بين الإدماج الحقوقي وجدل السيادة.. رؤيتان من قلب الحوار المهيكل تعيدان تشكيل معادلة المرحلة الانتقالية
الأوجلي تعلن تحويل ملف ذوي الإعاقة من “المسار الرعائي إلى الحقوقي”.. والشويهدي تحذر من “توظيف السيادة كأداة ظرفية”
ليبيا 24:
منصة الحوار المهيكل تسفر عن تحولات جوهرية في ملفات الإعاقة والحوكمة والمصالحة وسط نقاش وطني متصاعد حول مفاهيم السيادة والشراكة الدولية
في لحظة سياسية بالغة التعقيد، حيث تتشابك خيوط الأزمة الدستورية مع مسارات الحوار المدعومة أممياً، برز صوتان نسائيان من داخل غرف الحوار المهيكل ليطرحا رؤيتين متكاملتين ظاهرياً، ومتباينتين في زوايا النظر، لكنهما تلتقيان عند جوهر الأزمة الوطنية: كيفية بناء دولة المؤسسات والمواطنة المتساوية.
الدكتورة ليلى الأوجلي، عضو الحوار المهيكل عن فئة ذوي الإعاقة في مسار الحوكمة، قدمت سردية انتصار حقوقي غير مسبوق، بينما قدمت الحقوقية آسيا الشويهدي، عضو المسار ذاته عن ملف المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، قراءة نقدية عميقة لمفهوم السيادة الوطنية وهو يتحول، في رأيها، من مبدأ تأسيسي إلى أداة في لعبة الصراع السياسي.
تكشف المداخلتان، عن ديناميكية جديدة داخل النخبة الليبية المشاركة في صياغة المستقبل.
ففي الوقت الذي تركز فيه الأوجلي على مكاسب ملموسة تم انتزاعها داخل النص، تغوص الشويهدي في أعماق الفلسفة السياسية التي تحكم العملية برمتها، متسائلة عن الكيفية التي تُستخدم بها مفاهيم كالسيادة لإدامة الانسداد أو لشرعنة مواقف بعينها.
وبين هذا وذاك، تتضح صورة مرحلة انتقالية لا تزال أسيرة تناقضاتها العميقة، حيث التقدم على صعيد الاعتراف بالحقوق قد يتزامن مع تراجع في الثقة بجدوى المسار نفسه.
من الرعاية إلى الحقوق: نقلة استراتيجية في صميم السلطة
لم تخطئ ليلى الأوجلي حين وصفت ما تحقق بأنه “نقلة استراتيجية” و”تحول تاريخي”.
ففي العادة، كانت قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة في ليبيا، كما في معظم دول المنطقة، تُحشر في الزوايا الخيرية والرعائية، بعيداً عن قلب النقاش السياسي والدستوري.
لكن ما أعلنت عنه الأوجلي يكشف عن اختراق حقيقي في جدار الإقصاء التقليدي. فإسقاط شرط “اللياقة الصحية” الذي طالما شكّل سيفاً مسلطاً على رقاب الكفاءات الوطنية من ذوي الإعاقة، واستبداله بمعيار “الكفاءة المهنية والقدرات الإدراكية”، ليس مجرد تعديل إجرائي أو تجميلي.
إنه، في جوهره، إعلان مبدئي بأن المواطنة الكاملة لا تتجزأ، وأن الحق في تقلد أعلى المناصب التنفيذية يجب أن يرتكز على الأهلية والجدارة لا على سلامة البدن.
الأمر لا يتوقف عند حدود السلطة التنفيذية. فحديث الأوجلي عن “ديمقراطية الصناديق الناقصة” يلمس عصب الإشكال في أي عملية انتخابية قادمة. إن الإصرار على التهيئة الهندسية والتقنية والمعلوماتية الشاملة لمراكز الاقتراع ليس رفاهية أو ترفاً حقوقياً، بل هو اختبار حقيقي لمدى جدية النخبة السياسية في بناء نظام تمثيلي لا يُقصي شريحة واسعة من المواطنين.
إن تحويل الأشخاص ذوي الإعاقة من متلقين سلبيين للرعاية إلى فاعلين سياسيين، مرشحين ومنتخبين، هو ما يمنح العملية السياسية قدراً من المصداقية والشرعية التي تفتقدها بشدة.
غير أن المكمن الاستراتيجي الأعمق في رؤية الأوجلي يكمن في مطالبتها بالتمثيل الفعلي داخل “لجنة الـ 64” وفي لجان صياغة الدستور. إنها بذلك لا تطلب مقعداً شرفياً، بل تطالب بموقع على طاولة صياغة قواعد اللعبة السياسية والدستورية نفسها.
هذا مطلب يتجاوز فئة بعينها، ليعيد تعريف مفهوم “التمثيل” في المرحلة التأسيسية: فلا يكفي أن تكون ممثلاً للجميع بشكل مجرد، بل يجب أن يكون “الجميع” حاضراً بفئاته المختلفة في لحظة التأسيس.
إن دسترة حقوق ذوي الإعاقة كحقوق مواطنة راسخة غير قابلة للمس، وفق تعبيرها، هي الضمانة الوحيدة ضد تقلبات المزاج السياسي وضد أية محاولات مستقبلية للارتداد عن هذه المكاسب.
السيادة: مبدأ أم أداة في لعبة الصراع؟
على الضفة الأخرى من النقاش، تقدم آسيا الشويهدي ما يشبه التفكيك الفلسفي والسياسي لأحد أكثر المصطلحات تداولاً وإثارة للجدل في الخطاب الليبي الراهن: “السيادة الوطنية”.
أطروحتها لا ترفض مبدأ السيادة، لكنها تكشف عن المفارقة الصادمة التي يمارسها البعض: كيف يمكن لقوى سياسية شاركت في صياغة خرائط طريق أممية ومسارات حوار دولية أن تعود اليوم لرفع شعار السيادة في مواجهة تلك المسارات نفسها؟
هنا، تضع الشويهدي إصبعها على الجرح النازف في الجسد السياسي الليبي. إن إشكالية توظيف السيادة كأداة ظرفية، وليس كمبدأ ثابت، تحول المصطلح من كونه إطاراً لتحرر الدولة وقدرتها على تقرير مصيرها، إلى مجرد غطاء أيديولوجي يستخدم للدفاع عن مواقع نفوذ قائمة، أو لعرقلة مسار قد يفضي إلى إعادة توزيع السلطة والموارد.
وعندما تغيب المؤسسات القادرة على التعبير الحقيقي عن إرادة الدولة، يصبح خطاب السيادة خطاباً لجهات وفواعل لا تريد أن تُمسك الدولة بقوتها الحقيقية، بل تريد الإمساك هي بمقاليد الأمور تحت يافطة الدولة.
إن استحضار الشويهدي للتجربة التاريخية للأمم المتحدة في استقلال ليبيا، ودور المبعوث أدريان بلت، ليس ترفاً أكاديمياً. إنها تذكر النخبة الحالية بأن العلاقة مع المجتمع الدولي لم تكن، في اللحظة التأسيسية الأولى للدولة الليبية، نقيضاً للسيادة، بل كانت ممراً ضرورياً نحوها.
وهذا يطرح سؤالاً مركّباً على القوى السياسية الراهنة: إن كنتم تقبلون بالتدخل الدولي عندما يخدم توازناتكم ومصالحكم، فما هي المعايير الموضوعية التي تجعله تدخلاً مرفوضاً عندما يسعى إلى بناء مسار تشاركي أوسع؟
المقارنة التي تجريها الشويهدي مع أنماط تاريخية من الحكم القائم على العصبية والولاءات الضيقة، بما في ذلك نموذج بني أمية، تذهب إلى ما هو أبعد من مجرد التشبيه.
إنها تشير إلى خطر وجودي يتهدد فكرة الدولة الليبية الحديثة. فحين تتداخل السلطة مع الانتماءات الأولية، سواء كانت قبلية أو مناطقية أو أيديولوجية، يصبح مفهوم الدولة نفسه وعاءً فارغاً.
السيادة، في هذا السياق المشوه، لا تصبح تعبيراً عن إرادة شعب أو أمة، بل تصبح الوجه الآخر لاستمرار دوائر التأثير الضيقة وإعادة إنتاجها.
بين الرؤيتين: أفق الدولة المأمولة
عند تقاطع الرؤيتين، تتضح صورة أكثر تركيباً. الأوجلي تطرح سؤال “من يحكم؟” وتجيب بإدماج من كانوا مستبعدين. الشويهدي تطرح سؤال “كيف تُمارس السلطة؟” وتحذر من فراغ المبادئ عندما تتحول إلى شعارات للمناورة. الأولى تقدم نموذجاً لكيف يمكن للمسارات التفاوضية، رغم كل ما يحيط بها من تشكيك، أن تنتج تقدماً حقيقياً في ملفات كانت مغيبة.
والثانية تقدم نموذجاً لضرورة اليقظة الدائمة أمام تحول هذه المسارات نفسها إلى ساحات لتصفية الحسابات أو لتكريس الأمر الواقع تحت مسميات براقة.
إن التحدي الجوهري الذي تبلوره المداخلتان معاً هو أن بناء الدولة في ليبيا لا يمكن أن يتم بمعزل عن أمرين متلازمين: الإدماج الحقوقي الكامل لكل الفئات، والقدرة على بناء خطاب وطني يتجاوز الشعارات إلى آليات مؤسسية حقيقية. فالمكاسب التي تتحدث عنها الأوجلي، مهما كانت جوهرية، قد تظل حبراً على ورق إن لم تستقر العملية السياسية برمتها.
وفي المقابل، فإن النقد المنهجي الذي تقدمه الشويهدي لمفهوم السيادة يظل ناقصاً إن لم يترافق مع نماذج عملية لكيفية استعادة الدولة لسيادتها الحقيقية عبر مؤسسات منتخبة وتمثيل شامل.
في المحصلة، يخرج المتتبع لموقف هاتين العضوتين في الحوار المهيكل بانطباع مفاده أن ثمة ديناميكية إيجابية ما زالت ممكنة في الداخل الليبي، وأن ثمة أصواتاً قادرة على المزج بين التشبث بالحقوق والوعي بتعقيدات السياق.
لكن السؤال الذي تظلان تطرحانه، كل بطريقتها، هو: هل نحن أمام مخاض حقيقي لبناء دولة المواطنة والمؤسسات، أم أننا نشهد فصلاً جديداً من فصول لعبة الأمم، تُستخدم فيها كل الأوراق، بما فيها حقوق ذوي الإعاقة ومبادئ السيادة، لتكريس واقع لا يخدم إلا النخب التي تتقن التنقل بين الخطابات؟



