ليبيا

عصر يرسم خارطة إنقاذ الاقتصاد الليبي من براثن الإدارة الفاشلة… وحكومة منتهية الولاية تتجاهل الوصفة

غياب فهم القانون والهياكل يجعل الإنفاق العام عبئاً

ليبيا 24:

في وقت تتخبط فيه ليبيا تحت وطأة انقسام سياسي واقتصادي خانق، وتواجه الحكومة منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة اتهامات متصاعدة بفقدان الشرعية وتبديد الموارد، خرج وزير الاقتصاد والصناعة السابق منير علي عصر بسلسلة من التصريحات التي بدت أقرب إلى تشريح دقيق لأمراض الجسد الإداري الليبي، ووضع خريطة طريق بديلة تقوم على فهم مغاير لدور الدولة والقانون ورأس المال.

تصريحات عصر، المنشورة على صفحته بموقع فيسبوك، حملت نقداً مبطناً لواقع يكرّسه من يديرون دفة القرار اليوم، دون أن تتحول إلى اتهام شخصي، بل عبر تقديم رؤية تغيب عن مشهد تحكمه العشوائية وثقافة الصرف بلا أثر.

المستثمر الوطني.. القاطرة التي أهملتها سلطة بلا ولاية

في صلب رؤية الوزير السابق تقف فكرة جريئة: لا يمكن لدولة أن تنهض وهي تنتظر المستثمر الأجنبي ليبدأ البناء قبل أبنائها.

وأوضح عصر أن المستثمر الوطني هو الأكثر معرفة ببيئة بلده، والأقدر على تحمل المراحل الأولى من التنمية، والأكثر ارتباطاً بمصلحة الوطن على المدى الطويل.

وعندما يرى الأجنبي أن أبناء الدولة يثقون باقتصادهم ويستثمرون فيه، تصبح تلك الثقة رسالة أقوى من أي حملة ترويجية.

لكن الواقع الذي تفرضه حكومة الدبيبة منتهية الولاية، يروي قصة معاكسة. فبدلاً من بناء بيئة قانونية مستقرة وإجراءات واضحة وتمويل إنتاجي وقضاء يحمي الحقوق وإدارة تنجز ولا تعطل، تتفشى مظاهر الإقصاء الضمني للمستثمر المحلي عبر بيروقراطية خانقة وقوانين متضاربة، ما يجعله متفرجاً لا شريكاً.

وتمثل تصريحات عصر هنا اتهاماً غير مباشر لسياسات تحوّل “رأس المال الوطني” من قاطرة للاستثمار إلى عربة مهملة على سكة اقتصاد تائه، تحت شعار **”رأس المال الوطني قاطرة الاقتصاد والعدالة أساس البناء”.**

القانون التجاري المنسي.. حين يضمن غياب المساءلة بقاء الفاشلين

ولم يتوقف عصر عند الخطاب العام، بل غاص في تفاصيل تقنية تكشف عن عمق الخلل. إذ أشار إلى أن تطبيق القانون التجاري بفهم صحيح كان كفيلاً بالتخلص تلقائياً من كل المدراء الفاشلين، ومنع الواسطة والمحسوبية.

وأوضح أن اشتراط قفل الميزانية سنوياً، مع إظهار حساب الأرباح والخسائر، وتصنيف الديون إلى مشكوك فيها وممتازة ومعدومة، وتقديم تقارير المراجع الداخلي والخارجي ولجنة المراقبة، كلها آليات من شأنها فضح أي إدارة مترهلة.

وفي سخرية مبطنة من واقع تعجز فيه أغلب الشركات العامة عن تحقيق أرباح تفوق الفائدة على الودائع – التي بلغت 6% في ليبيا و25% في مصر – شدد عصر على أن أي شركة لا تحقق ربحاً يفوق هذه النسبة لا تكون قد حققت ربحاً محاسبياً حقيقياً.

وأكد أنه عند أول اجتماع لجمعية عمومية حقيقية – إن وجدت – سيسقط المدير الفاشل، مع عدم الإخلال بالمسؤولية الجنائية.

وهو طرح يسلط الضوء على كارثة إدارية ترعاها حكومة تغيب فيها الجمعيات العمومية الفعلية والمراجعون الحقيقيون ولجان المراقبة المتخصصة، لتتحول المؤسسات إلى بيوت خبرة للفشل يحرسها الغموض المالي، في مفارقة تؤكد أن **”الخلل ليس في عدم وجود القانون، بل في عدم فهم القانون”.

هياكل عشوائية.. إرث إداري أثقلته حكومة بلا رؤية

وانتقل عصر إلى تشريح مشكلة مزمنة أخرى، واصفاً الهياكل التنظيمية للإدارة الليبية بأنها **”بناء سكن عشوائي”

فالطريقة التي تُعد بها تلك الهياكل لا تخدم رسالة المؤسسة، بل تجمع مختلف التخصصات والشعب بصورة عشوائية، دون تمييز بين الملاك الفني والملاك الإداري والخدمي.

وأوضح أن الملاك الإداري والخدمي يفترض أن يكون ملاكاً عاماً لا يقتحم عمل الملاك الفني ولا يباريه، لكن ما يحدث هو العكس تماماً، حيث يقحم غير المتخصص نفسه في صلب النشاط الفني للمؤسسة.

وفي ظل حكومة متهمة بتضخيم الجهاز الإداري لأغراض سياسية وانتخابية، يتحول الموظف إلى باحث عن رقم الدرجة وراتبها دون معرفة مسمى وظيفته أو مهامها.

وأشار عصر إلى وجود ترقيات تشجيعية تمنح لموظفين لا أثر لأعمال مميزة في ملفاتهم الشخصية. وهي ممارسات تتعمق في عهد سلطة تنفيذية فقدت بوصلتها، فلم تعد المؤسسات تدار بهدف الإنتاج بل بهدف الاستيعاب.

العدالة الاقتصادية.. الأساس الذي تنكره بيروقراطية بلا قضاء

أما المحور الأعمق في تحليل عصر فيتعلق بالعدالة الاقتصادية. فهو يرى أن المستثمر، قبل أن يسأل عن حجم السوق أو تكلفة المشروع، يسأل سؤالاً واحداً: **”إذا اختلفت مع أحد… هل سأجد عدالة تحمي حقي؟”**

من هذا المنطلق، لا تقوم الثقة التي تُبنى عليها الاقتصادات الحديثة بالتصريحات، بل بمؤسسات قضائية مستقلة وإجراءات واضحة وسرعة في الفصل في النزاعات واحترام العقود.

ودعا إلى إنشاء دوائر ومحاكم اقتصادية متخصصة وتطوير منظومة التحكيم التجاري، معتبراً ذلك قراراً اقتصادياً من الدرجة الأولى لا مجرد مطلب قانوني.

وتحت حكم حكومة يحيط بها الجدل الدستوري، تظل العدالة الناجزة حلماً بعيد المنال. فالنزاعات التجارية تتعثر لسنوات، والعقود لا تجد من يحميها، ما يدفع رؤوس الأموال المحلية للهجرة أو الكنز، ويجعل أي حملة دعائية لجذب الاستثمار عبثاً لا طائل منه.

ورسالة عصر واضحة: الدولة التي لا تحمي العقود لن تجذب رؤوس الأموال حتى لو أنفقت المليارات على الدعاية.

 الإنفاق العام.. مليارات بلا أثر في عهد ثقافة الصرف لا الإنجاز

وعن المال العام، أطلق عصر قاعدة صارمة: “ليست قيمة الموازنة العامة في حجم الأموال التي تُنفق، بل في الأثر الذي تتركه تلك الأموال على حياة المواطنين”.

وشرح أن بعض الدول تحقق نتائج أكبر بموارد أقل لأنها تربط كل دينار بهدف واضح وكل مشروع بمؤشرات أداء وكل مسؤول بمساءلة حقيقية. فالإدارة الحديثة، برأيه، لم تعد تسأل “كم أنفقنا؟” بل “ماذا حققنا؟”.

وهذا المعيار يمثل لائحة اتهام صامتة لموازنات ضخمة أقرتها حكومة منتهية الولاية دون أن تتحسن الخدمات أو تتطور الصحة أو تنمو البنية التحتية. فكل دينار يُصرف دون أن يتحول إلى مدرسة أو مستشفى أو طريق أو فرصة عمل هو، وفق وصف عصر، “تكلفة على الدولة وليس استثماراً في مستقبلها”.

إنها ثقافة الإنفاق التي تنتعش في غياب القياس الحقيقي للإنجاز، وتجد تربة خصبة في إدارة تنظر إلى الموازنة كغنيمة لا كأداة تنمية، وهو ما يلخصه عنوان **غياب فهم القانون والهياكل يجعل الإنفاق العام عبئاً.**

التنمية من البلديات.. رؤية تغيب في ظل قبضة المركز

أخيراً، قدم عصر وصفة لامركزية جريئة، مؤكداً أن التنمية الحقيقية تبدأ من البلديات لا من العاصمة وحدها، وأن لكل مدينة ليبية ميزة تنافسية يمكن أن تتحول إلى محرك للنمو، سواء في الصناعة أو الزراعة أو السياحة أو الخدمات اللوجستية أو الصيد البحري أو الطاقة المتجددة.

ودعا إلى منح البلديات صلاحيات أوسع للتخطيط والتنفيذ ضمن إطار وطني يحفظ الوحدة ويضمن العدالة، مع معايير واضحة للرقابة والمساءلة.

لكن حكومة تزداد مركزية في قراراتها، وتحتكر الصلاحيات في طرابلس، تحرم المدن الليبية من فرصة أن تكون شريكة في النهضة.

ونتيجة لذلك، تبقى الموارد المحلية معطلة، وتختنق الطاقات الإنتاجية، لتبقى الدولة أسيرة نموذج أعجز عن بناء “كل مدينة منتجة”، تلك التي رأى فيها عصر إضافة حقيقية لقوة ليبيا.

وهكذا، تكتمل صورة الأزمة: رؤية واضحة يطرحها خبير اقتصادي مجرب، في مواجهة واقع تصنعه حكومة تفتقد للشرعية والإرادة، وتتجاهل وصفة تقوم على الثقة والعدالة والقانون والإنجاز واللامركزية، وهو ما عنونته ليبيا 24بـعصر يرسم خارطة إنقاذ الاقتصاد الليبي من براثن الإدارة الفاشلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى