من “جمهورية الموز” إلى “مقبرة الضمير”.. كيف يحوّل الفاسدون النفط الليبي إلى سراب؟
غياب ليبيا عن مؤشر جودة الحياة.. وصمة عار جديدة تضاف إلى جبين حكومة الفساد
ليبيا 24:
غيابٌ يعكس انهياراً.. وصمة عار بالأرقام
في مشهد يعكس حجم المأساة، خلت قائمة مؤشر جودة الحياة لعام 2026 الصادرة عن “Numbeo” من اسم الدولة التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا.
بينما تصدرت جنوب أفريقيا القارة بـ 150.9 نقطة، تلتها تونس بـ 117.6 نقطة، والمغرب بـ 114.1 نقطة، ومصر بـ 81.9 نقطة، كان الغياب الليبي هو الخبر الأكثر دلالة.
فغياب ليبيا لا يعني حصولها على مرتبة متأخرة، بل يعني أن قاعدة البيانات لم تتوفر لديها معلومات كافية وموثوقة لإصدار تقييم شامل.
وهذه هي النكبة بعينها: دولة بترولية يفترض أن ينافس مواطنها المواطن الخليجي في مستواه المعيشي، لكنه يعيش وكأنه في أفقر دول العالم.
نكبة امتدت لأكثر من خمسين عاماً، وتوجت بمنظومة فساد متكاملة نهبت أكثر من تريليون دينار خلال سنوات قليلة دون أن تترك أثراً تنموياً واحداً.
بين رغيف الخبز وقصور الفساد
في مشهد لم تشهده ليبيا من قبل، ارتفع سعر قنطار الدقيق من 220 ديناراً إلى 270 ديناراً خلال يومين فقط، في ظل غياب تام لأي رقابة من وزارة الاقتصاد بحكومة الوحدة المنتهية ولايتها على أصحاب المطاحن والتجار.
هؤلاء التجار يتلقون اعتمادات من مصرف ليبيا المركزي لشراء القمح، لكن لا رقيب على استيراده وتوزيعه. والنتيجة؟ مواطن بسيط لم يعد قادراً على شراء رغيف الخبز، بينما تتراوح كلفة إنتاج القنطار بين 80 و140 ديناراً بحسب الاعتمادات الرسمية.
وفي الجانب الآخر، تظهر طبقة جديدة لم تعرفها ليبيا من قبل: طبقة تعيش في بذخ خيالي، تتردد على مطاعم خاصة ومصحات خاصة وشاليهات خاصة، وكأنها شعب بروحه. أموال بالملايين تأتي من الفساد والسرقة والواسطة، بلا تعب ولا ضمير.
بينما يقف المواطن البسيط بالساعات على طوابير الوقود، والمريض لا يجد دواء، والشاب يحلم بوظيفة محترمة وعيشة بكرامة.
قنبلة موقوتة على موائد الليبيين.. الموت البطيء
لكن الأكثر إثارة للرعب هو ما كشفته تحقيقات النائب العام مؤخراً: احتواء 65% من عينات المحاصيل الزراعية على مبيدات محظورة ومواد مسرطنة.
فالمبيدات والأسمدة الكيماوية المحظورة تدخل إلى ليبيا عن طريق التهريب عبر المنافذ البرية والصحراوية، ومعظمها منتهي الصلاحية ومشبوه المصدر.
وتستخدم بكثرة من قبل العمالة الوافدة في المزارع، لغرض وحيد: سرعة نضوج الإنتاج الزراعي من أجل الكسب المادي السريع.
وهذه ليست مجرد أزمة صحية عابرة، بل هي “قنبلة موقوتة” تضرب السلامة الغذائية والصحية والبيئية بصفة شاملة، وتهدد الأمن القومي، وتسبب في انتشار أمراض مزمنة خطيرة يطلق عليها الأطباء اسم “الموت البطيء”.
فمن الدقيق الأبيض المعالج بالبرومات، إلى محسنات الخبز، إلى الجبن المثلث، ومعجون الطماطم، وزيت الطهي، والمخللات في الفوارغ البلاستيكية، وخزازات الماء البلاستيكية، والأدوية المغشوشة، وشيبس الأطفال، والدجاج المعلب، والتونة الرخيصة، والتوابل المغشوشة، والخضروات والفواكه المرشوشة بالمبيدات والمحقونة بالإبر، وحتى أواني الطبخ المطلية بالجرانيت الرخيص التي تذوب طبقاتها مع الطبخ.
كل هذه المواد باتت تشكل خطراً داهماً على صحة الليبيين، في غياب تام للمختبرات المختصة للتحاليل الدقيقة، وضعف الرقابة على الأغذية بكافة المنافذ الحدودية والأسواق المحلية.
كهرباء تنقطع.. ووعود لا تنقطع
رغم المليارات التي أُنفقت على قطاع الكهرباء، ما زال المواطن يدفع الثمن يومياً. انقطاع متكرر للتيار، وحرارة مرتفعة، وتعطل للأعمال، ومعاناة تضاف إلى ضنك المعيشة.
ففي تونس المجاورة، يبلغ المواطن بمواعيد فصل الكهرباء عبر وسائل الإعلام، احتراماً لوقته وظروفه. أما في ليبيا، فقد أصبحت المعاناة تتكرر دون وضوح أو التزام بمواعيد ثابتة.
المواطن الليبي لا يريد وعوداً جديدة، بل يريد كهرباء مستقرة تليق بما أُنفق من أموال.
تدهور أمني في ظل انهيار معيشي.. جمهورية الموز بلا موز
في الجانب الآخر، يشهد الواقع الأمني تدهوراً ملحوظاً. فبعد مراحل لم يكن المواطن يشعر فيها بالأمان على أسرته من الخطف، أصبحت الحوادث اليوم تسيطر عليها تصفية حسابات بين مجموعات مسلحة.
سنوات أصبح فيها الأمن والأمان مطلباً يفوق كل المطالب، حتى إن كثيرين يرددون: “نريد أن نعيش في أمن، ولو على الخبز والماء”.
لكن كيف يشعر الليبي بالأمان وهو يرى صحته تُسرق ببطء عبر ما يأكل ويشرب؟ وكيف يطمئن على مستقبل أبنائه وهو يرى المليشيات تتغول والتعليم ينهار والخدمات تتداعى؟
ليبيا اليوم ليست سوى “جمهورية موز بامتياز”
دولة تملك أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، وشعبها يجلس في الظلام. دولة تبيع النفط بالدولار، ومواطنوها يصطفون للحصول على الدينار. دولة يتقاسمها ميليشيات متخندقة، وحكومة منتهية الولاية تتظاهر بالسيادة من فنادق خارجية.
في جمهوريات الموز الكلاسيكية، كان الجنرال يحكم بالدبابة. في ليبيا، المليشيات كثروا والسلاح تفشى، فتقاسموا الكعكة بالاتفاقيات الموقعة على طاولات خشبية في قصور مكيفة، بينما الشعب يتقاسم الخبز والظلام.
الفرق الوحيد؟ في جمهوريات الموز، الموز على الأقل كان حقيقياً. في ليبيا، الموز هو النفط، والنفط يتبخر قبل أن يصل للشعب.
دعوات للإصلاح.. من دعم التهريب إلى دعم المواطن
في خضم هذه المأساة، يطرح خبراء رؤية وطنية للتحول من دعم المحروقات والطاقة إلى الدعم النقدي المباشر للمواطن. فدعم المحروقات يلتهم نحو 40% من الموازنة العامة، ويهدر ما يعادل 33% من كامل حصة ليبيا من إنتاج النفط والغاز.
والأدهى أن هذا الدعم يذهب في الغالب إلى التهريب والمضاربة.
ويقترح هذا التصور تحويل 500 دينار شهرياً لكل مواطن، على أن تتم مراجعة القيمة كل ثلاثة أشهر وفق معادلة واضحة تعتمد على أسعار النفط ومعدلات التضخم، بهدف تحويل الدعم من أداة للهدر والتهريب إلى أداة للحماية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية.
خلاصة النكبة: ليست قلة موارد بل كثرة فاسدين
إن ليبيا لم يسرقها شخص واحد، ولم تصل إلى ما وصلت إليه بسبب مسؤول بعينه. بل أرهقتها منظومة فساد متكاملة تحميها مليشيات تمددت في مفاصل الدولة، حتى أصبح المواطن البسيط هو من يدفع الثمن يومياً من معيشته وكرامته ومستقبل أبنائه.
المؤلم أن ليبيا ليست دولة فقيرة، بل دولة حباها الله بالثروات والإمكانات. لكن سوء الإدارة والفساد والمحسوبية والصراعات على المناصب جعلت المواطن يعيش أزمات لا تليق بوطن بهذه الإمكانيات.
إن أكبر ضحية لهذه المنظومة هو المواطن الليبي الذي أصبح يدفع فاتورة الفساد من راتبه ومدخراته وصحته وتعليم أبنائه. ليبيا لا تحتاج إلى المزيد من الشعارات والخطب، بل تحتاج إلى دولة قانون ومؤسسات، ومحاسبة لكل من عبث بالمال العام، وإدارة وطنية تضع مصلحة الشعب فوق المصالح الشخصية والفئوية.
فالوطن لم تُنهكه قلة الموارد، بل أنهكته كثرة الفاسدين وسوء الإدارة وغياب المساءلة.



