غير مصنف

إعلان إقليم المنطقة الوسطى انقلاب ناعم على وحدة الدولة الليبية.. مصراتة تلد إقليماً رابعاً والشارع يحذر من تشظي الوطن

إقليم الوسطى: حين تتحول فكرة الإدماج إلى أخطر مشروع تقسيم في تاريخ ليبيا المعاصر

ليبيا 24

من رحم المركزية المشوهة يولد إقليم رابع والمواطن الليبي يدفع ثمن صفقات النفوذ والمال السياسي

في توقيت يبدو فيه الوطن الليبي وكأنه يقف على حافة الهاوية، منقسماً بين حكومتين متنازعتين على الشرعية، وبينما تتعالى أصوات الليبيين البسطاء المكلومين الباحثين عن الخبز والماء والوقود والأمن في شوارع المدن المظلمة، خرجت علينا بلدية مصراتة بما يشبه الانقلاب الناعم على مفهوم الدولة الليبية الواحدة، معلنة بجرة قلم ومن وراء أبواب مغلقة ميلاد ما أسمته “إقليم المنطقة الوسطى”.

الإعلان الذي جاء محاطاً بلغة ناعمة تتحدث عن “تعزيز العمل المشترك” و”ترسيخ مسار الأهداف الواضحة”، لم يخدع أحداً من أبناء هذا الوطن المرهق، الذين رأوا فيه على الفور – وبصورة تكاد تكون جماعية – أخطر محاولة لفرض أمر واقع جديد على خريطة ليبيا، في خدمة أجندات ضيقة ومشاريع جهوية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بمصلحة المواطن الليبي.

إن ما جرى في ذلك الاجتماع الذي ضم عمداء بلديات مصراتة وزليتن وبني وليد وترهونة والخمس وتينيناي والمردوم وقصر الأخيار، لا يمكن عزله عن سياقه السياسي والأمني المعقد، ولا يمكن قراءته ببراءة إدارية كما حاول مطلقوه أن يصوروه.

الجذور التاريخية: حينما يتحول السم إلى دواء والعكس

لا يمكن فهم مأساة إعلان اليوم دون العودة إلى جذور فكرة “المنطقة الوسطى” نفسها. الشهادة الأكثر وضوحاً وبلاغة في هذا السياق تأتي من الدبلوماسي الأسبق السفير محمد خليفة العكروت، الذي ذكر في منشور له على منصات التواصل الاجتماعي أن “المعروف والمعلوم لم تكن هناك منطقة وسطى، كانت طرابلس وبرقة وفزان عبر التاريخ”.

هذه الحقيقة التاريخية الدامغة، التي لا يجادل فيها إلا مكابر أو جاهل، تؤكد أن الأقاليم الثلاثة هي المكونات الأصلية للدولة الليبية منذ استقلالها، وأنها تشكل العمود الفقري للجغرافيا السياسية الليبية.

ويشرح العكروت كيف أن النظام السابق “أراد مسح هذا الفكر من ذهن الليبيين في محاولة منه لتفكيك هذه الثلاثية ورسم شعور لدى الشعب بأن لا توجد مناطق ترسخت في ذهن الليبيين، وأراد أن يقول إن ليبيا دولة واحدة يمكن رسم مقاطعها حسب مصلحة الليبيين وليس حسبما رسمه التاريخ”.

وهكذا ولدت فكرة “المنطقة الوسطى” في سبعينيات القرن الماضي، عبر اقتطاع أجزاء من الأقاليم الثلاثة (امتدت من أجدابيا شرقاً إلى مصراتة غرباً إلى الجفرة جنوباً) ودمجها في كيان هجين هدفه المعلن كان الإدماج والتوحيد، لكنه في جوهره كان محواً للتاريخ وتشويهاً للهوية الجغرافية الليبية.

المفارقة المريرة التي يرصدها العكروت، والتي تشكل مفتاحاً لفهم ما يحدث اليوم، هي أن “المنطقة الوسطى التي هي ليست إقليماً، والتي كان الهدف منها دمج الأقاليم الثلاثة ومحو فكرة أنها كيانات بذاتها، أصبحت الآن تنادي وتدعو لاعتبارها منطقة منفصلة عن الأقاليم المعروفة تاريخياً، وأصبحت ترى في تصنيفها كمنطقة لها حدودها وامتدادها وسلطتها، ترى في ذلك أمراً واقعاً مفروضاً”.

إنها لعبة سياسية مقلوبة: الأداة التي صممت أصلاً لتدمير فكرة الأقاليم الثلاثة باتت اليوم هي نفسها الأداة التي تهدد بتكريس تقسيم البلاد إلى أربعة كيانات منفصلة. “هل أصبحت المنطقة الوسطى عامل تقسيم بدلاً من عامل توحيد؟”، سؤال العكروت يبقى معلقاً في الهواء الثقيل، والإجابة عنه بدأت تتكشف أمام أعيننا فصلاً فصلاً.

الوجه الآخر للإعلان: حكومة الدبيبة والمشروع الجهوي المشبوه

في قلب هذا المشروع، تقف حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية كراعٍ وداعم أساسي، إن لم تكن هي المحرك الفعلي من وراء الكواليس. المعلومات المتقاطعة من مصادر متعددة، والتي تجد صداها في تعليقات الشارع الليبي وتحليلات النخب، تشير بوضوح إلى أن “مساعي حثيثة تقودها حكومة عائلة الدبيبات الفاسدة بشأن ضم مدن بني وليد وترهونة تحت مدينة مصراتة لما يسمى إقليم الوسطى”، وفق ما يتداوله ناشطون ومحللون سياسيون على نطاق واسع.

الوزيرة السابقة سميرة الفرجاني وضعت النقاط على الحروف في منشور لاذع وعميق على صفحتها بموقع فيسبوك، حيث وصفت ما فعله عمداء البلديات بأنه “كارثة حقيقية”، مضيفة: “من الناحية القانونية لا يحق لهم ذلك، لأن تقسيم ليبيا لأقاليم هذا قرار سيادي ويجب أن ينص عليه الدستور، وليس مجرد عمداء بلديات طلعت في رأس أحدهم الفكرة وسوق لها”.

ثم انتقلت الفرجاني إلى جوهر المسألة قائلة: “بهذا الإجراء وهذا الإعلان هم نفذوا أجندة دول محور الشر والأمم المتحدة، فإن كانوا يعلمون بذلك فهي مصيبة، وإن كانوا لا يعلمون فالمصيبة أكبر”.

التحذير الذي أطلقته الفرجاني ليس مجرد رأي عابر، بل هو قراءة استراتيجية تستند إلى فهم عميق للسياق الإقليمي والدولي. فالوزيرة السابقة تشير بأصابع الاتهام إلى أن قوى إقليمية ودولية منذ سنوات تسوق لتقسيم ليبيا إلى أقاليم وبهذا يسهل تقسيمها فيما بعد لدويلات صغيرة”.
وتضيف تحذيراً تاريخياً: “انظروا إلى كل الدول التي أعلنت فيها أقاليم، بعد سنوات تم انفصالها”. هذه الشهادة تضع إعلان مصراتة في إطاره الحقيقي: ليس خطوة تنموية أو إدارية، بل حلقة في سلسلة مخطط تقسيمي إقليمي ودولي طويل الأمد.

البعد العسكري: صفقة إعادة تموضع وكنس للخصوم

لكن الأخطر من الأبعاد السياسية والدستورية هو البعد العسكري والأمني الذي يكشف عن الوجه الحقيقي لمشروع إقليم الوسطى. المعلومات التي باتت شبه مؤكدة في دوائر المتابعين والمراقبين تشير إلى أن الإعلان ليس سوى غطاء لصفقة إعادة تموضع عسكري وأمني واسعة، تهدف بالدرجة الأولى إلى إضعاف وإقصاء قوة عسكرية صاعدة بدأت تشكل مصدر قلق لمشروع الدبيبة والميليشيات المصراتية، وتحديداً “لواء 444 قتال” بقيادة محمود حمزة.

وفقاً لمصادر متطابقة تناقلتها منصات التواصل الاجتماعي، فإن ضم بني وليد وترهونة تحت مظلة “إقليم المنطقة الوسطى” يعني عملياً “تقليص نفوذ لواء 444 قتال وإخراجه من المنطقة بالكامل، لأنه يتبع المنطقة العسكرية طرابلس”.

المصادر تؤكد أنه “تم تكليف مختار جحاوي آمر قوة مكافحة الإرهاب بتأمين مدينة ترهونة بدلاً من لواء 444، وكذلك تم تكليف القاطع الحدودي الأول بتأمين مدينة بني وليد بدلاً من اللواء ذاته”.

أحد المحللين الأمنيين علق على هذه المعلومات بقوله بكل وضوح: “الحقيقة الغائبة عن أغلب الليبيين: إعلان إقليم الوسطى هو إعلان عسكري، وأول المتضررين محمود حمزة، سيخرج من ترهونة وبني وليد”.

هذه التفاصيل تكشف الطبيعة الحقيقية للمشروع: إنه ليس مشروعاً تنموياً أو إدارياً كما يروج له، بل هو عملية تطهير عسكري وتوزيع جديد لمناطق النفوذ والغنائم بين الميليشيات المتنافسة في المعسكر الغربي، تحت غطاء “الإقليم” الذي يمنح الشرعية السياسية والإدارية لهذا التقسيم الجديد للكعكة.

وكما علق أحد المتابعين على منصات التواصل: “يعني محمود حمزة معد عنده شي في إقليم المنطقة الوسطى… وسنشاهد في هذه الأيام تراجع أرتاله من بني وليد وترهونة إلى طرابلس في صلاح الدين بمقر التكبالي”.

انزياح خطير: من المحافظات إلى الأقاليم… من الإدارة إلى التقسيم

هنا يكمن الانزلاق الأخطر الذي يمر به الليبيون اليوم دون أن ينتبه له كثيرون. قانون الحكم المحلي رقم 59 لسنة 2012، وهو القانون النافذ الذي ينظم الإدارة المحلية في ليبيا، يتحدث بوضوح عن “المحافظات” وليس “الأقاليم”. هناك فرق جوهري وكبير بين المصطلحين، فرق لا يمكن أن يكون نتيجة صدفة أو خطأ في التسمية، بل هو اختيار واعٍ ومقصود يحمل في طياته أهدافاً سياسية محددة.

النائب بمجلس النواب جاب الله الشيباني نبه إلى هذه النقطة في منشور له على فيسبوك قائلاً: “راودت فكرة إقليم المنطقة الوسطى الكثيرين ولكنها دائماً تصطدم بفكرة التمسك بالأقاليم التاريخية الثلاثة ويصاحبها شعور غامض من الريبة والشك في أغراض وأهداف المنادين بها والتخوف من الخفايا المستترة وراء هذه الدعوة، وغالباً ما يفضل نظام المحافظات المجرب مع منح صلاحيات واسعة لها عن نظام الإقليم الرابع الذي قد يتسع إلى الخامس والسادس والسابع”.

الشيباني، يضيف: “من الحكمة أن يتم اعتماد نظام المحافظات ذات الصلاحيات الواسعة أو يترك كل شيء على حاله إلى حين الخروج من الفوضى والاستفتاء على الدستور الذي يعالج هذه المسائل وقيام الدولة”.

وهذا بالضبط ما أكد عليه معلقون قانونيون على منصات التواصل، حيث ذكروا بأن “قانون الحكم المحلي رقم 59 توجد فيه محافظات وليس أقاليم. خبر إعلان بدون صدور قرار. من حيث المبدأ، إنشاء الأقاليم أو إعادة تقسيم الوحدات الإدارية في ليبيا ليس من اختصاص مجلس بلدي منفرد، بل يعد من المسائل التنظيمية والإدارية التي تتطلب صدور تشريعات أو قرارات من الجهات المختصة على مستوى الدولة”.

لماذا هذا الإصرار إذن على كلمة “إقليم” بدلاً من “محافظة”؟ الوزيرة السابقة سميرة الفرجاني أجابت على هذا السؤال بوضوح: “لو أعلنوها محافظة الوسطى لكان أفضل بكثير، مع أنه إجراء غير قانوني، ولكن أفضل مليون مرة من الإقليم.

فالمحافظة لا تكون إلا داخل دولة موحدة، والإقليم يكون في دولة مقسمة أو يجهزون لتقسيمها”. وأضافت تحذيراً واضحاً: “إن كانت النوايا حسنة فليتم التراجع عن هذه التسمية وليتم تسميتها محافظة المنطقة الوسطى وهذا جانب تنظيمي وحلو. بس اتقولي إقليم وغدوة كل إقليم يقولك ثرواتي ما تمشيش للإقليم الثاني وبعدها نقسموا الأقاليم وكل دولة من دول محور الشر الطامعة سوف تريد انفصال الإقليم المستفيدة منه”.

كارثة الصخيرات تتكرر: عمداء البلديات يوقعون على تقسيم البلاد

المقارنة التي ساقتها الوزيرة السابقة الفرجاني بين ما فعله عمداء البلديات اليوم وما جرى في اتفاق الصخيرات المشؤوم تستحق التأمل العميق. لقد قالت الفرجاني بوضوح: “لا أدري بدل ما توحدوا بلادكم كل يوم طالعين علينا بمصيبة، ألا يكفي ما فعلوه عمداء البلديات من كارثة اتفاق الصخيرات وانضمامهم له والذي ضيع البلاد وقانونها ودستورها وسيادتها؟ اليوم طلعونا بشيء أفظع وهو تقسيم البلاد”.

هذه الإشارة إلى اتفاق الصخيرات، الذي وقعه آنذاك بعض عمداء البلديات وممثلي المجتمع المدني وأحزاب لم تكن تمثل أكثر من نفسها، تذكرنا بسيناريو مكرر: شخصيات لا تملك تفويضاً شعبياً حقيقياً ولا غطاء دستورياً تتخذ قرارات مصيرية ترسم مستقبل البلاد لعقود قادمة. والنتيجة دائماً واحدة: مزيد من الانقسام والفوضى وإراقة الدماء.

وكما قال النائب جاب الله الشيباني بلهجته الشعبية المحببة: “خطرها ع اللي ترك صلاة الفرض ويصلي في السنة”.

إن عمداء البلديات الذين اجتمعوا في مصراتة هم “جسم خدمي فقط ولا يحق لهم أن يشطحوا هكذا شطحات ستضيع البلاد مستقبلاً”، كما قالت الفرجاني. فمن أعطى هؤلاء العمداء، الذين يفترض أن تنحصر مهمتهم في توفير الخدمات البلدية ومعالجة مشاكل الصرف الصحي والإنارة والنظافة، الحق في إعادة رسم الخريطة السياسية للبلاد وإعلان أقاليم جديدة؟

أين الشعب الليبي من هذه القرارات؟ أين البرلمان المنتخب؟ أين الدستور الدائم الذي طال انتظاره؟ أين الاستفتاء الشعبي الذي يفترض أن يكون الفيصل في مثل هذه القضايا المصيرية؟

ردود فعل الشارع الليبي: غضب عارم ورفض قاطع

إذا كان هناك ما يبعث على بعض الأمل في هذا المشهد القاتم، فهو رد فعل الشارع الليبي الذي عبر بوضوح لا لبس فيه عن رفضه القاطع لهذه المهزلة. فعلى منصات التواصل الاجتماعي، انفجرت موجة عارمة من الغضب والسخرية والاستهجان، كشفت عن وعي شعبي عميق بطبيعة المؤامرة التي تحاك ضد البلاد.

أحد المعلقين على فيسبوك لخص الموقف بقوله: “هذه ردة فعل لأنهم فقدوا مدينة تاورغاء بعد إعلان المحكمة بطلان ضم المدينة لمصراتة، فصاروا يبحثون عن أي شيء لاستيعاب المدينة، فوجدوا الإقليم كذريعة. أما الحقيقة فليبيا هي ليبيا الاتحادية المركبة وليست واحدة: برقة وطرابلس الغرب وفزان، وهذه هي الحقيقة”.

وذهب معلق آخر إلى ما هو أبعد من ذلك حين قال: “إعلان بلدية مصراتة إنشاء إقليم الوسطى بجرة قلم سيكون سابقة يمكن البناء عليها.

فمبرر البلدية ومن سار في ركابها تحقيق الشراكة وخدمة المنطقة، إذن بهذا يكون الحق لأي منطقة أو عرق من الأعراق – بدواً أم أمازيغاً أم تبو أو طوارق – الإعلان عن تأسيس أقاليمهم ويتوقفوا عن استجداء حقوقهم من قوم لا يعترفون إلا بمنطق المغالبة وحق القوة. ومن حق إقليم طرابلس أن يطلب من إقليم الوسطى رفع الوصاية من عليه”.

معلق آخر عبر عن سخريته وغضبه قائلاً: “نبوا علم ونشيد وعملة غير الدينار كان تبونا نقعدوا معاكم في الإقليم. مافيش خبر عالانتخابات امتاع الإقليم”.

بينما حذر آخر: “فرحان واجد ماهي هذه بدية التقسيم يافالح. كانت ليبيا ثلاثة أقاليم واليوم قسموها إلى خمسة أقاليم وهذا ما يفرحك: فرق تسود”.

ولم تخل منصات التواصل من الصرخات المدوية ضد هذا المشروع، حيث كتب أحدهم: “ليبيا واحدة وتتنقرا من جهتين يا انفصاليين يا جهويين يا…”، بينما اختصر آخر رسالته باللهجة الليبية الدارجة: “فكونا بالله راهو مش ناقصنا”.

التحذير من العدوى: سيناريو التفريخ الإقليمي

أحد أخطر ما كشف عنه هذا الإعلان هو فتحه الباب على مصراعيه لسيناريو “العدوى الإقليمية”، أو ما وصفه الدبلوماسي الأسبق حسن الصغير في منشور له على فيسبوك بـ”تفريخ مزيد من مسميات الأقاليم”.

الصغير قال بعبارته الساخرة: “سنة 2026 فوجئنا بإقليم طرابلس يحمل جنيناً وتمت ولادته بحضور أهله وذويه، لا بأس في تفريخ مزيد من مسميات الأقاليم لكن لا أعتقد بأن تفريخها من العدم سيكون له التأثير الذي يتطلع إليه من سهروا على الحقن المجهري والعلاج الهرموني المؤقت لإقليم طرابلس”.

لكن الصغير عاد إلى صلب الموضوع مؤكداً: “ليبيا استقلت بثلاثة أقاليم لا رابع لها، وحقيقتها السياسية والجغرافيا السياسية لها ثلاثة أقاليم”. هذه الشهادة من دبلوماسي مخضرم تتقاطع مع ما ذكره العكروت لتشكل إجماعاً للنخبة الوطنية الرافضة لهذا المشروع.

أما الخبير الاقتصادي علي الشريف فاكتفى بتعليق مقتضب ومعبر: “يبدو أن القسمة في ليبيا لم تعد على ثلاثة بل على أربعة بعد ظهور الإقليم الرابع… ماذا بعد!!!!!”. علامات التعجب والاستفهام في منشور الشريف تلخص حالة الصدمة والقلق التي انتابت كل ليبي غيور على وطنه.

الإعلامية عفاف الفرجاني كانت أكثر حدة ووضوحاً في منشورها الذي عنونته بـ”#إقليم_الوسطى” وكتبت فيه: “مصطلح يعزز الانقسام ويكرس المناطقية في بلد يتآكل أصلاً من كثرة الانقسامات.
شكراً مصراتة، خطوة أخرى في طريق التشظي الذي أوصل ليبيا إلى ما هي عليه، والفضل يرجع لكم في كل مرة”. ثم وجهت سهامها إلى عمداء البلديات قائلة: “لا كلام يقال أيضاً إلا: شكراً لعمداء بلديات ترهونة وزليتن وبني وليد على انبطاحكم لإرادة بارونات الفوضى ومافيا الحكم. هذا الشرخ الجديد الذي سيطال خاصرة الوطن، وبسببكم لن يأخذكم إلا إلى مزبلة التاريخ”.

تهديدات من برقة: طبول الانفصال تقرع مجدداً

في خضم هذا الجو المشحون، لم يتردد ناشطون محسوبون على إقليم برقة التاريخي في الرد بطريقتهم الخاصة، محذرين من أن مشروع إقليم الوسطى قد يكون القشة التي تقصم ظهر البعير بالنسبة لوحدة البلاد. أحد المنشورات التي حملت نبرة تهديدية واضحة كتبت مخاطبة صانعي القرار في الغرب الليبي:

“إلى كل من يحاول إعادة رسم الخرائط على مقاس مصالحه الضيقة، وإلى كل من يتهاون في تقدير حجم ومكانة هذا الإقليم التاريخي… إليكم الرسالة واضحة دون رتوش: نحن الأصل والأساس. عندما يتحدث إقليم برقة، فإنه يتحدث من موضع التاريخ والنضال والثقل الاستراتيجي والنفطي الذي قامت على أكتافه الدولة الليبية.

نحن لسنا طرفاً يمكن تجاوزه أو التهاون في حقوقه. كفى عبثاً وتقسيماً: استحداث أقاليم ومسميات جديدة في هذا التوقيت الحرج ليس إلا محاولة لخلط الأوراق وتفتيت المفتت. برقة لا تقبل بسياسة فرق تسد ولا الالتفاف على الاستحقاقات الشرعية لأهلها”.

ثم جاء التحذير الأكثر خطورة: “إن استمرار التلاعب بالثروات والمركزية المقيتة لن يزيدنا إلا تمسكاً بحقوقنا كاملة غير منقوصة. إما شراكة حقيقية تضمن لبرقة مكانتها التاريخية والاقتصادية، أو أن لكل حادث حديث… الانفصال قدام”.

هذا التهديد الصريح بالانفصال يجب أن يقرع أجراس الإنذار في رؤوس كل من لا يزال لديه ذرة من عقل ووطنية. فإقليم الوسطى، بمجرد الإعلان عنه، تحول إلى ذريعة جاهزة لمن يريدون تقويض وحدة البلاد من الشرق، تماماً كما حذرت الوزيرة السابقة سميرة الفرجاني.

المحصلة: تفكيك منظم للدولة أم جهل مطبق بالعواقب؟

في الختام، لا يمكن لمن يتابع هذا الملف من منظور وطني خالص إلا أن يصل إلى نتيجة واحدة: إعلان إقليم الوسطى هو إما نتيجة جهل مطبق بالعواقب القانونية والسياسية والتاريخية، وإما نتيجة خيانة موصوفة وتنفيذ متعمد لأجندة تقسيمية إقليمية ودولية.
وفي الحالتين، فإن النتيجة واحدة: مزيد من التشظي والتفتيت لوطن أنهكته الحروب والانقسامات والصراعات على السلطة والثروة.

لقد صدق الإعلامي عطية باني حين كتب على صفحته بفيسبوك: “تلاقت علينا من كل تركينة هجرة وتوطين وبتزيدونا حتى إقليم وهكي معناها توا تطلع المنطقة الغربية تبي إقليم وبرا هات ايديك… فكونا بالله راهو مش ناقصنا”.

نعم، الوطن الليبي لا ينقصه المزيد من الانقسامات، ولا يحتمل المزيد من المشاريع المشبوهة التي تدفع به نحو الهاوية.

ما نحتاجه اليوم، ليس إعلان أقاليم جديدة من طرف مجالس بلدية لا تملك أي تفويض شعبي أو دستوري، بل نحتاج إلى دستور دائم يستفتى عليه الشعب الليبي، وإلى انتخابات حرة ونزيهة تفرز سلطة شرعية موحدة، وإلى تفعيل نظام المحافظات الذي يكفله القانون النافذ، وإلى الوقوف صفاً واحداً في وجه المشاريع التقسيمية التي تتربص بالبلاد من الداخل والخارج.

وعلى المواطن الليبي، الذي عبر عن موقفه بوضوح على منصات التواصل الاجتماعي وفي الشارع، أن يبقى يقظاً وحارساً لوحدة وطنه، رافضاً لكل هذه المهازل التي يراد لها أن تمر مرور الكرام. فليبيا، بتاريخها وجغرافيتها وشعبها، هي أكبر من كل هذه المؤامرات الصغيرة، وستبقى عصية على التقسيم مهما بلغت حماقة الحمقى وخيانة الخونة.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى