
ليبيا 24
بين “محطة العبور” و”نوايا الاستقرار”: جدل الهجرة يشق ليبيا واتفاق “العار” يلقي بظلاله
في بلد تحوّل إلى مختبر قاسٍ لإدارة تدفقات البشر الفارّين من الحروب والفقر، اشتعل جدل سياسي – مجتمعي عميق بعد تصريحات للإعلامية والباحثة في شؤون الأمن والهجرة الدكتورة ريم البركي، قالت فيها إن المهاجرين غير النظاميين لا يرغبون في البقاء على التراب الليبي وإن ليبيا مجرد محطة عبور اضطراري، وإن مشروع التوطين “فاشل” قبل أن يبدأ.
الردود لم تتأخر؛ فقد خرجت المحامية والحقوقية ثريا الطويبي بتعليق وصف تصريحات البركي بأنها “نظرة غلط”، معتبرة أن إغلاق البحر بموجب الاتفاقيات الأوروبية دفع شعوباً وقبائل بأكملها إلى الاستقرار لا العبور. وبين الرؤيتين يقف الشارع الليبي ورواد مواقع التواصل وقد انقسموا، بينما تروي أرقام المهاجرين وشهاداتهم حكاية أكثر تعقيداً مما تحتمله العناوين العاطفية.
شهادة الباحثة: ليبيا ليست حلماً ولا وطناً بديلاً
في لقائها عبر قناة “ليبيا الحدث”، لم تترك الدكتورة ريم البركي مجالاً للتأويل. قالت بوضوح: “المهاجرون لا يريدون البقاء في ليبيا، ليبيا بالنسبة لهم مجرد محطة. هناك من أغلق عليهم البحر واحتجزهم في ليبيا.
مشروع التوطين مشروع فاشل والمهاجرون سيرفضون البقاء فيها”. وأكدت أن ليبيا غير ملزمة باستقبال المهاجرين من قارة أفريقيا على أرضها، مشيرة إلى أن البلاد ليست طرفاً في اتفاقية جنيف، وهو ما فصلته في كتابها. لكنها في الوقت ذاته شددت على أن التعامل الإنساني مع المهاجرين “أمر مختلف تماماً عن السماح لأي طرف بتوطينهم”، ووجّهت سهام النقد نحو تجار البشر من “أبناء البلد” الذين مكّنوا من دخول أعداد مهولة، ونحو القوانين المهترئة التي لا تردع شبكات التهريب.
لم تكتفِ البركي بتشريح الواقع الراهن، بل مضت إلى قلب المعضلة: “تواصلوا مع دولهم، وسفّروهم، وأحكموا إغلاق الحدود مع من صدر لنا غرب أفريقيا كلها وكدسها في شوارع غرب ليبيا حتى تسربوا لشوارع شرق ليبيا”. وهو كلام يستند، وفق ما تقول، إلى خبرة ميدانية وندوات وورش عمل عقدتها قبل أن “يستشعر الليبيون أنهم غرباء في أرضهم”.
رد المحامية: “البحر قُفل فجاءوا للاستقرار”
على منصة فيسبوك، قطعت المحامية ثريا الطويبي شريط التصريحات بتعليق مباشر على مقطع البركي، معتبرة أن “الآن لم يعد ينظر المهاجرون لليبيا كعبور بعد قفل البحر بسبب الاتفاقية.. الآن شعوب وقبائل جاءوا للاستقرار لأنهم علموا بأن البحر قُفل”.
وزادت الطويبي محذرة من سيناريو أشد قتامة: “بعد تفريغ ليبيا سوف تتم تهيئتها أمنياً وتقام دولة لهم إذا تم تفريغ ليبيا منا لأجل أن تتخلص منهم”. ورأت أن أغلب القصص التي يسردها من وصلوا إلى الضفة الأخرى “أكاذيب”، وأن بعضهم يلفّق روايات الانتهاكات من أجل قبول اللجوء، معتبرة أن البركي تحوّلت إلى “منبر لوصول صوتهم”.
هنا جاء الرد الحاسم من الباحثة بأسلوب مهذب لكنه حازم: “أنا لست صوتاً لأحد.. مع احترامي لرأي حضرتك طبعاً لكن هذا تخصص وعلم ما لهوش علاقة بالآراء المبنية على العواطف”. ثم أطلقت العبارة التي لخّصت مأساة السياسة الأوروبية – الليبية: “ليبيا هي من أصبحت كلب حراسة لأوروبا، افتحي لهم البحر وشوفي كم شخص ممكن يعقد في ليبيا”.
المهاجرون يتحدثون: “افتحوا البحر ولن يبقى منا أحد”
ما قالته البركي وجد صداه الفوري في شهادات المهاجرين أنفسهم. “محمد”، الشاب البالغ 21 عاماً والمسجل لدى مفوضية اللاجئين، نجا من اعتداء على يد مواطنين ليبيين وقال من داخل عزلته القسرية: “إذا كانوا لا يريدوننا في بلادهم، فليفتحوا لنا البحر”.
“فاطمة”، اللاجئة السودانية الأم لثمانية أطفال التي فرّت من نيالا بعد سقوطها، تؤكد: “أنا حضرت هنا من أجل تعليم أطفالي، نحن ما عاوزين نستوطن”. وروت كيف فُقد ابنها الأكبر في ظروف غامضة وطُلب منها فدية. أما “هدى”، فقد عبّرت عن القلق الذي يشعر به السودانيون من تنامي الخطاب الرافض لوجودهم، في وقت تحلم فيه بالعبور إلى أوروبا لا البقاء حيث الخوف من الطرد.
هذه الشهادات ترافقت مع موجة تعليقات من مستخدمين سودانيين على منصات التواصل، كثير منهم وجّه الشكر للدكتورة البركي. “والله الحمد لله أول إنسان في شمال أفريقيا يفهمنا ويفهم هدفنا”، كتب أحدهم.
وأضاف آخر: “افتحوا لينا البحر 72 ساعة بس وبإذن الله مهاجر يعقد في ليبيا مافي”. وذهب ثالث إلى أبعد من ذلك: “إذا فتحوا لنا الحدود لمدة 24 ساعة لن فينا واحد في ليبيا”.
هذه الرسائل، المباشرة والصادمة، تعكس حقيقة تتعارض مع سردية الاستيطان: المهاجر، في غالبيته الساحقة، لا ينوي البقاء؛ هو محتجز في فخ جغرافي – سياسي أقفله الاتحاد الأوروبي بتمويل ليبيا.
الشارع الليبي بين مؤيد ومعارض: انقسام يعكس الهواجس
تفاعل الليبيون على نحو غير مسبوق. في المعسكر الداعم للبركي، احتفت التعليقات بما وُصف بـ”أول مرة أسمع ليبية فاهمة وصادقة”، و”كلامك صحيح 100% ولكن أصحاب القرار لا يعترفون بفشلهم”.
وركّز بعض النشطاء على ضرورة إلغاء الاتفاقية التي ورّطت البلاد: “الحكومة فرصة بعد الهبة الشعبية بإلغاء الاتفاقية تحت ضغط الرأي العام، وخلي أوروبا ترجعهم لبلدانهم وتدفع تكاليف تسفيرهم”.
في المقابل، ظهر تيار معارض اتهم البركي بأنها “مش ليبية” وأنها “تخدم في إيطاليا”، معتبراً حديثها عن العبور مجرد “كذب” وأن إغلاق البحر سيحوّل ليبيا إلى وطن بديل.
“ستة من عشرة مليون متسلل ببحر مقفل كل متسلل فاهم.. هدف توطين في ليبيا”، كتب أحدهم. آخرون تنبأوا بأن أوروبا ستبدأ قريباً في “تنظيف” أراضيها وترحيل المهاجرين إلى ليبيا، في إعادة إنتاج لأسطورة المؤامرة.
هذا الانقسام ليس افتراضياً فحسب؛ بل نزل إلى الشارع حين تجمهرت جماهير غاضبة أمام مقر مفوضية اللاجئين في طرابلس، وأفرغت شاحنة حمولة من الرمال أمام المدخل، واقتحم آخرون مقر البعثة الأممية في جنزور، في مشهد يعبّر عن قلق شعبي حقيقي من فكرة التوطين، لكنه في العمق يعكس فشل الدولة في إدارة الملف وتوصيل الحقائق.
واقعة “سي ووتش” تعيد مشاهد القسر والاتحاد الأوروبي يتفرج
وكأن الجدل النظري لم يكفِ، أطلت منظمة “سي ووتش” الأوروبية للإنقاذ بتفاصيل صادمة: خفر السواحل الليبي دخل المنطقة المالطية وسيطر على مجموعة من المهاجرين وأعادهم بالقوة إلى ليبيا. طائرة المنظمة رصدت زورقاً معطلاً على متنه 42 شخصاً، لكن زوارق خفر السواحل الليبية – التي وصفتها المنظمة بـ”الميليشياوية الإرهابية” المموّلة من الاتحاد الأوروبي – تدخلت في منطقة الإنقاذ المالطية.
في مشهد ينم عن اليأس، ألقى 20 مهاجراً بأنفسهم في البحر مفضلين الغرق على أن تمسكهم الأيدي التي تعيدهم إلى الجحيم الليبي. سفينة إنقاذ كانت على بعد أميال قليلة، لكن أولوية الاتحاد الأوروبي، كما قالت المنظمة، هي “منع وصول الناس بأي وسيلة”.
هذه الواقعة تكشف الجوهر الذي تحدثت عنه البركي: البحر لم يُغلق في وجه المهاجرين وحدهم، بل تحوّل إلى سجن مائي تحرسه ليبيا نيابة عن أوروبا. والمهاجر الذي يلقي بنفسه في المياه لا يفعل ذلك بحثاً عن استيطان في ليبيا، بل هرباً من واقع فرضته اتفاقية العار.
الجذور: اتفاق 2017 و”كلب الحراسة”
من يتأمل بنود الاتفاقية التي وقّعها فائز السراج مع رئيس الوزراء الإيطالي باولو جينتيلوني عام 2017 يدرك أن جذور المأساة سياسية بامتياز.
نصت الاتفاقية على أن تتعهد ليبيا بمنع انطلاق المهاجرين من سواحلها ومكافحة شبكات التهريب، مقابل دعم فني ومعدات وزوارق لخفر السواحل، وتطوير مراكز إيواء داخل الأراضي الليبية.
وهكذا، تحولت ليبيا إلى دركي حدودي لأوروبا، تتلقى الدعم لاحتجاز آلاف البشر مقابل اعتراف سياسي بحكومة كانت تترنح. الثمن الذي دفعته البلاد كان تحمّل عبء وقف الهجرة نيابة عن أوروبا، وقبول بقاء مئات الآلاف داخل أراضيها في ظروف مروّعة، فيما بقيت أبواب التوطين الفعلية – في دول الاتحاد – موصدة. أوهام التوطين في مواجهة الحقائق الميدانية
في ضوء هذه المعطيات، تبدو وجهة نظر الدكتورة ريم البركي الأكثر التصاقاً بالواقع الميداني المدعوم بالبيانات.
صحيح أن القلق الشعبي من التوطين مشروع ويجب احترامه، لكن الأخطر هو أن هذا القلق يُستثمر لتكريس سياسة القسر والإعادة التي تحوّل ليبيا إلى سجن كبير. بعثة الأمم المتحدة في ليبيا نفت مراراً وجود أي برامج لتوطين المهاجرين، وأكدت أنها تعمل على إعادة التوطين في دول ثالثة أو العودة الطوعية عند توفر الظروف، إلا أن المعلومات المضللة تجد تربة خصبة في ظل غياب الشفافية الرسمية.
ما قالته البركي ليس إنكاراً لوجود أعداد ضخمة من المهاجرين، ولا تبريراً للأخطاء الفردية لبعضهم، بل هو توصيف علمي لظاهرة الهجرة غير النظامية في المتوسط: الغالبية العظمى لا تخطط للبقاء في ليبيا، لكنها عالقة بفعل منظومة الإعادة القسرية.
وعندما يحذر البعض من “تفريغ ليبيا” لإقامة دولة للمهاجرين، فإنهم يخلطون بين القلق المشروع وسيناريوهات غير قابلة للتحقق ما دام المهاجر نفسه يرفض البقاء ويفضل المخاطرة بحياته في البحر.
أما حديث الطويبي عن تحول النية من العبور إلى الاستقرار، فرغم أنه يعبر عن هواجس جزء من الشارع، فإنه يصطدم بشهادات حية لمهاجرين – بعضهم عالق منذ سنوات – يقولون فيها إنهم مستعدون للمغادرة خلال ساعات لو فُتح البحر، وهي شهادات لا يمكن تجاهلها باعتبارها “أكاذيب” على نحو مطلق. المنهج العلمي، الذي أشارت إليه البركي، يقتضي النظر إلى سلوك الأفراد الفعلي لا إلى السرديات المبنية على التخوف.
إن إعادة ضبط البوصلة تتطلب خطوات جريئة: إلغاء اتفاقية 2017 أو على الأقل مراجعتها جذرياً بحيث لا تتحول ليبيا إلى سجان لحساب الغير، وإطلاق مسار دبلوماسي مع دول المصدر والاتحاد الأوروبي لإعادة المهاجرين طوعاً وبكرامة، وتجفيف منابع التهريب عبر تنمية حقيقية في بلدانهم. فالمهاجر الذي يصرخ “افتحوا البحر” لا يطلب مستحيلاً؛ هو يطلب ما تسلبه منه سياسة أوروبية تمول دوريات تحرس شواطئنا لتغرق أحلامه في المتوسط.



