الخطاب المضلل ومسؤولية بناء الدولة في ليبيا
ليبيا 24- إدريس احميد:
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي اليوم من أهم الأدوات المؤثرة في تشكيل الرأي العام، فهي لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت مساحة لصناعة المواقف والتأثير في وعي المجتمع.
لكن يبقى السؤال المهم: هل ما يُنشر عبر هذه المنصات يعكس حقيقة الواقع، أم أنه يعبر في كثير من الأحيان عن توجهات ومواقف أصحاب الصفحات والمدونين؟
إن التواصل الاجتماعي يفترض أن يكون وسيلة لتعزيز الحوار، ونشر المعرفة، وتقريب وجهات النظر، وليس أداة لنشر الشائعات، أو تعميق الانقسام، أو تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات شخصية تؤثر على تماسك المجتمع.
ولو أسقطنا واقعنا الليبي على ما يحدث في وسائل التواصل الاجتماعي، سنجد أن بعض الخطابات ساهمت في تكريس حالة من الاستقطاب، من خلال تقديم صورة مجتزأة للواقع، أو إنكار بعض الحقائق، أو تضخيم الخلافات، وهو ما انعكس سلبًا على وعي المواطن وعلى إمكانية الوصول إلى رؤية وطنية مشتركة.
وإذا أخذنا ملف الأمن والاستقرار نموذجًا، فإن ليبيا عاشت خلال السنوات الماضية ظروفًا صعبة تمثلت في انتشار الجماعات المتشددة، ووجود جماعات مسلحة ومعارضات أجنبية في بعض المناطق، وسيطرة تلك القوى على مدن ومواقع استراتيجية، وهو ما شكل تهديدًا مباشرًا لأمن المواطنين ووحدة الدولة وثرواتها.
ويرى كثيرون أن العمليات التي قادتها القيادة العامة كان لها دور في مواجهة تلك الجماعات واستعادة السيطرة على مناطق واسعة، وتحقيق قدر من الاستقرار الأمني في مناطق كانت تعاني من الفوضى والانفلات.
ويبقى السؤال:
هل تقدم بعض الصفحات والمدونين الحقيقة كاملة عندما تنكر ما تحقق في الملف الأمني؟ وهل تعبر بالفعل عن رأي الشارع الليبي بكل مكوناته، أم أنها تعكس جزءًا من المشهد فقط؟
فالمواطن الذي عاش سنوات من الخوف وانعدام الأمن يدرك قيمة الاستقرار، وينظر إلى هذا الملف من خلال تجربته اليومية، في حين أن مواطنين في مناطق أخرى ما زالوا يعانون من الفوضى وضعف الخدمات وتأخر التنمية، ويتطلعون إلى أن يصل إليهم الأمن والاستقرار.
إن الرأي العام الحقيقي لا يُقاس فقط بما يظهر على صفحات التواصل الاجتماعي، بل بما يعيشه المواطنون على أرض الواقع، وبما يمثل مصالحهم الأساسية: الأمن، والاستقرار، وتحسين الخدمات، وبناء مؤسسات الدولة.
ومن هنا، فإن السؤال الأهم هو: هل نقدم خطابًا يخدم مصلحة الوطن، أم نساهم في نشر خطابات مضللة تضعف المجتمع وتفتح المجال أمام التدخلات الخارجية؟
فالدول التي تعاني من الانقسام والضعف تكون أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية، وتفقد قدرتها على بناء مؤسسات قوية واتخاذ قراراتها وفق مصالحها الوطنية. ولذلك فإن مسؤولية الإعلام والنخب والمواطنين تكمن في تقديم خطاب واعٍ ومسؤول، يضع مصلحة ليبيا فوق الحسابات الضيقة.
فالمصلحة الوطنية تقتضي أن نميز بين النقد الذي يهدف إلى الإصلاح وتصحيح المسار، وبين الخطابات التي تقوم على التشويه والتضليل وزيادة الانقسام، لأن الفرق كبير بين من يختلف من أجل بناء الدولة، ومن يستخدم الخلافات لإضعافها وإبقاء حالة الفوضى.
فالدولة لا تُبنى بإخفاء الأخطاء أو تبريرها، كما لا تُبنى بهدم كل ما تحقق أو إنكار أي إنجاز، وإنما تُبنى بالوعي، والمصارحة، والقدرة على قراءة الواقع كما هو، والعمل على معالجة المشكلات بروح وطنية مسؤولة.
لقد دفعت ليبيا ثمنًا باهظًا نتيجة سنوات الانقسام والصراع، ولم يعد الوطن يحتمل المزيد من الخطابات التي تعيد إنتاج الأزمات أو تجعل من الخلافات الشخصية والسياسية سببًا لتعطيل بناء الدولة.
إن المرحلة الراهنة تحتاج إلى خطاب واقعي يشخص الواقع، وينهي الشخصنة، ويبتعد عن المصالح الضيقة التي أرهقت البلاد، خطاب يعترف بالإنجازات ويقرّ بالإخفاقات، ويضع مصلحة المواطن الليبي ومستقبل الوطن فوق كل اعتبار.
فالأوطان لا تُبنى بالشعارات ولا بالصراعات الإعلامية، وإنما بالصدق، واحترام الحقيقة، والنقد المسؤول، والعمل المشترك من أجل دولة آمنة ومستقرة وقادرة على تحقيق تطلعات جميع الليبيين.



