بين “سيادة” الخطاب و”ولاءات” التمثيل.. تشريح معمق لنخبوية المشهد الليبي من الداخل
من طاولة الحوار إلى مربع "الولاءات".. جدل ليبي رفيع المستوى يفضح آلية الاختيار ويُغيّب الكفاءات
ليبيا 24 :
الملكية الوطنية “شعار موسمي”.. حوار يكشف تناقضات النخبة ويُعيد إنتاج الوجوه ذاتها
في انزياح نادر عن الصياغات الدبلوماسية المُنقّحة التي تطبع بيانات البعثات الأممية وبلاغات الأجسام السياسية، انفجر نقاش على منصات التواصل الاجتماعي بين قطبين من النخبة الليبية، ليكشف عن صدوع جوهرية في بنية الحوار الوطني ذاته.
لم يكن الجدل الذي احتدم بين الدكتورة منال أبوعميد والناشطة السياسية نادية الراشد مجرد تبادل لوجهات النظر، بل تحول إلى ما يشبه جلسة استماع علنية شرّحت آليات إعادة إنتاج النخب، وألقت بظلال كثيفة على مفهوم “الملكية الوطنية” الذي طالما تغنت به البيانات الختامية للمسارات التفاوضية.
ما وراء “شعار السيادة”: تفكيك مركزية الخطاب
بدأت الشرارة الأولى من تدوينة لأبوعميد، التي تُعد صوتاً نسوياً بارزاً في الحوار المهيكل، حيث شخّصت ما أسمته بـ”حالة التناقض السياسي الواضحة”.
وفي قراءة تذكر بأطروحات المراكز البحثية الإستراتيجية، أوضحت أن الخطاب السيادي لم يعد انعكاساً لموقف مبدئي، بل تحول إلى ورقة ضغط تفاوضية.
وقالت أبوعميد في معرض تحليلها: “المشكلة ليست في مخرجات الحوار بقدر ما هي في حالة التناقض السياسي الواضحة، حيث يتم استخدام شعارات الوطنية والسيادة كأدوات للمزايدة وتضليل الرأي العام وافتعال المخاوف”.
وأشارت في منشورها إلى أن “أكثر المتحفظين والمتحدثين اليوم عن السيادة والملكية الوطنية هم أنفسهم من تنطبق عليهم أو يدافعون عن واقع يتجاوز الحدود التي يحاولون رسمها للآخرين”، في إحالة مباشرة إلى ازدواجية معايير النخبة التي تنتقد التدخل الخارجي حين لا يخدم مصالحها، بينما تستند إليه في أطوار أخرى من الصراع على السلطة.
إنه توصيف دقيق لمأزق الطبقة السياسية حيث تُستدعى السيادة بشكل انتقائي.
من “البعثة” إلى “التزكية”: نادية الراشد تفكك بنية الاختيار
لتأتي استجابة الراشد، التي لم تكن مجرد تعليق عابر، بل كانت أشبه ببيان سياسي مقتضب يكشف قناعة راسخة لدى قطاع واسع من النشطاء بأن المشهد برمته يعاد إنتاجه منذ سنوات.
ردها الأول كان صريحاً: “عارفين هذا الكلام من البدايات ومنذ اختيارات البعثة للأسف تكرار وإعادة نفس النماذج معروفه النتائج مسبقاً”.
في هذه الجملة، تختصر الراشد إشكالية مزمنة تتجاوز مسار حوار واحد لتضرب بجذورها في عمق إخفاقات البعثات الأممية المتعاقبة.
هنا تدخلت أبوعميد بتوافق نقدي مع الراشد، مضيفةً بعداً أكثر خطورة في تفكيك آليات التمثيل، حيث أوضحت أن “هناك شخصيات تم اختيارها ليس من البعثة بشكل مباشر بل بتزكية من هذه الأطراف والتمسك بها”.
هذا التوصيف الدقيق يكشف أن الخلل لا يقع فقط على عاتق الوسطاء الدوليين، بل على الأجسام السياسية الليبية ذاتها التي تزكي عناصر لا تملك، وفق تعبير أبوعميد، “رؤية وطنية بل لتمرير أفكار مشوهة وتخريب الحوار من أصله”. إنها اتهامات متبادلة تعصف بفكرة “التمثيل الحقيقي”.
“نفس الوصفات” منذ 2012: الولاءات السياسية تطغى على الكفاءة
لم تتوقف الراشد عند حدود النقد العام، بل مضت إلى تأريخ هذه الظاهرة وتجسيدها، قائلة: “للأسف أغلب المشاركات تعرفوهم ذات وصفات… نعرفهم من 2012 وتياراتهم وأجنداتهم”.
إنها تشير إلى ظاهرة “التدوير السياسي” لنفس الوجوه، التي تنتقل من مسار تفاوضي إلى آخر، محملة بإرث الصراعات القديمة. وفي أعمق نقطة في الحوار، كشفت الراشد عن الآلية غير المكتوبة التي تحكم هذا التمثيل: “حتى في مشاركات المرأة لا تعتد إلا بالولاءات والمحسوبية”.
هنا ترتقي المناقشة من مجرد خلاف سياسي إلى تحليل سوسيولوجي لبنية السلطة الليبية، حيث لا تُقاس المشاركة السياسية للمرأة بمدى كفاءتها أو قاعدتها الشعبية، بل بمدى ولائها للتيار الذي رشحها، مما يفرغ تمثيل المرأة من مضمونه التحولي ويجعله امتداداً لنفس منظومة المصالح الذكورية.
في هذا السياق، تصبح “الكفاءات في الظل”، كما وصفتهم الراشد، ضحايا لنظام سياسي قائم على “المحسوبية” يغلق الباب أمام أي تجديد حقيقي للنخبة.
أزمة الثقة كمدخل للأزمة الوطنية
ما كشفه هذا الجدل النخبوي الرفيع ليس مجرد خلاف حول أسماء أو مسار بعينه، بل أزمة بنيوية في مفهوم “التمثيل” ذاته. عندما تعود أبوعميد لتؤكد أن عملية الاختيار تمت “بتزكية من الأجسام التي طلبت منها البعثة تزكية وترشيح أسماء”، فإنها بذلك تقدم المفاتيح التفسيرية لسبب الجمود السياسي الليبي.
فطالما ظلت هذه الأجسام تقدم “نفس الوصفات” وتحتكر حق تزكية الممثلين، فإن أي حوار لن يفضي إلى سلام مستدام، لأنه سيبقى حواراً بين ظلال المصالح ذاتها.
يبقى السؤال المعلق على هذا السجال الاستثنائي: كيف يمكن للمسارات السياسية أن تنجح إن لم تسبقها مصارحة حقيقية حول “ولاءات” الممثلين قبل الحديث عن “ولائهم للوطن”؟ إن استمرار هذه الآليات، كما يحذر هذا الحوار من الداخل، لا يُنتج إلا ما أسمته الراشد بـ”النتائج المعروفة مسبقاً”.



