ملف الهجرة رهينة الكرسي.. كيف تحولت معاناة الليبيين الديموغرافية إلى ورقة سياسية لشراء الشرعية الدولية؟
خطاب سيادة وواقع تبعية.. حين يرفع الدبيبة شعار "لن نكون حراساً لأوروبا" فيما تُدار سياسات ميدانية تعاكس ذلك
ليبيا 24- عبدالعزيز الزقم:
هندسة التناقض: تشريح العقل السياسي لحكومة انتهت ولايتها
في خطابٍ يفيض بعبارات الحماسة السيادية والدفاع عن الكرامة الوطنية، خرج رئيس الحكومة منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، ليرسم صورة “الرافض” الذي يقف في وجه الأطماع الأوروبية، مؤكداً رفضه تحويل ليبيا إلى “حارس لأوروبا” أو جعل أراضيها “وطنًا بديلاً” للمهاجرين.
لكن قراءة معمّقة للمشهد، تتجاوز البيانات المصوّرة والكلمات المنتقاة بعناية للاستهلاك المحلي، تكشف عن فجوة واسعة بين الخطاب المعلن والسياسات المطبقة على الأرض.
إنها فجوة تضع المواطن الليبي أمام حقيقة معقدة تتجاوز الشعارات السياسية إلى واقع ميداني مختلف.
خطاب للاستهلاك المحلي: “لن نكون حراساً لأوروبا”
في إطلالته الأخيرة حول ملف الهجرة غير النظامية، قدّم رئيس الحكومة منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، خطاباً مشحوناً بالبعد الوطني، رافضاً أن تتحول ليبيا إلى “حارس لأوروبا” أو أن تكون طرفاً في مشاريع “التوطين”.
وأشار الدبيبة إلى أن حكومته تطلب الدعم من دول مثل قطر وتركيا لمواجهة الأزمة، مؤكداً أن الانتقادات الموجهة لهما “غير مبررة”.
غير أن هذا الخطاب، رغم تماسكه الظاهري، سرعان ما يتعرض لأسئلة سياسية وميدانية تعيد فتح ملف التناقضات.
ازدواجية السياسة بين الخطاب والميدان
يرى المحلل السياسي خالد الحجازي أن المشهد يعكس “ازدواجية سياسية واضحة”، موضحاً أن الأجهزة الأمنية في طرابلس، وعلى رأسها جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية وخفر السواحل، تتلقى دعماً وتمويلاً وتدريباً من الاتحاد الأوروبي وإيطاليا
ويضيف أن هناك اتفاقيات وتفاهمات مستمرة مع الجانب الأوروبي، خصوصاً مع إيطاليا، تهدف إلى اعتراض قوارب المهاجرين وإعادتهم إلى ليبيا.
ويؤكد أن هذا الدور ينسجم عملياً مع مفهوم “حراسة الحدود الأوروبية”، حتى وإن تم إنكاره سياسياً، حيث تُنفذ السياسات الفعلية ضمن إطار تعاون أمني ولوجستي مقابل دعم سياسي وفني.
ملف الترحيل والتوطين: سياسة الأمر الواقع
رغم الرفض الرسمي لمصطلح “التوطين”، يشير الحجازي إلى أن إدارة مراكز الاحتجاز، في ظل غياب برامج ترحيل فعالة، تؤدي إلى بقاء المهاجرين لفترات طويلة داخل ليبيا.
ويؤكد أن ضعف السيطرة على الحدود الجنوبية، مقابل التركيز على السواحل الشمالية، يخلق واقعاً غير متوازن يجعل ليبيا نقطة احتجاز لا عبور.
الحلفاء الإقليميون: دعم أم نفوذ؟
يثير الدفاع السياسي عن علاقات ليبيا مع تركيا وقطر جدلاً واسعاً في الداخل.
ويرى مراقبون أن هذه العلاقات، خصوصاً في ظل الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية، تطرح تساؤلات حول طبيعة الدور الذي تلعبه هذه الدول في المشهد الليبي.
في المقابل، يعتبر مؤيدون أن هذه العلاقات تدخل في إطار التعاون السياسي والدعم الدولي، بينما يرى منتقدون أنها جزء من معادلة نفوذ إقليمي معقد.
صوت الشارع: أزمة إدارة لا أجهزة
في شهادات ميدانية، يؤكد مواطنون من مناطق مختلفة أن الأجهزة الأمنية قادرة على التعامل مع بعض بؤر الهجرة، لكنها تصطدم بغياب حلول شاملة.
ويقول أحد الناشطين إن المشكلة ليست في التنفيذ الأمني، بل في غياب رؤية سياسية متكاملة تشمل التشريعات، والاتفاقات الدولية، والبنية التحتية اللازمة للتعامل مع الملف.
التكلفة الاجتماعية والأمنية
يشير الواقع الاجتماعي إلى أن تدفق المهاجرين غير النظاميين يفرض ضغوطاً متزايدة على المدن الليبية، سواء من حيث سوق العمل أو الخدمات أو التوترات الاجتماعية.
وتحذر جهات محلية من أن استمرار الأزمة دون حلول جذرية قد يؤدي إلى تعقيدات أكبر على مستوى النسيج الاجتماعي.
البعد الأوروبي: ترتيبات وتشديد للحدود
في المقابل، يعمل الاتحاد الأوروبي على تشديد سياساته المتعلقة بالهجرة، عبر تسريع إجراءات الترحيل وإقامة مراكز معالجة خارج حدوده.
وتُطرح فكرة “المناطق الآمنة” داخل دول شمال أفريقيا، بما فيها ليبيا، كجزء من الحلول المقترحة لإدارة تدفقات الهجرة.
غير أن هذه الطروحات تواجه رفضاً واسعاً داخل ليبيا، رسمياً وشعبياً، خشية تحول البلاد إلى منطقة احتجاز طويلة الأمد للمهاجرين.
مراكز خارج الحدود والنموذج اليوناني
تتجه بعض الدول الأوروبية، مثل اليونان، إلى تطوير نموذج يقوم على نقل المهاجرين المرفوضين إلى مراكز خارج الاتحاد الأوروبي.
ويُنظر إلى هذا التوجه باعتباره جزءاً من إعادة تشكيل سياسة الهجرة الأوروبية، بما يخفف الضغط الداخلي وينقل العبء إلى دول العبور.
من يدفع الثمن؟
في المحصلة، يبقى السؤال الأساسي قائماً: من المستفيد من استمرار الأزمة دون حلول جذرية؟
تشير المعطيات إلى أن استمرار الوضع الراهن يخدم أطرافاً متعددة، بينما يبقى العبء الأكبر واقعاً على الدولة الليبية والمجتمع المحلي.
ويخلص مراقبون إلى أن معالجة الملف تتطلب رؤية شاملة تتجاوز الاستخدام السياسي للأزمة، نحو حلول مستدامة تشمل الحدود والتنمية والاتفاقات الدولية.
خاتمة
بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، تتسع الفجوة في ملف الهجرة داخل ليبيا، ليبقى المواطن هو المتأثر الأول والأخير بتعقيدات مشهد تتداخل فيه السياسة بالأمن والجغرافيا بالمصالح الدولية.



