دوامة الفراغ في ليبيا.. حكومة الدبيبة تفقد بوصلتها وسط انهيار الخدمات واتساع رقعة المعارضة
من الكهرباء إلى الغذاء والدواء.. ليبيا تغرق في أزمات متفاقمة والفشل يطال كل القطاعات
ليبيا 24:
حكومة الدبيبة تفقد حلفاءها وتواجه انهيارًا سياسيًا مع اتساع رقعة الغضب الشعبي
في مشهد يعكس تنامي حالة الإحباط والغضب في الشارع الليبي، تتسع رقعة الانتقادات الموجهة لحكومة عبد الحميد الدبيبة، التي لم تعد تواجه فقط معارضة خصومها التقليديين، بل بدأت تشهد تآكلاً متسارعاً في قاعدة داعميها.
ففي الوقت الذي يتخبط فيه المواطن الليبي بين أزمات الكهرباء والوقود والسيولة وارتفاع الأسعار، يخرج قادة الرأي والمسؤولون السابقون والحاليون بتصريحات ترسم صورة قاتمة لحكومة باتت توصف بأنها “تدير اليوم بيومه”، دون رؤية استراتيجية أو قدرة على استشراف المخاطر المحدقة بالبلاد.
انزياح الحلفاء.. ركائز السلطة تهتز
لم يعد الحديث عن أزمة حكومة الدبيبة مقتصراً على أروقة مجلس النواب أو أوساط المعارضة التقليدية، بل امتد ليشمل دوائر كانت حتى الأمس القريب تعد ضمن خيمتها السياسية.
فقد أكد عضو مجلس النواب، عبد المنعم العرفي، أن حالة الرفض لبقاء الحكومة قد اتسع نطاقها بشكل لافت، مشدداً في تصريح لتلفزيون المسار على أن “حالة الرفض لبقاء حكومة الدبيبة امتدت لتشمل حتى الأطراف المتحالفة معها”، في إشارة إلى انزياح كتل سياسية ومكونات اجتماعية كانت تشكل غطاءً لاستمرارها.
وفي تصعيد لافت، كشف العرفي عن أن التشكيلات المسلحة التي كانت تمثل الذراع الضاربة للدبيبة بدأت بدورها في الانسحاب من المشهد، بقوله إن “التشكيلات المسلحة الداعمة لعبد الحميد الدبيبة تخلت عنه”، مما ينذر بتحولات عميقة في ميزان القوى على الأرض.
ويأتي هذا التحذير متسقاً مع تحليل أشرف بودوارة، عضو الحوار المهيكل، الذي رأى أن الحكومة تواجه انتقادات متصاعدة لأنها عجزت عن تحقيق الهدف الأساسي الذي نالت الثقة من أجله.
وقال بودوارة، في تصريح تلفزيوني، إن “استمرار أي حكومة انتقالية لفترة أطول من اللازم يفاقم تعقيدات المشهد السياسي، ويسهم في تراجع مستوى الثقة الشعبية بالمؤسسات”.
وخلص إلى تشخيص قاتم للواقع الليبي الراهن، موضحاً أن “ليبيا تعيش حالة من الانسداد السياسي والمؤسسي نتيجة سنوات طويلة من الانقسام وازدواجية المؤسسات، إلى جانب تعثر تنفيذ الاستحقاقات السياسية”.
الكهرباء.. عنوان الفشل والتنصل من المسؤولية
في خضم هذه العواصف السياسية، تبقى أزمة الكهرباء هي التجسيد الأكثر إيلاماً لفشل الإدارة الحكومية. المواطن الذي يقضي ساعات طويلة في الظلام، ويعاني المرضى وكبار السن والأطفال من آثار انقطاع التيار، لم يعد يكفيه سماع الاتهامات المتبادلة.
وقد رصد المستشار والناشط الحقوقي، هشام الحاراتي، هذا الواقع المرير بقوله: “الدول لا تدار بالمجاملات، ولا بتدوير الأشخاص بين الملفات الحساسة، بل بالكفاءة والخبرة وتحمل المسؤولية، أما الاستمرار في النهج ذاته مع انتظار نتائج مختلفة، فلن يقود إلا إلى مزيد من التدهور، وستكون فاتورة هذا العبث من جيب المواطن وصحته ومستقبل أبنائه”.
وعندما حاول الدبيبة إلقاء اللوم على إدارة الشركة العامة للكهرباء، واجه موجة من الانتقادات التي فضحت ما وصفه المحللون بالتنصل من المسؤولية.
فقد ذكره المدون طه حديد بحقيقة أن الإدارة الحالية هي من كلفها بنفسه قبل أربع سنوات، قائلاً: “المسؤولية ‘بكج’ كامل لا تتجزأ، بنجاحها وفشلها، بحلوها ومرها، أما من يتصدر المشهد عند الإنجاز وينسب الفضل لنفسه، ثم يتنصل من المسؤولية عند الإخفاق أو الفشل ويُلقي اللوم على غيره، فهذا يُجرّده من مصداقيته ويُفقده احترام من حوله”.
أما عضو مجلس الدولة، سعد بن شرادة، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن التنصل غير مقبول قانونياً وسياسياً، لأن رئيس الحكومة يشغل بحكم منصبه رئيس الجمعية العمومية للشركة، وبالتالي فإن المسؤولية السياسية والإدارية قائمة ولا يمكن فصلها عما يحدث.
وتساءل بن شرادة عن جدوى مليارات الدنانير التي صُرفت على قطاع الكهرباء دون أن يلمس المواطن أثرها، مؤكداً أن المساءلة والشفافية ليستا خياراً بل واجباً تجاه الشعب.
وكشف بن شرادة عن واقعة خطيرة، حين أشار إلى تعميم سابق صدر عن رئيس الحكومة يقضي بعدم تعامل الجهات مع الأجهزة الرقابية إلا بعد الحصول على إذنه، في إجراء اعتبره المراقبون تكريساً لثقافة الإفلات من العقاب.
في السياق ذاته، سخر وكيل وزارة الخارجية الأسبق حسن الصغير من محاولات الدبيبة تحميل إدارة الكهرباء وحدها المسؤولية، كاشفاً عن رسالة تحذيرية من نقص الوقود يعود تاريخها إلى يونيو الماضي، لم تر النور إلا مؤخراً.
وطرح الصغير تفسيرين لهذا التأخير: الأول أن الرسالة طُبعت اليوم ووُضع لها تاريخ قديم في محاولة لتبرير الفشل، والثاني أنها سُربت الآن من قبل الإدارة الحالية التي تشعر بقرب إقالتها، فهرعت لمحاولة يائسة للبقاء على ما وصفه بـ”عرش الفساد والفشل”.
أزمات متراكمة.. من الغذاء إلى الصحة إلى حقوق المهمشين
لا تقف حدود الفشل عند الكهرباء، فالمواطن كما وصف المستشار في الأمن القومي، فيصل بوالرايقة، “ينتقل من أزمة إلى أخرى”.
وعدد بوالرايقة عشر أزمات متفاقمة تشمل الكهرباء والبنزين والسيولة وسعر الدينار وارتفاع الأسعار والصحة والدواء والمياه والصرف الصحي والحمى القلاعية والكتاب المدرسي، متسائلاً باستغراب: “كيف تعاني ليبيا، وهي بلد نفطي، من كل هذه الأزمات في آن واحد؟”.
وانتقد بوالرايقة ما سماه “أسلوب حكم يعيش يومه فقط.. لا يقرأ ما سيحدث بعد شهر، ولا يربط الكهرباء بالمياه والمستشفيات، ولا يربط الحمى القلاعية بالأمن الغذائي، ولا يفهم أن السيولة وسعر الدينار والأسعار ملف واحد”.
وشدد على أن المواطن يدفع ثمن قرارات متأخرة، ومؤسسات تعمل منفصلة، ومسؤولين يتحدثون عن الفساد وكأنهم يشاهدونه من خارج الدولة، في حين أن تقارير الرقابة موجودة والملفات معروفة والأرقام منشورة، لكن ما ينقص هو الجرأة على فتحها وتحديد المسؤوليات.
وعلى صعيد الأمن الغذائي، حذر الباحث السياسي إدريس أحميد من أن الأمن الغذائي في ليبيا يرتبط ارتباطاً مباشراً بالأمن المائي، وأن استنزاف المياه الجوفية أو التوسع في زراعات غير مدروسة يمثل تهديداً لا يقل خطورة عن نقص الغذاء نفسه.
وذكر أحميد أن ضعف الإرشاد الزراعي وتراجع الخدمات المقدمة للمزارعين والانقطاعات المتكررة للكهرباء التي تؤثر على تشغيل الآبار وأنظمة الري، كلها عوامل تنعكس سلباً على الإنتاج الزراعي.
وأشاد بالجهود التي يبذلها النائب العام في متابعة ملف المبيدات المحظورة، لكنه شدد على ضرورة أن تتكامل هذه الجهود مع دور الأجهزة الرقابية والوزارات المعنية لتتحول الرقابة إلى منظومة مستمرة.
أما على الصعيد الاجتماعي، فقد برزت معاناة شريحة ذوي الإعاقة كوجه آخر من وجوه التهميش الحكومي. فقد اتهم رئيس مؤسسة همم لذوي الإعاقة، صلاح كحيل، حكومة الدبيبة بتهميش ممنهج، بعد إعلان وزير ماليتها أن زيادة المعاشات الأساسية غير متاحة حالياً.
وقال كحيل إن استمرار تجاهل مطالب هذه الشريحة بزيادة المعاش الأساسي من 650 ديناراً في ظل الغلاء الحالي يعد “تهميشاً ممنهجاً يسحق كرامتهم”، داعياً رئيس الحكومة إلى التحرك الفوري لمعالجة هذه المسألة، ومشدداً على أن “كرامة الدولة تقاس برعاية أضعف أبنائها لا بتهميشهم”.
المشهد الأمني والهجرة.. سياسات ترتهن للخارج
على الصعيد الأمني، لم تكن الصورة أقل قتامة. ففي وصف للمشهد في مدينة الزاوية، الذي قدمته الإعلامية والباحثة ريم البركي، يبدو التناقض صارخاً بين حيوية الشوارع والأنشطة التجارية المستمرة حتى وقت متأخر، ومسلسل الاغتيالات والقتل اليومي. وتساءلت: “كيف ممكن تهدأ عشان أهلها يرتاحوا؟”.
أما في ملف الهجرة، فكان للباحثة البركي تعليق لاذع على تعامل الدبيبة مع أوروبا، حين سخرت من استعداد الحكومة لأن “نُصبح كِلاب حِراسة” مقابل الاستمرار في المقاعد التي دفعت أثمانها خلال ملتقى الحوار السياسي.
وحذرت من تحول المدن الليبية إلى مناطق مكدسة بمهاجرين غير شرعيين لا يحملون أوراقاً ثبوتية ولا شهادات صحية، ولا تُعرف صحائفهم الجنائية في بلدانهم الأصلية.
هذا النقد اللاذع للسياسات الحكومية وجد طريقه للتعبير حتى في تحليل الخطاب الشخصي للدبيبة، حيث رأت البركي أن الإنسان حين يرتجل الكلام لا يستعير لساناً من أحد، وإنما يستدعي معجمه اللغوي الذي راكمه طوال حياته.
واعتبرت أن الدبيبة حين حاول التحدث بعفوية، بعيداً عن النصوص التي تلقن له، انكشف رصيده اللغوي الحقيقي، وأظهر ما اختزنته سنوات دراسته في كندا من ألفاظ رأت أنها “يعفّ عن ترديدها حتى أبناء الطرقات أمام أسرهم”.
في مواجهة الجمود.. تقارب عسكري مالي ومبادرة سياسية
في مقابل هذا المشهد القاتم، تلوح في الأفق تحركات إقليمية ودولية تحاول إنعاش العملية السياسية. فقد كشف المحلل السياسي إدريس أحميد عن أن المبادرة التي يقودها مسعد بولس لا تزال متواصلة، وتحتاج إلى بعض الوقت قبل طرحها بشكلها النهائي، نظراً لما تتطلبه من مشاورات وتنسيق بين الأطراف المحلية والدول المعنية.
وأوضح أحميد أن المبادرة نجحت في جمع أهم طرفين في المعادلة السياسية الليبية، وهو ما يمنحها فرصة لتحقيق تقدم إذا ما استمرت حالة التوافق الإقليمي والدولي الداعمة لها، لكنه حذر من وجود أطراف لا ترغب في التوصل إلى أي حل إلا إذا كانت جزءاً منه، معتبراً أن هذه الأصوات الرافضة تمثل أحد عوامل تعطيل العملية السياسية.
ورأى أحميد أن أي تقدم في المسار السياسي من شأنه أن يفتح الباب أمام تسوية بقية القضايا العالقة، وفي مقدمتها توحيد المؤسسة العسكرية وإنهاء حالة الانقسام. وهذا ما أشار إليه أيضاً سفير ليبيا الأسبق لدى أوكرانيا، عادل عيسى، الذي تحدث عن مؤشرات على تقارب مؤسسي في المسارين المالي والعسكري خلال الفترة الماضية، بما يعزز فرص إنهاء الانقسام.
لكن عيسى حذر في الوقت نفسه من أن بوادر التقارب السياسي ما إن تلوح في الأفق، حتى تظهر تحركات ميدانية وإعلامية تحاول خلط الأوراق، متسائلاً عن توقيت نشاط ما تُعرف بـ”غرفة تحرير الجنوب” بالتزامن مع كل خطوة باتجاه الانفتاح السياسي.
وخلص إلى أن بعض الأطراف لا ترى في الاستقرار مصلحة لها، لأن أي تسوية سياسية شاملة قد تعني تراجع نفوذها، أو خروجها من المشهد، أو فتح ملفات المساءلة القانونية التي ظلت مؤجلة لسنوات.
في عمق الأزمة.. غياب الكفاءة وانعدام الرؤية
في خضم هذا الجدل، يبرز تحليل عضو مجلس النواب جاب الله الشيباني الذي استنكر تهرب الدبيبة من مسؤولية تدهور الكهرباء، معتبراً أن القائد الشجاع هو الذي يحمي مرؤوسيه ويتحمل المسؤولية عند الأخطاء، لا أن يتنصل منهم في لحظة العسرة.
وحمل الشيباني الحكومة مسؤولية اقتحام المصرف المركزي وعدم احترام أحكام القضاء، في إشارة إلى تراكم الانتهاكات المؤسسية.
ووسط هذا المشهد المتشابك، يقف المواطن الليبي، كما تصفه ريم البركي، عاجزاً حتى عن الإضراب العام، في صورة تعكس حالة من العجز المزمن: “محتاجة نفهم كيف شعب كامل عايش بدون كهرباء ويشوف في ملياراته تهدر على الطبقة الحاكمة وحاشيتها ومش قادر حتي يدير إضراب عام”.
وتضيف في صورة بالغة القسوة: “يقرر أنه في الصبح ما يطلعش من حوشه لأنه ما عندش اميه يدوش بيها ومش راقد كويس من الذبان والنموس والرطوبة ومافيش ضي يولع بيه الحدادة بيش يحدد دبشه المكرمش”.
في نهاية هذا المسح للمشهد الليبي، تبدو صورة حكومة أنهكتها أزماتها وأزمات من تحكمهم، تقف على أرضية سياسية متصدعة، بينما يدفع المواطن فاتورة الفشل المتكرر من صحته وقوته وكرامته.
ويبقى السؤال المعلق: هل تصمد هذه الحكومة في وجه عاصفة الرفض المتصاعدة، أم أن انزياح الحلفاء وتخلي التشكيلات المسلحة عنها يمثل بداية النهاية لمرحلة سياسية لم تحقق شيئاً من وعودها سوى مزيد من التدهور والانسداد؟



