ليبيا بين النهب والتعتيم: لماذا عادت أزمة الكهرباء رغم المليارات؟
حكومةُ الدبيبةِ تُفتعلُ الأزماتِ كغطاءٍ للتطبيعِ، وليبيا تُعاني سوءَ إدارةٍ ونهباً ممنهجاً
ليبيا 24
ملياراتُ الكهرباءِ تتبخّرُ في فسادٍ والمواطنُ يدفعُ الثمنَ طرحَ أحمالٍ وظلاماً
في مشهد يتكرر بصورة مأساوية مع كل صيف، يعود شبح انقطاع التيار الكهربائي ليلقي بظلاله القاتمة على حياة الليبيين، محمّلاً معه أسئلة وجودية حول مصير المليارات التي أنفقت على قطاع الكهرباء.
فبينما تُعلن الحكومة المنتهية ولايتها برئاسة عبد الحميد الدبيبة عن مشاريع وهمية، يغرق المواطن في ظلام دامس، وسط اتهامات متبادلة بالفساد وسوء الإدارة، وتضاربت الروايات حول أسباب هذه الأزمة المتفاقمة التي باتت تهدد النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد.
في استطلاع واسع أجرته “ليبيا 24” لآراء الجمهور الليبي، عبر المواطنون عن غضبهم واستيائهم من عودة طرح الأحمال، متسائلين عن مصير الأموال الطائلة التي صرفت على قطاع الكهرباء دون أي تحسن ملموس.
وقد تباينت الآراء بين من يرى في الأزمة مؤامرة سياسية محكمة، ومن يعتبرها نتيجة حتمية للفساد المستشري في مفاصل الدولة، وبين من يربطها بغياب الرقابة والمحاسبة، وصولاً إلى من يصفها بأنها حلقة في مسلسل الضغط على الشعب الليبي لتمرير أجندات مشبوهة.
الفساد والنهب: الجذور الحقيقية للأزمة
لم يختلف اثنان من المشاركين في الاستطلاع على أن الفساد هو المحرك الرئيسي لأزمة الكهرباء في ليبيا. ففي الوقت الذي تنفق فيه الدولة مليارات الدنانير على عقود الصيانة وتوريد المحولات وشراء الوقود، تبقى الشبكة الكهربائية في حالة يرثى لها، تعاني من تهالك البنية التحتية وضعف الإنتاج وتردي التوزيع.
ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن أزمة الكهرباء ليست مجرد فشل إداري، بل هي “بزنس” مربح يُدرّ المليارات على فاسدين يتحكمون بمناصب حساسة في الشركة العامة للكهرباء، مستغلين معاناة الناس لتحقيق مكاسب شخصية.
ويشير مراقبون إلى أن عمليات توريد المحولات الكهربائية، والتي تمت خلال العامين الماضيين، تكتنفها الكثير من الغموض، خاصة تلك المستوردة من الهند والتي تبين أن جودتها رديئة، مما أدى إلى انهيار عدد كبير منها بعد فترة وجيزة من تركيبها، لتتفاقم بذلك مشكلة العجز في الشبكة بدلاً من حلها.
هذا الواقع يطرح علامات استفهام كبرى حول دور لجان الرقابة والمحاسبة، وعن سبب إغلاقها عيونها عن هذه الصفقات المشبوهة، في غياب تام للشفافية والنزاهة.
المناورة السياسية والضغط على الشعب
في قراءة أكثر تعقيداً للأزمة، يرى جزء كبير من الجمهور الليبي أن أزمة الكهرباء ليست وليدة الصدفة، بل هي جزء من مخطط متكامل يهدف إلى الضغط على الشعب الليبي وإشغاله عن القضايا الكبرى، وفي مقدمتها ملف التطبيع مع إسرائيل.
ويُعتقد أن هذه الضغوطات المفتعلة، والتي تشمل أزمات متزامنة في الوقود والمبيدات والأدوية، تأتي في توقيت دقيق، قبيل الذكرى الخامسة عشرة لانتفاضة السابع عشر من فبراير، وقبل أسابيع من الانتخابات المزمع إجراؤها في نوفمبر المقبل.
ويتهم المتحدثون حكومة الدبيبة، التي وصفوها بالمنتهية ولايتها، بتعمد إثارة هذه الأزمات لتقديم نفسها كرجل سلام قادر على حلحلة الملفات العالقة، متجاهلة بذلك المعاناة اليومية للمواطن.
كما يُشير البعض إلى أن هذه الأزمة تأتي في سياق ضغوط أكبر تهدف إلى إجبار الليبيين على القبول بمسارات سياسية معينة، قد يكون من بينها الاعتراف بكيان الاحتلال الإسرائيلي، تحت وطأة الحرمان من أبسط مقومات الحياة، وفي مقدمتها الكهرباء والماء.
غياب الرقابة وضعف الدولة المدنية
لا يقتصر الأمر على الفساد والمؤامرات السياسية، بل يمتد ليشمل حالة الترهل التي تعاني منها مؤسسات الدولة الرقابية. فغياب الضمير المهني والوطنية لدى المسؤولين، وعدم وجود متابعة حقيقية أو محاسبة رادعة، كلها عوامل أسهمت في تحويل شركة الكهرباء إلى ما يشبه “الدولة داخل الدولة”، يُتخذ منها منصة لنهب المال العام وتمرير الأجندات الخاصة. هذه الحالة من التفكك تعكس ضعف الدولة المدنية الليبية التي يفترض أن تكون الداعم الأول لاستقرار الخدمات.
ويطالب المواطنون بتفعيل دور الأجهزة الرقابية والضبطية، وإنزال أشد العقوبات بكل من تورط في إهدار المال العام أو التسبب بتعطيل مصالح الناس. ويشيرون إلى أن الحلول الجذرية لا تكمن في اجتماعات عاجلة لوزير الدولة لشؤن مجلس الوزراء محمد بن غلبون مع مدير عام شركة الكهرباء محمد المشاي، لتوزيع طرح الأحمال بشكل “عادل” بين المدن، بل في محاسبة الفاسدين وإعادة هيكلة القطاع بالكامل وفق معايير الكفاءة والشفافية.
التهميش الممنهج واللامساواة في طرح الأحمال
تثير قضية توزيع طرح الأحمال بشكل غير عادل بين المناطق والمدن الليبية موجة من الغضب والسخط، حيث يتهم المواطنون الشركة العامة للكهرباء بتهميش مناطق بأكملها، وتركها تعاني من انقطاعات متكررة لساعات طويلة، بينما تتمتع مناطق أخرى باستقرار نسبي في التيار. هذا التفاوت في المعاملة يُفسر على أنه جزء من سياسة ممنهجة للإقصاء والتهميش، تهدف إلى الضغط على فئات ومدن بعينها، في إطار صراعات القبيلة والمنطقة التي تمزق النسيج الوطني.
ويشير ناشطون إلى أن العشوائيات وأوكار المهاجرين غير الشرعيين باتت تستهلك كميات هائلة من الكهرباء بطرق غير قانونية، دون أن تتحرك أي جهة رقابية لضبط هذه المخالفات، في حين يتم تحميل المواطن الليبي، الذي يلتزم بدفع الفواتير، عبء هذه الاستهلاكات الإضافية، وكأنه الوحيد المكلف بدعم شبكة الكهرباء، بينما يُترك الآخرون لنهبها دون رقيب أو حسيب.
عجز الإنتاج وغياب الرؤية المستقبلية
من ناحية أخرى، يرى خبراء أن المشكلة ليست فقط في سرقة التيار أو الفساد الإداري، بل في العجز الحقيقي في الإنتاج مقارنة بالطلب المتزايد. فالإنتاج الكهربائي في ليبيا لا يزال عند مستويات ما قبل عام 2011، بينما قفز الاستهلاك بشكل هائل، ليس فقط بسبب النمو السكاني، بل أيضاً بسبب انتشار مصانع تعدين العملات الرقمية المشفرة (“البيكوتين”) التي تلتهم كميات هائلة من الطاقة، والتي تعمل في السر وبحماية من بعض النافذين، مما يفاقم من أزمة العجز في الشبكة.
ويؤكد هؤلاء أن الحل لا يكمن في استمرار طرح الأحمال كحل مؤقت، بل في تطوير شامل للشبكة، وزيادة الإنتاج، ومعالجة الفاقد الفني والتجاري، ووقف النزيف الذي تسببه التوصيلات غير القانونية.
كما يدعون إلى الاستفادة من فائض الإنتاج في المستقبل لتصديره إلى دول الجوار، مما سيوفر عائدات مالية ضخمة للدولة والشركة، بدلاً من الاقتصار على تغطية الاستهلاك المحلي.
دعوة للتكاتف وخلع ساعات العداد
في خضم هذا الغضب الشعبي، تتصاعد دعوات المواطنين إلى العصيان المدني، وخلع ساعات العدادات الكهربائية، واللجوء إلى التوصيل المباشر، احتجاجاً على ما يرونه ظلماً وتهميشاً، وعلى غياب العدالة في توزيع الخدمات.
هذه الدعوات تعكس مدى اليأس والإحباط الذي وصل إليه الليبيون، ومدى فقدان الثقة في مؤسسات الدولة، خاصة في ظل تجاهل فتاوى دار الإفتاء التي تطالب بمراعاة العدالة في التعامل مع المواطنين.
ويؤكد المحتجون أن الحكومة وشركة الكهرباء استغفلت الليبيين، وزادت في قيمة تعريفة الاستهلاك، بينما تغض الطرف عن التوصيلات العشوائية للمهاجرين غير الشرعيين، وهو ما يُعد إهانة للضمير الوطني وإمعاناً في الظلم.
ويطالبون الحكومة الليبية برئاسة أسامة حماد، التي يثقون بها، بالتدخل العاجل لإنقاذ الوضع، ومحاسبة المتسببين في هذه الكارثة، والعمل على إعادة هيبة الدولة وسيادتها على كامل أراضيها.
الخلاصة:
أزمة الكهرباء في ليبيا ليست مجرد عطل تقني أو نقص في الوقود، بل هي مرآة تعكس حجم الفساد والنهب الممنهج، وضعف المؤسسات، وتآكل الدولة، واستمرار سياسات التهميش والإقصاء.
إنها أزمة سياسية بامتياز، تُستخدم كورقة ضغط على الشعب الليبي، وغطاء لتمرير أجندات خطيرة، وفي مقدمتها التطبيع مع إسرائيل. المواطن الليبي، الذي يدفع الثمن غالياً، ينتظر من الحكومة الليبية برئاسة أسامة حماد أن تضع حداً لهذه المهازل، وأن تعيد للدولة هيبتها، وللعدالة سلطانها، وللكهرباء بريقها، قبل أن يضيع الوطن في ظلام دامس لا ينقشعه إلا بحزم وإرادة صادقة.



