ليبيا

تصريح الدبيبة.. اعتراف رسمي بجرائم ضد المهاجرين أم هدية سيادية للخصوم؟

عندما يتحول القسم بالله إلى وثيقة إدانة للدولة الليبية أمام المحاكم الدولية

ليبيا 24

تصريح الدبيبة يمنح المجتمع الدولي ذريعة قانونية لفرض وصاية على ليبيا

اعترافات خطيرة من رئيس حكومة منتهية الولاية تفتح أبواب التدخل الدولي

في مشهد سياسي عبثي لا يخلو من مفارقات مريرة، تحولت كلمات أطلقها رئيس الحكومة منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة من مجرد خطاب عاطفي موجه للشارع الليبي إلى ما يشبه شهادة إدانة موثقة ضد الدولة الليبية بأكملها.

فبين ليلة وضحاها، وجد الليبيون أنفسهم أمام تصريح من أعلى سلطة تنفيذية في البلاد يعترف ضمناً بحدوث جرائم قتل واعتداء ضد المهاجرين على الأراضي الليبية، في سابقة تاريخية لم تشهدها البلاد منذ استقلالها.

لم يكن التصريح الذي أدلى به الدبيبة مجرد زلة لسان عابرة أو خطاب شعبوي موجه لاستهلاك الغضب المحلي، بل تحول إلى وثيقة سياسية وقانونية بالغة الخطورة، يمكن أن تشكل أساساً صلباً لتحركات دولية تتجاوز حدود السيادة الوطنية، وتعيد رسم خريطة التدخل الخارجي في الشأن الليبي تحت غطاء حماية حقوق الإنسان.

تشريح التصريح.. ماذا قال الدبيبة بالضبط؟

في معرض رده على تصاعد الحراك الشعبي الليبي الرافض لسياسات التوطين والمطالب بترحيل المهاجرين غير النظاميين، خرج الدبيبة بتصريح ناري قال فيه مخاطباً المتظاهرين: “أقسم بالله العلي العظيم، أني ما خايف إلا من الله سبحانه وتعالى في عقاب الله في هالناس هذه. الله… خافوا الله سبحانه وتعالى، أقسم بالله.

ولكن هالكلام الفاضي، إنكم تديروا في حملة ضد الناس، وفيه اللي تهجم على هؤلاء المساكين، وفيه اللي ضربهم، وفيه اللي قتلهم، وفيه اللي… تجي عيب، عيب، عيب، عيب، عيب.”

للوهلة الأولى، قد يبدو التصريح محاولة بائسة لاستعطاف الرأي العام وخطاباً موجهاً ضد الحراك الشعبي المناوئ لسياسات حكومته.

لكن التحليل القانوني المتعمق يكشف أن الرجل، وبدون أن يدري ربما، قدم للمجتمع الدولي وللمنظمات الحقوقية وللآليات القضائية الدولية ما يشبه “إقراراً رسمياً” بارتكاب جرائم جسيمة على الأراضي الليبية ضد أجانب.

فعبارة “فيه اللي قتلهم” ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي اعتراف صريح من أعلى سلطة تنفيذية في البلاد بحدوث جرائم قتل ضد مهاجرين على الأراضي الليبية.

أما عبارة “فيه اللي ضربهم” فهي إقرار بالاعتداء الجسدي المنهجي. وعبارة “فيه اللي تهجم على هؤلاء المساكين” ترسم صورة قاتمة لانتهاكات واسعة النطاق.

البعد القانوني.. عندما تتحول الكلمات إلى أدلة إثبات

في القانون الدولي، تُعتبر تصريحات رؤساء الحكومات والمسؤولين رفيعي المستوى مصدراً مهماً من مصادر الإثبات، خاصة عندما تصدر في سياق الاعتراف بوقائع تمس حقوق الإنسان الأساسية.

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية، فتصريح الدبيبة يفتح الباب أمام توثيق دولي واسع النطاق يمكن أن تكون عواقبه وخيمة على السيادة الليبية.

فالمفوضية السامية لحقوق الإنسان، وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والمنظمة الدولية للهجرة، ومجلس حقوق الإنسان، جميعها ستوثق هذا التصريح بصفته اعترافاً رسمياً بانتهاكات جسيمة، وستدرجه في تقاريرها الدورية كدليل دامغ على عجز الدولة الليبية عن حماية المدنيين على أراضيها.

بل والأخطر من ذلك، أن هذا التصريح يمنح المفوضية السامية وبعثة تقصي الحقائق الليبية مبرراً قانونياً متيناً لفتح تحقيقات شاملة في “جرائم القتل والاعتداء” التي أقر بها رئيس الحكومة بنفسه.

وهذه التحقيقات، إن بدأت، قد تقود في نهاية المطاف إلى إحالة ملفات كاملة إلى المحكمة الجنائية الدولية، خاصة أن الجرائم المرتكبة ضد المهاجرين يمكن تصنيفها قانوناً كجرائم ضد الإنسانية إذا ما ثبت أنها جزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد مجموعة سكانية مدنية.

مبدأ مسؤولية الحماية.. السيف المسلط على الرقاب

الأخطر في كل هذا المشهد العبثي هو أن تصريح الدبيبة قد يُستدعى لتفعيل مبدأ “مسؤولية الحماية” الذي تبنته الأمم المتحدة عام 2005.

فإذا ما استند المجتمع الدولي إلى هذا التصريح باعتباره دليلاً دامغاً على إخفاق الدولة الليبية في حماية المدنيين على أراضيها، وهو إخفاق يعترف به رئيس الحكومة نفسه، فإن البند الخاص بمسؤولية الحماية قد يُستخدم لتبرير تدخلات تتجاوز حدود السيادة الوطنية بشكل كبير.

وهذه التدخلات قد تشمل إنشاء مناطق آمنة تحت إشراف دولي، أو فرض ممرات إنسانية تديرها قوات دولية، أو إقامة آليات مراقبة دائمة على الأراضي الليبية.

وكلها سيناريوهات كانت تبدو بعيدة المنال قبل هذا التصريح، لكنها أصبحت اليوم أقرب إلى الواقع السياسي والقانوني بفضل هذه “الشهادة” التي قدمها الدبيبة طواعية.

ضربة استراتيجية للسيادة الوطنية من أربع زوايا

لا يمثل تصريح الدبيبة مجرد خطأ سياسي عابر أو زلة لسان يمكن تجاوزها بالاعتذار أو التوضيح، بل هو ضربة استراتيجية للسيادة الليبية يمكن تحليلها من أربع زوايا رئيسية:

أولاً: شرعنة التدخل الدولي – يمنح التصريح المنظمات الدولية غطاءً قانونياً وأخلاقياً للتدخل في الشأن الليبي.

فعندما يعترف رئيس الحكومة بنفسه بوجود “قتل” للمهاجرين على الأراضي الليبية، فإنه عملياً يدعو المجتمع الدولي للتحرك، لأن حماية الأرواح البشرية تُعتبر التزاماً دولياً يتجاوز الحواجز السيادية التقليدية.

ثانياً: تقويض الموقف التفاوضي الليبي – في أي مفاوضات مستقبلية مع الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة حول ملف الهجرة، سيواجه الوفد الليبي بهذا التصريح المحرج. وبدلاً من النقاش حول شراكة متكافئة في إدارة الحدود وملفات الهجرة، سيتحول الحوار إلى فرض وصاية دولية بحجة حماية المهاجرين من “القتل والضرب والاعتداء” الذي أقر به رئيس الحكومة الليبية بنفسه.

ثالثاً: المطالبات التعويضية الضخمة – يفتح التصريح الباب على مصراعيه لمطالبات تعويضية بمليارات الدولارات من دول الضحايا، خاصة دول الساحل وغرب أفريقيا التي ينحدر منها معظم المهاجرين.

وهذه المطالبات ستكون موثقة بتصريح رئيس الحكومة نفسه، مما يجعل الدفوع القانونية الليبية في غاية الضعف أمام المحاكم والهيئات الدولية.

رابعاً: شق الصف الوطني وتشويه الصورة – يتسبب التصريح في وضع الليبيين في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، ويصدر عنهم صورة نمطية مشوهة كـ”قتلة وعنصريين”، مما يغذي الدعوات الدولية لفرض إجراءات عقابية على البلاد، ويقوض أي محاولات لبناء صورة إيجابية عن ليبيا في المحافل الدولية.

المنظمات الدولية تلتقط الكرة

جميع المنظمات والآليات الدولية التي تعمل على الأراضي الليبية ستجد في هذا التصريح ضالتها المنشودة. فبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ستستخدمه فوراً لتعزيز ولايتها وتوسيع صلاحياتها لتشمل “حماية المهاجرين”، متجاوزة بذلك حدود مهمتها السياسية الأصلية.

والمنظمة الدولية للهجرة ستدفع بقوة نحو إنشاء آليات مراقبة دولية دائمة داخل مراكز الإيواء الليبية، متذرعة بأن الدولة الليبية “تعترف بنفسها بعدم قدرتها على حماية المهاجرين”.

أما المحكمة الجنائية الدولية، وهي التهديد الأكبر، فقد تعتبر التصريح دليلاً كافياً لبدء تحقيق أولي في جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية على الأراضي الليبية، مما قد يفتح فصلاً جديداً من الملاحقات الدولية لمسؤولين ليبيين.

التناقض الصارخ.. خطاب سيادي وممارسات تخاصم السيادة

المحلل السياسي الدكتور خالد الحجازي قدم تفكيكاً دقيقاً للمشهد، مشيراً إلى التناقض الصارخ بين خطاب الدبيبة العلني وممارسات حكومته على الأرض.

ففي الوقت الذي يرفع فيه الرجل شعارات سيادية رنانة ويقسم بالله بأنه لن يكون “حارساً لأوروبا”، تكشف الوثائق والاتفاقيات عن واقع مختلف تماماً.

فرغم الخطاب الحماسي الرافض للعب دور الحارس، إلا أن الأجهزة الأمنية وجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية وخفر السواحل الليبي في طرابلس يتلقون تمويلاً مباشراً وزوارق حربية ومعدات مراقبة وتدريبات مستمرة من الاتحاد الأوروبي، وخاصة إيطاليا.

وهناك مذكرات تفاهم مستمرة ومحدثة بين حكومة طرابلس وروما تهدف أساساً إلى اعتراض المهاجرين في البحر وإعادتهم إلى مراكز الاحتجاز داخل ليبيا. وهذا الدور بالذات هو التعريف العملي لـ “حراسة الحدود الأوروبية” لمنع تدفقات المهاجرين إلى الشواطئ الإيطالية.

التوطين بحكم الأمر الواقع

وفي مفارقة أخرى، يرفض الدبيبة مصطلح التوطين علناً وفي خطاباته للشارع الليبي، لكن حكومته تدير مراكز احتجاز يظل فيها المهاجرون لسنوات طويلة في ظروف إنسانية قاسية، دون وجود آليات حقيقية للترحيل الشامل أو حلول جذرية، مما يحول وجودهم المؤقت إلى وجود شبه دائم، وهو ما يمكن وصفه بـ”توطين بحكم الأمر الواقع”.

كما أن غياب أي استراتيجية وطنية واضحة لضبط الحدود الجنوبية الشاسعة التي يتدفق منها المهاجرون، والتركيز الدائم على الواجهة البحرية التي تهم أوروبا، يعني قبولاً ضمنياً باستمرار تدفق المهاجرين وبقائهم داخل الأراضي الليبية، طالما أن الحدود البرية مفتوحة على مصراعيها والحدود البحرية مغلقة بطلب أوروبي.

التحالفات المريبة.. من يحمي من؟

الوزير السابق سلامة الغويل وضع الإصبع على الجرح الحقيقي عندما قال: “المشكلة الحقيقية في ليبيا هي اصطفاف كثير من النخب خلف مصالحها الخاصة، وهذا ما ترك من يحكمون يتمادون. فما لكم تباركون استعبادكم بإمكانات بلادكم؟ فالأوطان لا تستقيم بمباركة الظلم والعبث.”

هذا التشخيص القاسي ينطبق تماماً على واقع الحال، فحكومة الدبيبة لا تواجه فقط أزمة شرعية داخلية، بل تواجه أيضاً تناقضاً صارخاً بين خطابها السيادي للداخل واتفاقياتها الأمنية مع الخارج.

ففي الوقت الذي يدافع فيه الدبيبة عن علاقاته مع تركيا وقطر ويرفض اتهامهما بالتدخل، يشير الواقع إلى أن الوجود العسكري التركي في غرب ليبيا، من خلال القواعد العسكرية والاتفاقيات الأمنية والاقتصادية، هو الداعم الأساسي لبقاء حكومته في السلطة.

أما الحديث عن تغطية “فواتير الطيران” والمساعدات اللوجستية من هذه الدول، فيُنظر إليه من قِبل مختلف الأطراف الليبية على أنه شراء للنفوذ السياسي والعسكري داخل العاصمة، وليس مجرد “تعاون عابر” كما يحاول الدبيبة تصويره.

الانتهاكات المستمرة.. تقارير دولية تدين

الناشطة الحقوقية المحامية ثريا الطويبي أشارت إلى قضية بالغة الخطورة تم التغاضي عنها طويلاً، وهي قيام منظمات أجنبية بتدريب الأجانب على اللهجة الليبية لدمجهم في المجتمع، واستغلال ذلك بشكل ممنهج لتشويه المرأة الليبية.

هذه الممارسات، إن ثبتت، تمثل اختراقاً صارخاً للنسيج الاجتماعي الليبي وتستدعي تحقيقاً فورياً.

وفي الوقت الذي يتحدث فيه الدبيبة بنبرة عاطفية عن “المساكين” وأنه من العيب استغلال ملفهم، واجهت حكومته انتقادات لاذعة ومستمرة من بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في ليبيا ومن منظمات حقوقية دولية كبرى، وثقت عمليات تعذيب وابتزاز مالي وتشغيل قسري للمهاجرين داخل مراكز تحت إشراف حكومته أو المجموعات المسلحة المتحالفة معها.

الحراك الشعبي.. صوت الشارع يعلو

الناشطة السياسية نادية الراشد وجهت رسالة حادة للدبيبة قائلة: “إذا كنت ناسي، أفكرك. لإنّ اغلب الصّفاقة، ذاكرتهم ذاكرة السمكة، عندك شواهد ومقاطع، ان ليبيا شاسعة، وخيراتها هلبا، عن مشروع التوطين وقلتها بعظمة لسانك.”

هذه الرسالة تعكس حالة الغضب الشعبي المتصاعد الذي لم يعد يثق في الوعود والخطابات الرنانة.

فقصة التطبيع التي أشارت إليها الراشد تصفها بأنها “جريمة يحاسبك عليها القانون الليبي، وتعد خيانة للوطن”. أما قصة الاستقرار المزيف الذي يدعيه الدبيبة فتصفها بأنها “كلام شعارات كعادتك”.

وتضيف الراشد أن “تلميعك لقطر وتركيا، الواقع يتحدث عن القواعد العسكرية، والاتفاقية البحرية أعدت تجديدها ومستمرة، لصالح الأتراك.” وتختم برسالة قاطعة: “لذلك اخرس.”

المناظرة المطلوبة.. كشف الحقائق

الناشط السياسي المهندس عبدالسلام زبيدة طرح مبادرة عملية لإنهاء حالة الجدل والاتهامات المتبادلة، داعياً إلى تنظيم مناظرة علنية بين حراك “لا للتوطين” والمسؤولين عن المنظمات الدولية العاملة في ليبيا، بمشاركة وإشراف الجهات الليبية المختصة وذات العلاقة، وفي مقدمتها وزارة الخارجية ووزارة الداخلية ووزارة العدل والأجهزة الأمنية المختلفة، وعلى رأسها مجلس الأمن القومي وجهاز الأمن الخارجي وجهاز الأمن الداخلي ومصلحة الجوازات وجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية.

وحذر زبيدة من أن “الاستمرار في معالجة المسألة بهذه الطريقة التي يغلب عليها الطابع الحماسي وطرح اتهامات لا تستند إلى أدلة يمكن التحقق من مصداقيتها، لا يمكن أن يؤدي إلى إقناع الرأي العام بالحقائق والوقائع، وهو في الحقيقة تضليل للرأي العام يجب عدم الاستمرار فيه بل يجب وقفه.”

وشدد على ضرورة أن تتحمل الأجهزة الرسمية الليبية مسؤولياتها كاملة، وتقدم في هذه المناظرة تقييماً واضحاً وصريحاً لمدى التزام المنظمات الدولية بالمهام والمسؤوليات المسموح لها بمزاولتها داخل ليبيا، وأن تكشف بكل شفافية عن نتائج متابعتها لأداء تلك المنظمات.

هذه الدعوة إلى المناظرة العلنية تمثل مخرجاً عقلانياً من دائرة الاتهامات المتبادلة، لكن تنفيذها يتطلب إرادة سياسية لا تبدو متوفرة في ظل حكومة تخشى المواجهة المباشرة مع المنظمات الدولية التي توفر لها غطاءً سياسياً ومالياً.

إشكالية الكفاءات المستوردة

الإعلامي خليل الحاسي فجّر قضية شائكة تتعلق بالخطاب الذي يروج له بعض المحللين الاقتصاديين والقانونيين حول “الدور المتخيل للأفارقة في التنمية والإعمار”.

وتساءل الحاسي بسخرية لاذعة: “هل تعلمون أن أفريقيا هي أسوأ مكان في العالم على الإطلاق على مستويات التعليم والمعرفة والصحة والنظام؟”

وأضاف: “هؤلاء المهاجرون جاؤوا من جحيم الصحراء والحروب والإرهاب والتهريب، جاؤوا من دول يذبح بعضهم بعضا يوميا. فلا أعلم ما هي إيجابيات توطينهم كهجرة كفاءات في قلب البلاد.

هو أسطورة الكفاءات الليبية مش كافية لنخترع أسطورة أخرى عن الكفاءات الأفريقية؟”

ويطرح الحاسي سؤالاً جوهرياً يحرج كل من يسوّق لخطاب التوطين: “إذا كانت المجتمعات الأوروبية العريقة في الديمقراطية وحقوق الإنسان تناقش اليوم ترحيل المتسللين وخفض الهجرة وتشديد اللجوء، بل إن هناك مظاهرات غاضبة تجوب شوارع العواصم الغربية بالآلاف مطالبة بعمليات ترحيل جماعية للمهاجرين، فلماذا يمنع الليبيون من مناقشة التأثيرات الديموغرافية أو الاقتصادية أو الأمنية للهجرة داخل بلادهم كبقية شعوب العالم؟ هل نحن أكثر إيماناً بالقيم منهم؟”

وقاحة المنظمات الدولية

لم يتوقف الحاسي عند هذا الحد، بل وجه انتقادات حادة لمفوضية اللاجئين التي قال إنها “تطالب بكل وقاحة من الليبيين تقديم إثباتات عن وجود نية للتوطين، بينما يرى الليبيون والليبيات في الواقع مئات الآلاف من المتسللين غير القانونيين والشرعيين من الجنسيات الأفريقية في ليبيا يسرحون ويمرحون دون حسب ولا رقيب.”

وتساءل: “طيب ماذا يفعل مئات الآلاف من المهاجرين الذين سيلامس عددهم سقف المليون داخل ليبيا؟” في إشارة واضحة إلى أن وجود هذه الأعداد الهائلة بحد ذاته يمثل شكلاً من أشكال التوطين غير المعلن.

المناعة السيادية المفقودة

المحلل السياسي فيصل بوالرايقة وضع تشخيصاً أكثر عمقاً للمعضلة الليبية عندما تحدث عن “المناعة السيادية والأمن الخارجي”.

 وقال: “تفقد الدول نفسها حين يصبح قرارها مكشوفاً، وحين يتحول بعض الداخل إلى ممر آمن للخارج. ما يحدث في ليبيا تعطيل واضح لمسار الدولة الواحدة.

 هناك من يعيش على بقاء البلد بلا مركز، وبلا قرار، وبلا أمن خارجي قادر على معرفة من يتحرك حول ليبيا، ولماذا، ومن يفتح له الطريق.”

وأضاف بوالرايقة تحذيراً بالغ الدلالة: “الأجنبي لا يدخل دائماً بالدبابة. أحياناً يدخل عبر مسؤول مرتبك، أو وسيط محلي، أو واجهة ناعمة، أو نخبة تعيش من الانقسام وتخاف من عودة الدولة.”

هذا التشخيص العميق يكشف أن معضلة ليبيا لا تقتصر على ملف الهجرة فقط، بل تمتد إلى بنية الدولة ذاتها التي أصبحت مكشوفة بلا مناعة سيادية تحمي قرارها الوطني.

جهاز المخابرات.. الغائب الحاضر

الناشط السياسي حسام القماطي ذهب إلى ما هو أبعد عندما ربط فشل المواجهة مع ملف التوطين بفشل جهاز المخابرات الليبي. وقال: “قناعتنا راسخة بأن الدولة لا يمكن أن تنهض أو تحمي أمنها القومي من دون جهاز مخابرات قوي، محترف، وواعٍ بحجم التحديات التي تواجهها.”

وأضاف: “فملفات خطيرة مثل مواجهة المؤامرات العابرة للحدود، ومنها ملف التوطين ومحاولات خلق واقع جديد عبر إيقاف مسار الهجرة نحو أوروبا ودفع المهاجرين للاستقرار داخل ليبيا، هي من صميم اختصاص جهاز المخابرات، وليست ملفات تُدار بالعشوائية أو بردود الفعل المتأخرة.”

ووجه القماطي اتهاماً مباشراً لرئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس جهاز المخابرات حسين العايب، قائلاً: “إن فشل حسين العايب، وتواطؤ محمد المنفي أو تغاضيه عن هذا الملف، كانا من بين الأسباب الرئيسية لغياب مواجهة منظمة واحترافية لهذا الخطر، وترك ليبيا مكشوفة أمام مشاريع تستهدف تركيبتها السكانية وأمنها الوطني وسيادتها.”

السيناريوهات المفتوحة.. ماذا بعد؟

إن أخطر ما في تصريح الدبيبة أنه لم يكن مجرد انتقاد للحراك الشعبي أو محاولة لاستعطاف الشارع، بل كان اعترافاً يصلح لأن يكون “شهادة إدانة” للدولة الليبية أمام العالم.

فبدلاً من معالجة قضية المهاجرين بمسؤولية وطنية تحمي سيادة ليبيا وأمنها القومي، قدّم رئيس الحكومة للمجتمع الدولي، وربما دون أن يدري، المبرر الذي كان يبحث عنه لتوسيع تدخله في الشأن الليبي.

السيناريوهات المفتوحة الآن متعددة وكلها تحمل مخاطر جسيمة على السيادة الوطنية. فمن تفعيل آليات المراقبة الدولية الدائمة، إلى فتح تحقيقات في جرائم ضد الإنسانية، إلى المطالبات التعويضية بمليارات الدولارات، إلى إمكانية إنشاء مناطق آمنة وممرات إنسانية تحت إشراف دولي.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن: هل كان رئيس الحكومة يدرك أن قسمه بالله “خوفاً من عقابه” قد يصبح حجة قانونية تفتح أبواب الوصاية الدولية على ليبيا؟ وهل تدرك حكومته وحاشيته من “النخب” التي وصفها الوزير السابق سلامة الغويل بأنها “تبارك الظلم والعبث” حجم الكارثة التي تسبب فيها هذا التصريح؟

الطريق إلى استعادة السيادة

في خضم هذا المشهد القاتم، يبقى الأمل معقوداً على وعي الشارع الليبي الذي خرج في حراك سلمي رافض لسياسات التوطين، وعلى أصوات النخب الوطنية الحقيقية التي مازالت تدافع عن السيادة رغم كل شيء.

لكن استعادة السيادة الحقيقية تتطلب أكثر من مجرد حراك شعبي أو تصريحات إعلامية.

إنها تتطلب بناء دولة حقيقية بمؤسسات قوية وجهاز مخابرات محترف، كما قال القماطي، ومناعة سيادية تحمي القرار الوطني، كما طالب بوالرايقة، ومواجهة شفافة مع المنظمات الدولية، كما اقترح زبيدة، ورفضاً قاطعاً لكل أشكال التوطين، كما نادت الطويبي، ورؤية واضحة لملف الهجرة تحمي المصالح الوطنية، كما طالب الحاسي.

وقبل كل هذا وبعده، تتطلب استعادة السيادة رحيل حكومة فقدت شرعيتها وأصبحت عبئاً على الوطن، وأضحت تصريحات رئيسها تشكل خطراً داهماً على الأمن القومي الليبي.

لقد آن الأوان أن يستيقظ الليبيون على حقيقة أن الخطر على سيادتهم لا يأتي فقط من الخارج، بل أحياناً يأتي من الداخل، من مسؤولين مرتبكين كما قال بوالرايقة، يقدمون للخصوم والأعداء، دون قصد أو بقصد، ما لم يستطيعوا هم الحصول عليه بكل جيوشهم وترسانتهم الإعلامية والدبلوماسية.

ختاماً، يبقى السؤال الأهم مطروحاً: إلى متى ستظل ليبيا أسيرة لحكومات تفتقد للشرعية والكفاءة معاً، وحكام يحولون القسم بالله إلى وثيقة إدانة لوطن بأكمله؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى