ليبيا

تحت وطأة حملة رقابية ومطاردات سياسية.. أزمة المبيدات الزراعية في ليبيا تكشف صراعاً بين العلم والأمن والفساد

من "الأبامكتين" إلى "منال أبوعميد".. كيف تحول ملف المبيدات في ليبيا إلى ساحة لتصفية الحسابات وتهديد الأمن الغذائي؟

ليبيا 24

معركة المبيدات في ليبيا: بين ضرورات الأمن الغذائي وحسابات السياسة

في مشهد يعكس تعقيد المشهد الليبي المتشابك، تحول ملف تنظيم المبيدات الزراعية من قضية فنية بحتة إلى ساحة صراع سياسي وقضائي وإعلامي، جمع بين حقائق علمية دامغة، وحملات رقابية موسعة، وتصفيـة حسابات سياسية، وسط غياب شبه تام للتنسيق بين مؤسسات الدولة.

فبينما تشن النيابة العامة حملات تفتيش واسعة أسفرت عن ضبط كميات كبيرة من المبيدات المحظورة, يرفع مهندسون زراعيون ومختصون أصواتهم محذرين من “إجراءات باطلة قانوناً وعارية عن الصحة علمياً” تطال مواد معتمدة عالمياً، في مقدمتها مبيد “الأبامكتين”.

وفي خضم هذه الفوضى، تتصدر عضو لجنة الحوار المهيكل، الدكتورة منال أبوعميد، المشهد بعد أن تحولت مزرعة والدها المسن إلى مسرح لمداهمة ليلية، في واقعة أثارت تساؤلات واسعة حول دوافعها وأبعادها السياسية.

الحقائق العلمية: الأبامكتين بين الإباحة والحظر

في محاولة لفض الاشتباك العلمي الذي رافق الحملة الرقابية، يوضح الدكتور صلاح الدين أغنية، الخبير في شؤون المبيدات، حقائق علمية وقانونية دامغة حول مادة “الأبامكتين” بتركيز 1.8% EC. فالمادة، بحسب أغنية، هي مركب حيوي طبيعي يُستخلص من بكتيريا التربة Streptomyces avermitilis، وهي مسجلة ومعتمدة لدى وزارة الزراعة والثروة الحيوانية الليبية، وتُستخدم رسمياً في مكافحة الصانعات والعناكب على الخضار والفاكهة.

ويشير أغنية إلى أن تصنيف منظمة الصحة العالمية (WHO) ووكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) يضعان الأبامكتين ضمن المواد غير المسرطنة (Non-carcinogenic)، وتصنيفها العالمي يقع ضمن المواد ذات السمية المعتدلة إلى المنخفضة عند الاستخدام الصحيح والالتزام بفترة الأمان.

ووفقاً للمصادر العلمية، فإن هيئة سلامة الغذاء اليابانية (FSCJ) أكدت في تقييمها للمخاطر أن الأبامكتين لا يُظهر أي سرطانية أو سمية تناسلية أو عصبية تطورية. كما خلصت وكالة حماية البيئة الأمريكية إلى أنه “لا يشكل خطراً سرطانياً على البشر”.

وينتقد أغنية بشدة ما وصفه بـ”الجهل العلمي” الذي دفع بعض الجهات إلى مصادرة مبيد الأبامكتين بحجة أنه محظور أو مسرطن، معتبراً أن هذا الإجراء “باطل قانوناً وعارٍ عن الصحة علمياً”، ومحذراً الجهات الضبطية من “إثارة الذعر العام وتدمير قطاع المزارعين والمحلات المرخصة”.

القائمة الرسمية: 77 مبيداً محظوراً فقط

وفي سياق متصل، تؤكد عضو لجنة الحوار المهيكل، الدكتورة منال أبوعميد، في منشوراتها على وسائل التواصل الاجتماعي، أن قائمة الحظر الرسمية في ليبيا واضحة ومحدودة.

فقد اعتمدت وزارة الزراعة والثروة الحيوانية، عبر لجنة علمية، قائمة تضم 77 مبيداً زراعياً محظوراً فقط لخطورتها المؤكدة على البيئة والصحة. وهذه القائمة، بحسب أبوعميد، منشورة ومعممة على الجهات الرقابية، وأي مادة خارجها لا يجوز التعامل معها إعلامياً كـ”محرّمة” قبل صدور تحديث رسمي.

وتلفت أبوعميد الانتباه إلى أن المواد التي جرى تداولها في بعض البرامج التلفزيونية – مثل أسيتامبريد، فوستيل ألمنيوم، وجلايفوسات – هي مبيدات مرخصة عالمياً وتُباع بتراخيص في أغلب دول المنطقة، ولم يصدر حتى اليوم قرار ليبي رسمي يدرجها ضمن قائمة الـ77 محظوراً. وتحذر من أن “الخلط بين مادة مختلف عليها علمياً ومادة محظورة قانوناً” يشكل تضليلاً يضر بالسوق وبالفلاح.

حملة رقابية شاملة.. أم استهداف ممنهج؟

في 30 يونيو 2026، كشف مكتب النائب العام عن نتائج صادمة، حيث أظهرت تحاليل عينات مأخوذة من المزارع ومنافذ البيع بالتجزئة احتواء 65% منها على متبقيات سبعة مبيدات محظورة بموجب التشريعات الوطنية.

هذه النتائج دفعت النيابة العامة إلى اتخاذ إجراءات موسعة شملت تفتيش 25 محلاً في منطقة غريان أسفر عن ضبط 79 مستوعباً من المبيدات المحظورة وإلقاء القبض على ثمانية أشخاص، وعمليات تفتيش في طرابلس وبنغازي ومصراتة، وصولاً إلى حملات في تاجوراء والقره بوللي وغوط الشعال أسفرت عن ضبط 75 عبوة من المبيدات المحظورة و306 عبوات منتهية الصلاحية.

غير أن هذه الحملات الواسعة، التي وصفها المحامي العام خليفة فرج عاشور بأنها كشفت عن “إحصائيات صادمة”، قوبلت بانتقادات حادة من قبل المتخصصين والتجار، الذين اتهموا الجهات الضبطية بـ”التشهير الإعلامي” ونشر صور المداهمات قبل صدور أي حكم قضائي، وهو ما ينتهك، بحسبهم، مبدأ “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”.

قصة منال أبوعميد: عندما تصبح المزرعة هدفاً

في خضم هذه الحملات، تحولت أنظار الليبيين إلى واقعة مثيرة للجدل، تتعلق بعضوة لجنة الحوار المهيكل، الدكتورة منال أبوعميد. فوفقاً لما تناقلته وسائل الإعلام ومنصات التواصل، تعرضت مزرعة والدها (الذي يبلغ من العمر 80 عاماً) في منطقة الكريمية لمداهمة ليلية، حيث دخل أفراد الأمن العام إلى غرفة نومه في ساعة متأخرة، واقتادوا ابنه إلى التوقيف.

وتأتي هذه الواقعة بعد أسابيع من تعرض أبوعميد لتهديد مباشر من مسؤول في جهاز الأمن العام بالكريمية، تضمن إنذاراً باقتحام منزلها ومنحها مهلة ساعة واحدة لحذف منشورات منسوبة إليها. وقبل ذلك، كانت أبوعميد قد تعرضت لإطلاق نار عشوائي على منزلها قرابة الساعة 12:30 بعد منتصف الليل.

وتطرح هذه الوقائع تساؤلات جدية حول دوافع المداهمة، خاصة أن منال أبوعميد معروفة بمواقفها الوطنية، حيث شنت حملة على أعضاء مجلس بلدية الكريمية بسبب تجاوزات إدارية وأمنية، وتصدت لعمليات خطف وابتزاز العمالة الوافدة والتجار، ووقفت في وجه إجبارهم على دفع رسوم مكافحة آفات بشكل سنوي دون تنفيذ أي مكافحة فعلية.

وتتساءل عضو لجنة الحوار المهيكل، انشراح بن طابون، في منشور لها على فيسبوك، عن “المروءة الليبية” في ظل ما تعرضت له أبوعميد، متسائلة: “هل لا توجد مزارع في ليبيا إلا مزرعة عائلة أبوعميد؟ لماذا تم التشهير بها، بينما المزرعة لوالدها؟ هل يمكن أن يكون ذلك انتقاماً من منال أبوعميد التي عُرفت بوطنيتها ومحاربتها الفساد؟”

غياب التنسيق المؤسسي.. ومسؤولية مشتتة

في سياق متصل، تبرز قضية توزع المسؤوليات بين مؤسسات الدولة كأحد أبرز مظاهر الأزمة. فالمسؤولون عن ملف المبيدات الزراعية، وفقاً لما ورد في المتن الأصلي، يمتدون من حكومة الوحدة الوطنية ووزارة الزراعة ووزارة الاقتصاد، إلى مركز الرقابة على الأغذية والأدوية ومصلحة الجمارك، مروراً بالموردين والتجار والأجهزة الرقابية والضبطية، وصولاً إلى الفلاح والمواطن.

وتشير المصادر إلى أن القرار رقم 343 لسنة 2026 الصادر عن وزارة الاقتصاد والتجارة، والذي يقصر استيراد المبيدات الزراعية على المنتجات ذات المنشأ الأوروبي والأمريكي والكندي، ويلزم بإخضاع الشحنات للفحص في مختبرات دولية معتمدة، يثير تساؤلات حول مصير المبيدات التي دخلت البلاد عبر المنافذ الرسمية وخضعت لرقابة مصلحة الجمارك ومركز الرقابة على الأغذية والأدوية.

ويحمل التجار المسؤولين الجهات الحكومية مسؤولية السماح بدخول هذه البضائع عبر القنوات الرسمية، محذرين من أن تحميل التاجر وحده المسؤولية “هو تنصل من المسؤولية الحقيقية عن ضبط الحدود والمنافذ”. ويؤكدون أن أسلوب الترهيب وإلقاء التهم عشوائياً يدفع التجار الشرفاء إلى التوقف عن الاستيراد، مما سيؤدي حتماً إلى نقص في المواد الضرورية للمزارع الليبي وارتفاع أسعار المنتجات الزراعية.

خطر اختفاء المبيدات: انهيار الإنتاج الزراعي والمجاعة

في تحذير علمي واقتصادي، يرسم الخبراء سيناريوهات مروعة لما سيحدث إذا اختفت المبيدات من السوق الليبية. فبدون مبيدات، ستلتهم الآفات الحشرية والأمراض الفطرية ما بين 50% إلى 90% من المحاصيل الأساسية مثل الطماطم والبطاطس والحبوب والخضروات الورقية. وستنتشر أوبئة زراعية مدمرة مثل “حشرة صانعة الأنفاق” (التوتا أبسوليوتا) في الطماطم، واللفحة المتأخرة في البطاطس، وهي أمراض قادرة على إبادة حقول كاملة في أيام معدودة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، سيؤدي نقص الإنتاج المحلي إلى جنون الأسعار واستنزاف العملة الصعبة لاستيراد الاحتياجات الغذائية من الخارج، إضافة إلى خسائر مالية فادحة للمزارعين الذين يستثمرون آلاف الدنانير في البذور والأسمدة وشبكات الري والأيدي العاملة. والأخطر من ذلك، أن غياب القنوات الرسمية سيخلق “سوقاً سوداء” للمبيدات المهربة والمجهولة المصدر، التي لا تخضع لأي رقابة أو فحص مخبري، مما يفاقم المخاطر الصحية بدلاً من حلها.

الرقابة الذكية.. لا التشهير الإعلامي

في ختام تحليلها للوضع، تدعو الدكتورة منال أبوعميد إلى وقف استضافة غير المختصين في ملفات فنية تمس أرزاق الناس، وتطالب النيابة ووزارة الزراعة ومركز الرقابة على الأغذية بأن يتم أي ضبط بمحضر فني موقع من مهندس وقاية نبات أو كيميائي مبيدات، مع إبراز رقم القرار الوزاري الذي يحظر المادة. وتؤكد أن “التشهير قبل الإدانة جريمة في حق السمعة”، وتدعو أصحاب المحال إلى الاحتفاظ بفواتير الاستيراد وشهادات التسجيل، وطلب إبراز الصفة الرسمية والتكليف من أي مفتش.

وتختتم أبوعميد برسالة واضحة: “نحن لسنا ضد الرقابة، نحن ضد الفوضى. ليبيا تحتاج رقابة ذكية يقودها علماء، لا استعراضاً تلفزيونياً يقوده هواة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى