “الانكشاف الاستراتيجي” الذي تواجهه ليبيا. وقال بوالرايقة في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24، إن “المفوضية السامية لشؤون اللاجئين قدمت بيانات وإحصاءات تفصيلية حول أعداد المهاجرين واللاجئين وتوزيعهم الجغرافي وجنسياتهم، مما يمنح جهات خارجية قاعدة معلومات واسعة ومتكاملة تفتقر إليها المؤسسات الليبية.”

وأضاف أن “امتلاك الأطراف الخارجية لمعلومات تفصيلية عن الواقع الليبي يمكن أن يُستخدم في ممارسة الضغوط السياسية أو الاقتصادية”، مشيراً إلى أن “غياب المؤسسات الليبية عن إنتاج وإدارة هذه المعلومات يعكس غياب العقل الاستراتيجي للدولة.”

تصريحات بوالرايقة تنسجم مع مخاوف عميقة من أن تتحول بيانات الهجرة إلى أداة ضغط لتكريس واقع التوطين، خاصة مع إقراره بأن بعض البرامج الممولة أوروبياً تقدم مساعدات مالية شهرية للمهاجرين المسجلين.

من جانبه، يرى عضو الحراك المدني لإعادة الشرعية للشعب، أبو بكر الهوني، أن المطالب الشعبية المتصاعدة “لا تمثل تحركاً آنياً، بل هي مطالب وطنية مشروعة ومتداولة في الأوساط الليبية منذ أكثر من عقد.”

وفي تصريحات تلفزيونية، أرجع الهوني حالة الاحتقان إلى “الفشل الممنهج والإخفاق المستمر في إدارة هذا الملف المعقد” من قبل الحكومات المتعاقبة منذ عام 2011، والتي “عجزت تماماً عن صياغة رؤية استراتيجية واضحة.”

وكشف الهوني أن عدداً من مناطق العاصمة طرابلس شهدت شكاوى متكررة من السكان ضد تركز العمالة غير المنظمة، لكن ردود الفعل الرسمية “جاءت مخيبة للآمال ولم تصل إلى مستوى المعالجة الحاسمة، مما جعل خروج المواطنين إلى الشارع خياراً حتمياً بعد أن استنفدوا كافة الوسائل القانونية.”

ودعا الهوني إلى “الانتقال الفوري من مربع التنديد والغضب في الشارع إلى مربع الضغط المباشر والقانوني على المؤسسات السيادية.”

وعلى الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، حدد عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي بُعداً آخر للأزمة بتصريحات تلفزيونية حاسمة، قائلاً: “العمالة غير القانونية هي المسبب الرئيسي للأزمات المعيشية في ليبيا.”

وقدر العرفي أعداد المهاجرين غير القانونيين في البلاد بما يتراوح “بين سبعة إلى ثمانية ملايين”، مشدداً على “ضرورة الالتزام بالترحيل الفوري لكل من لا يملك إجراءات قانونية”، وداعياً إلى “تنظيم دخول العمالة الأجنبية ومنح تأشيرات رسمية وفرض ضرائب قانونية عليهم.”

هذه الأرقام، إن صحت، تجعل ليبيا تواجه خطر اختلال ديموغرافي غير مسبوق، وهو ما أكده عضو مجلس النواب محمد العباني بتصريحات لتلفزيون “المسار”، حيث حذر من أن “توطين المهاجرين سيؤثر على النسيج الاجتماعي ويضر بالأمن القومي، وقد تترتب عليه تحديات صحية وأمنية.”

وفي تحليل لافت للمحلل السياسي عبد السلام الراجحي، عبر تصريح تليفزيوني، حمل السياسات الأوروبية جزءاً من المسؤولية، مشيراً إلى أن “الدعم المقدم لخفر السواحل الليبي أسهم في تحويله إلى أداة لاعتراض المهاجرين وإعادتهم إلى ليبيا، بدلاً من معالجة جذور الأزمة”، كاشفاً أن عدد المعادين من البحر تجاوز مئة وخمسة وخمسين ألف شخص منذ مطلع 2025 حتى أبريل 2026، بينما لا يتجاوز عدد المرحلين مئة وأربعة وعشرين ألف شخص خلال اثنتي عشرة سنة، في مقابل دخول أكثر من مليون مهاجر.

بدورها، أكدت الإعلامية والباحثة في شؤون الأمن والهجرة الدكتورة ريم البركي، عبر حسابها على فيسبوك، أن “ليبيا غير ملزمة باستقبال المهاجرين من قارة أفريقيا على أرضها، وليست طرفاً في اتفاقية جنيف”، مطالبة بـ”إحكام إغلاق الحدود مع من صدر لنا غرب أفريقيا كلها وكدسها في شوارع غرب ليبيا حتى تسربوا لشوارع شرق ليبيا.” ولفتت البركي إلى قضية جوهرية بقولها: “أنا ضد التوطين، لكنّي أيضاً ضد القوانين المهترئة التي لا تردع تجارة البشر وشبكات نقل وتهريب وتسكين المهاجرين.”

المجتمع الدولي بين النفي والشكوك الليبية العميقة

في خضم هذا الغليان، سارع سفير الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا نيكولا أورلاندو إلى التأكيد على أنه “لا وجود لأي دعم أوروبي لتوطين المهاجرين أو اللاجئين في ليبيا”، وأن الاتحاد “لا يؤيد إنشاء مراكز لإيواء المهاجرين داخل ليبيا”، معترفاً بأن “ليبيا لها الحق السيادي في تنظيم دخول الأفراد إلى أراضيها.”

كذلك، جدد مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة الطاهر السني، خلال لقائه في نيويورك بنائبة الممثل الخاص للأمين العام، موقف بلاده الرافض لأي محاولات توطين، بينما أكدت المسؤولة الأممية أن “المنظمة لا تعتزم توطين المهاجرين أو اللاجئين في ليبيا.”

لكن هذه التطمينات تقابل بتشكيك عميق في الشارع الليبي وعند النخب، فالتصريحات تتناقض، من وجهة نظرهم، مع الوقائع الميدانية وإصدار بطاقات اللجوء والتمويلات الضخمة.

الباحث القانوني الديباني لخص هذا التشكك بقوله: “المفوضية أصبحت تؤدي دوراً يتجاوز اختصاصاتها الأصلية، إلى درجة أنها باتت تنفذ سياسات ترتبط بحماية الحدود الأوروبية أكثر من ارتباطها بمعالجة أوضاع المهاجرين.”

حكومة الدبيبة.. غياب الإرادة وصمت مريب

بينما تتصاعد حدة التحرك في الشرق بقيادة القيادة العامة والحكومة الليبية، تقف حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية في الغرب متفرجة أو عاجزة، تاركة ملفاً سيادياً بهذه الخطورة عرضة للتجاذبات والاختراقات.

الإعلامي خليل الحاسي وجه سهام نقده مباشرة إلى هذا الصمت، متسائلاً: “لماذا لا تدرس ملفات عشرات ومئات الآلاف شهرياً من المهاجرين في دولهم الأصلية؟ وما العبرة في دراسة وإجراءات الهجرة نحو أوروبا في ليبيا تحديداً؟” وأجاب بالنيابة عن الليبيين: “الإجابة قطعاً لا. لا توجد فيها أي شروط الدولة حتى.”

هذا الغياب المؤسسي لحكومة الدبيبة هو ما أجج الغضب، حيث رأى عضو الحراك المدني أبو بكر الهوني أن “الحكومات المتلاحقة استغلت بعض الأطراف السياسية فيها هذا الفراغ القانوني لتوظيف ملف الهجرة واستخدامه كأوراق ضغط لتحقيق مكاسب ومصالح خاصة.”

كما أن الكشف عن دخول مهاجرين عبر المطارات الليبية الرسمية بوثائق مزورة، باعتراف مسؤولين حكوميين، يثير تساؤلات عميقة حول تواطؤ أو تقاعس متعمد فتح الباب أمام هذه الكارثة.

السفير الليبي الأسبق لدى أوكرانيا عادل عيسى حذر من محاولة تشويه الموقف الليبي، قائلاً في تدوينة مطولة: “حالة القلق والغضب الشعبي قد يُساء تفسيرها على أنها كراهية أو عنصرية، وهذا لا يعكس حقيقة الموقف. الشعوب التي ينتمي إليها المهاجرون هي شعوب شقيقة وصديقة، والدعوات لتنظيم ملف الهجرة تنطلق من حق الدولة السيادي في إدارة حدودها.”

وأضاف عيسى مستشهداً بما تعرض له صيادون ليبيون في نيجيريا من إجراءات قانونية: “احترام الحدود الوطنية وتطبيق القوانين يمثلان قاعدة دولية راسخة، والمطالب الليبية تقتصر على تطبيق هذه المبادئ.”

نحو استعادة السيادة.. خارطة طريق وطنية

أمام هذا المشهد المعقد، تبدو خارطة الطريق التي رسمتها الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد، والمدعومة من القيادة العامة للقوات المسلحة، هي المخرج الوحيد لاستعادة السيادة المنهوبة.

فالبيان الحكومي رقم 8، بتوجيهه الصريح لكافة الأجهزة باتخاذ إجراءات حازمة لتفعيل قوانين مكافحة التوطين والهجرة غير الشرعية، وتأكيده أن أي برامج توطين “باطلة الأثر وستتخذ حيالها كافة الإجراءات القانونية والدبلوماسية اللازمة”، يمثل نقلة نوعية. كما أن إشراف الفريق أول ركن صدام حفتر الميداني على حملات الضبط والترحيل يعطي بُعداً تنفيذياً رادعاً.

ويرى خبراء أن استكمال هذه المسيرة يتطلب، كما دعا المستشار بوالرايقة، “بناء مؤسسات وطنية قادرة على إنتاج المعرفة وإدارة البيانات وصياغة السياسات العامة استناداً إلى معلومات دقيقة، بدلاً من الاعتماد على تقديرات أو معلومات توفرها أطراف خارجية.”

كما يتطلب، وفقاً لعضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي، “تنظيم دخول العمالة الأجنبية ومنح تأشيرات رسمية وفرض ضرائب قانونية عليهم”، لضبط الإيقاع الاقتصادي والاجتماعي.

ويبقى الرهان الأكبر على وعي الشارع الليبي الذي خرج ليقول كلمته الفصل: “ليبيا ليست بلداً للتوطين”، وعلى مؤسسات الدولة الشرعية التي تمسك اليوم بزمام المبادرة لحماية البلاد من خطر وجودي، بينما تتكشف يوماً بعد يوم هشاشة وخطر الرهان على حكومة منتهية الولاية لا تملك الإرادة ولا الشرعية لحماية تراب الوطن وهويته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى