ليبيا

ليبيا خارج مؤشر جودة الحياة.. ثروة نفطية مهدرة وواقع معيشي يثقل كاهل المواطن

الفساد وتراجع الخدمات وغلاء المعيشة تعمق الفجوة بين ثروات ليبيا وحياة مواطنيها

ليبيا 24 :

جاء غياب ليبيا عن التصنيف النهائي لمؤشر جودة الحياة لعام 2026 الصادر عن قاعدة بيانات “Numbeo” ليعيد فتح ملف الأزمة الليبية من زاوية تتجاوز الأرقام، إذ لم يكن الغياب نتيجة احتلال مرتبة متأخرة، وإنما بسبب عدم توافر بيانات كافية وموثوقة تسمح بإجراء تقييم شامل لمستوى المعيشة.

إلا أن هذا الغياب، في نظر قطاع واسع من الليبيين، يعكس بصورة غير مباشرة حجم الاختلالات التي تعيشها الدولة في ظل سنوات طويلة من الانقسام السياسي وسوء الإدارة وتراجع الخدمات واستمرار الفساد، في مفارقة تلخصها جملة “ثروة نفطية هائلة وواقع معيشي يثقل كاهل المواطنين”.

ويقيس المؤشر جودة الحياة اعتمادًا على معايير تشمل القدرة الشرائية، والأمن، والرعاية الصحية، وتكلفة المعيشة، وأسعار السكن، وحركة المرور، والتلوث، والمناخ.

وفي القارة الإفريقية تصدرت جنوب إفريقيا القائمة، تلتها تونس ثم المغرب وكينيا، بينما جاءت مصر ضمن الدول المصنفة، في حين بقيت ليبيا خارج القائمة بالكامل.

ثروة نفطية ضخمة.. ومواطن يواجه أزمات يومية

تتكرر في الشارع الليبي المفارقة الأكثر تداولاً؛ فالدولة التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في إفريقيا ما زال مواطنها يعاني من انقطاع الكهرباء، وارتفاع الأسعار، وطوابير المصارف، وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية.

ويرى كثير من المواطنين أن المشكلة لم تعد في حجم الموارد، وإنما في كيفية إدارتها، بعد سنوات من الإنفاق الضخم دون نتائج ملموسة.

ويتداول ناشطون تقديرات تشير إلى إهدار مئات المليارات من الدنانير خلال الأعوام الماضية، بينما بقيت البنية التحتية والخدمات الأساسية في تراجع مستمر.

وتزداد حدة الانتقادات الموجهة إلى حكومة الوحدة المنتهية ولايتها برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مع اتهامات متكررة بعدم فرض رقابة فعالة على الأسواق، وعدم معالجة الاختلالات الاقتصادية، في وقت يواصل فيه المواطن تحمل أعباء التضخم وارتفاع تكاليف الحياة.

 غلاء المعيشة يضغط على الأسر الليبية

من أبرز المؤشرات التي أثارت استياء الرأي العام الارتفاع السريع في أسعار الدقيق، إذ ارتفع سعر القنطار من 220 إلى 270 ديناراً خلال يومين فقط، وسط مطالبات بتشديد الرقابة على المطاحن والتجار، خاصة أن استيراد القمح يتم عبر اعتمادات يخصصها مصرف ليبيا المركزي.

ويقول مواطنون إن الخبز، الذي كان يمثل أبسط مقومات الأمن الغذائي، أصبح عبئاً جديداً على الأسر محدودة الدخل، في ظل غياب رقابة فعالة وارتفاع أسعار معظم السلع الأساسية.

كما تتداول منصات التواصل الاجتماعي صوراً تعكس تراجع القوة الشرائية، من بينها بيع بعض الفواكه مجزأة إلى أنصاف وأرباع، باعتبارها مؤشراً على انخفاض مستوى المعيشة واتساع دائرة الضغوط الاقتصادية، وهو ما يعمق الفجوة بين ثروات ليبيا وحياة مواطنيها.

أمن غذائي يثير القلق

بالتوازي مع الأزمة الاقتصادية، تصاعدت تحذيرات واسعة بشأن الأمن الغذائي، مع انتشار مطالبات بتشديد الرقابة على الأغذية والمبيدات الزراعية والأسمدة الكيميائية المهربة أو المحظورة، وإجراء فحوص مخبرية دقيقة للمنتجات المتداولة.

كما انتشرت عبر وسائل التواصل قوائم تربط بين بعض المنتجات المصنعة أو منخفضة الجودة وبين مخاطر صحية وأمراض مزمنة.

ورغم أن كثيراً من هذه الادعاءات يحتاج إلى تقييم علمي من الجهات الصحية المختصة قبل الجزم بصحتها، فإنها تعكس حجم القلق الشعبي بشأن سلامة الغذاء، وتبرز الحاجة إلى رقابة أكثر صرامة ومختبرات معتمدة وإجراءات شفافة لحماية المستهلك.

وفي السياق ذاته، لقي القرار التونسي باستبدال الدقيق الأبيض بدقيق الحبة الكاملة في صناعة الخبز اهتماماً بين الليبيين، مع دعوات للنظر في سياسات غذائية مشابهة إذا دعمتها الدراسات الصحية والاقتصادية.

الكهرباء.. أزمة مستمرة رغم المليارات

ما تزال أزمة الكهرباء تمثل أحد أبرز الملفات التي تؤرق المواطنين، إذ تتواصل الانقطاعات خلال فصل الصيف مع ارتفاع درجات الحرارة، رغم الإنفاق الكبير على القطاع خلال السنوات الماضية.

وتتزايد المطالب الشعبية بإعلان جداول واضحة لطرح الأحمال، على غرار ما يجري في بعض الدول المجاورة، احتراماً لوقت المواطنين وتمكينهم من ترتيب شؤونهم اليومية، إضافة إلى المطالبة بإجراء مراجعات شفافة للإنفاق ومحاسبة المسؤولين عن استمرار الأزمة.

ويرى مراقبون أن توفير الكهرباء لم يعد مطلباً خدمياً فحسب، بل أصبح معياراً لقياس كفاءة الإدارة العامة وقدرة الدولة على إدارة مواردها.

تحسن أمني يقابله تدهور اقتصادي واتساع الفجوة الاجتماعية

ورغم الصورة الاقتصادية القاتمة، يشير عدد من الشخصيات العامة إلى أن الواقع الأمني شهد تحسناً مقارنة بالسنوات التي أعقبت عام 2011، حيث تراجعت بعض الجرائم التي كانت تستهدف المدنيين بصورة واسعة.

ويعتبر كثيرون أن الأمن يمثل قاعدة أساسية لأي عملية تنموية، إلا أنهم يؤكدون أن الاستقرار الأمني وحده لا يكفي إذا استمرت الأزمات المعيشية دون حلول جذرية.

ومن أكثر القضايا حضوراً في النقاش الليبي اتساع الفوارق الطبقية، حيث تتحدث منشورات متداولة عن ظهور طبقة ثرية تستفيد من الفساد والمحسوبية، مقابل اتساع دائرة الفقر والبطالة.

ويؤكد ناشطون أن مشاهد الإنفاق المبالغ فيه في بعض المناسبات تقابلها معاناة آلاف الأسر في توفير الغذاء والدواء والسكن، ما عزز المطالب بتفعيل مبدأ “من أين لك هذا؟”، وتوسيع أدوات الرقابة والمساءلة، واسترداد الأموال العامة.

إصلاح اقتصادي يبدأ بالمواطن.. والشارع يطالب بالمحاسبة قبل الوعود

في المقابل، برزت خلال الفترة الأخيرة مقترحات اقتصادية تدعو إلى إعادة هيكلة منظومة الدعم، عبر التحول التدريجي من دعم المحروقات والطاقة إلى دعم نقدي مباشر للمواطن، بما يضمن عدالة توزيع الثروة، والحد من التهريب والهدر، وترشيد الاستهلاك، وتوجيه جزء أكبر من الإنفاق إلى قطاعات التعليم والصحة والكهرباء والنقل.

ويقترح أصحاب هذه الرؤية إنشاء قاعدة بيانات وطنية شاملة، وربط قيمة الدعم بالإيرادات النفطية ومؤشرات الأسعار، وصولاً إلى منظومة حماية اجتماعية تستهدف الفئات الأكثر احتياجاً، بما يحقق الاستدامة المالية ويخفف الضغط على الموازنة.

في المجمل، تعكس النقاشات المتداولة بين الليبيين، سواء في الشارع أو عبر منصات التواصل، حالة من الإحباط تجاه استمرار الأزمات المعيشية رغم الإمكانات النفطية الكبيرة، مع مطالب متزايدة بإعلاء سيادة القانون، ومكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية.

وبين غياب ليبيا عن مؤشر جودة الحياة، واستمرار الضغوط الاقتصادية، وأزمات الكهرباء والغذاء، تبقى الرسالة الأكثر حضوراً في الرأي العام أن المشكلة لم تعد في نقص الموارد، بل في إدارة هذه الموارد.

ويرى كثير من الليبيين أن استعادة الثقة لن تتحقق عبر الوعود، وإنما من خلال إصلاحات مؤسسية حقيقية، ومحاسبة عادلة، وسياسات تضع المواطن في صدارة أولويات الدولة، ليصبح النفط مصدراً للرخاء لا عنواناً لمفارقة مؤلمة بين ثراء الوطن وصعوبة الحياة اليومية، وليتحقق شعار: دولة تحمي المواطن لا منظومة تحمي الفساد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى