حكومة الدبيبة والوهم وصناعة الأزمة.. عندما يصبح اعتراف العجز إعلاناً لانهيار الدولة
اعتراف وزير الداخلية بالعجز إعلان رسمي بانهيار هيبة الدولة
ليبيا 24:
تشريح سياسي لحكومة الاستعراض
في خضم مشهد ليبي يزداد تعقيداً وتآكلاً يومياً لشرعية المؤسسات المنتهية ولايتها، مع تفاقم حالة الانفلات الأمني، خرجت الدكتورة منال أبوعميد، عضو لجنة الحوار المهيكل، بتصريحات لاذعة فضحت بشكل غير مسبوق حجم التناقض القاتل الذي تعيشه الحكومة منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة.
تصريحات أبوعميد، التي نشرتها عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك، لم تكن مجرد نقد سياسي عابر، بل جاءت بمثابة تشريح عميق لأزمة الحكم في غرب البلاد، حيث يتحول المسؤولون التنفيذيون إلى متفرجين على انهيار مؤسسات الدولة التي يتقاضون رواتبهم من خزينتها، بحسب توصيفها.
هندسة العجز.. عندما يتحول الاعتراف إلى وثيقة إدانة
في صلب التحليل الذي قدمته أبوعميد، تكمن مفارقة مدمرة لشرعية أي سلطة تدعي امتلاك زمام الأمور. فصورة رئيس حكومة “يخرج كل يوم ليعبر عن استنكاره” تختزل في جوهرها حالة الانفصام السياسي التي تعيشها البلاد، حيث إن التكرار الدائم لعبارات مثل “سنحقق” و “سنحاسب” لا يعكس تصميماً على المواجهة بقدر ما يكشف، وفق توصيفها، عن أحد أمرين: إما انعدام السلطة الفعلية، وإما انعدام الإرادة الحقيقية.
ويضرب هذا التحليل في العمق الاستراتيجي لحكومة الدبيبة، متهماً إياها ليس فقط بالعجز عن الحكم، بل بالتظاهر به واتخاذ موقع الضحية كذريعة للبقاء في السلطة دون إنجاز.
أما القنبلة الأكبر في هذا التشريح، فجاءت عبر تسليط الضوء على اعتراف وزير الداخلية المكلف بحكومة الوحدة بأن وزارته لا تملك القدرة على مواجهة الأجهزة الأمنية.
ولم تتعامل أبوعميد مع هذا التصريح كـ “زلة لسان”، بل صنفته كـ “اعتراف سياسي وإداري خطير“.
واعتبرت أن هذا الاعتراف يتجاوز شخص الوزير ليصبح إعلاناً رسمياً، ولو غير مقصود، بأن الدولة ذاتها تقر بأن هناك كيانات مسلحة وجهات أمنية موازية تفوق قوتها قوة المؤسسات الشرعية، أو أن السلطة الحاكمة اختارت مسار التعايش المخزي مع هذا الواقع بدلاً من استراتيجية المواجهة والتغيير.
وهو ما يثير سؤالاً وجودياً حول ماهية الدولة، وكيف يمكن لمؤسسة يفترض أنها تحتكر أدوات العنف المشروع أن تعلن عجزها عن فرض القانون.
من وهم الإنجاز إلى صناعة الجدل.. اقتصاديات الأزمة المفتعلة
تتجاوز تداعيات هذا الخطاب العاجز البعد الأمني لتضرب في صميم النسيجين الاقتصادي والاجتماعي.
ففي بيئة تعلن فيها الحكومة عجزها عن ضبط الأمن، تصبح أي دعوة للاستثمار الأجنبي أو المحلي مجرد سراب.
وتتساءل أبوعميد: كيف يمكن إقناع رجال الأعمال بضخ أموالهم في بلد يعترف وزير داخليته بأنه غير قادر على حمايتهم من “أجهزة أمنية” خارجة عن السيطرة؟ إن هذا الاعتراف العلني هو بمثابة شهادة وفاة لأي خطة للتنمية أو الإعمار، وهو ما يفسر لماذا تظل الوعود الاقتصادية الضخمة حبراً على ورق بينما يغرق المواطن في أزمات معيشية طاحنة.
وترى أن غياب الأمن لا يعني فقط تهديد الحياة، بل يعني أيضاً تدمير سبل العيش، وإغلاق الأسواق، وتهريب السلع المدعومة، وتغذية اقتصاد الحرب والفساد على حساب الاقتصاد الوطني الرسمي.
وهنا تبرز دقة وصف أبوعميد لآلية عمل هذه السلطة التي أصبحت “بارعة في صناعة المشهد أكثر من صناعة الحل.
فهي تصف دورة سياسية خبيثة تستهلك الموارد العامة ليس لحل الأزمات بل لإعادة تدويرها.
فعندما تفشل الحكومة في حل أزمة الوقود أو الكهرباء أو السيولة، فإنها لا تقدم حلولاً جذرية، بل تطلق معركة إعلامية لتشغل الناس عن أصل المشكلة.
والمليارات التي تضخ لإدارة شؤون الدولة تتحول في هذا السياق إلى ميزانية لصناعة “الروايات” وتسويق “الجدل” على أنه إنجاز.
وهي سياسة مكلفة اقتصادياً يُصرف فيها المال العام على آلة دعائية ضخمة تهدف إلى إقناع المواطن بأن وهم الاستقرار هو الحقيقة الوحيدة، بينما الحقيقة الفعلية، كما تقول أبوعميد، موجودة في معاناة المواطن اليومية مع انقطاع التيار وطوابير الخبز وانعدام الأمان.
شرعية الاستعراض في مواجهة مطلب المحاسبة
تمثل تصريحات أبوعميد صرخة في مواجهة ما يمكن تسميته بـ “سلطة الاستعراض”. فهي تسلط الضوء على الفجوة الهائلة بين خطاب التعبئة والتنديد الذي يمارسه الدبيبة وفريقه، وبين الواقع الميداني الذي يثبت أن هذه الحكومة، وباعتراف وزرائها، لا تملك القدرة على ممارسة أبسط مهام السيادة.
وتطرح أبوعميد السؤال الجوهري الذي يمثل مفتاح فهم الأزمة: “إذا كان المسؤول الأول عن الأمن يعترف بالعجز، فمن المسؤول؟ ومن يحاسب من؟” ففي دولة القانون التسلسل واضح والمسؤولية محددة، لكن في واقع تتصارع فيه مراكز القوى داخل العاصمة ذاتها، تتلاشى المسؤولية ويتحول الجميع إلى ضحايا افتراضيين لـ “قوى الظلام” المجهولة.
لائحة اتهام لا منشور فيسبوكي
تخلص أبوعميد إلى نتيجة منطقية تشكل ضربة قاضية لفكرة استمرار الوضع القائم، مفادها: “من يعترف بأنه لا يملك القدرة على إدارة مؤسسات الدولة، فليتحمل أيضاً شجاعة الاعتراف بأنه لم يعد يملك مبرراً للبقاء في منصبه“.
وهي بهذا تقلب طاولة الحوار السياسي، فلم يعد الأمر خلافاً حول الصلاحيات أو تفسير دستوري، بل اعتراف ذاتي من أركان النظام الحاكم بالعجز والفشل. فالشعوب، كما تؤكد، تحتاج إلى “دولة تُدار بالفعل، لا إلى سلطة تُتقن صناعة الوهم وتسويق الأزمات“.
وبهذا تتحول تصريحات أبوعميد من مجرد منشور على وسائل التواصل إلى لائحة اتهام سياسية وأخلاقية ضد نظام يبدو أنه اختار، بوعي كامل، أن يكون جزءاً من المشكلة لا طريقاً إلى الحل.



