ليبيا

استئناف الربط الكهربائي ينهي ظلام ليبيا ويعيد تشغيل الشبكة المنهارة

انهيار شبكة الكهرباء يدفع ليبيا للربط مع مصر

ليبيا 24

القاهرة وطرابلس تتفقان على جدولة ديون الكهرباء.

في خطوة عاجلة تعكس عمق التكامل الإقليمي في ملف الطاقة، استأنفت جمهورية مصر العربية ضخ التيار الكهربائي إلى شبكة ليبيا الوطنية، بقدرة أولية بلغت 70 ميغاواط، بعد ساعات من انهيار كامل للشبكة تسبب في شلل مرافق حيوية وعودة المشهد الليبي إلى دوامة انقطاع الكهرباء التي طالما عصفت بالاقتصاد الوطني وأرهقت المواطن.

وتأتي هذه الخطوة عقب تسوية مالية جزئية بين الحكومتين، حيث سدد الجانب الليبي نحو 100 مليون دولار من مستحقات واردات الكهرباء المصرية المتراكمة منذ العام 2023، والتي كانت قد توقفت على خلفية الخلافات المالية، في تطور يراه مراقبون مؤشراً على تجاوز العقبات التمويلية التي كانت تعترض طريق التعاون الثنائي، وسط رهان ليبي على الاستقرار الإقليمي لتأمين احتياجات البلاد من الطاقة.

استئناف الربط الكهربائي.. شريان حياة يعيد الأمل

وفقاً لمسؤول حكومي رفيع المستوى فضل عدم نشر اسمه، فإن الطرفين توصلا إلى تفاهم جديد يتضمن جدولاً زمنياً صارماً لتسوية المتأخرات المالية، على أن يتم سداد 41 مليون دولار المتبقية من إجمالي المديونية البالغة 141 مليون دولار قبل نهاية عام 2026، وهو ما من شأنه أن يضمن استمرار تدفق التيار الكهربائي من الجانب المصري، مع إمكانية زيادة الكميات المصدرة تدريجياً وفق احتياجات الشبكة الليبية.

هذا الاتفاق المالي لم يأت من فراغ، بل جاء في توقيت بالغ الحساسية، تزامناً مع أزمة طاحنة عصفت بمنظومة الطاقة الليبية، حيث تعرضت الشبكة الكهربائية الوطنية لانهيار واسع النطاق إثر خروج عدد من محطات التوليد وخطوط النقل الرئيسية عن الخدمة، الأمر الذي أدى إلى فقدان نحو 1350 ميغاواط من القدرة الإنتاجية، وترك معظم أنحاء البلاد في ظلام دامس، وعطل حركة الإنتاج في القطاعات النفطية والصناعية، كما أثر على تدفق المياه إلى المدن الكبرى.

خبراء: الربط المصري أنقذ الموقف ومنع كارثة إقليمية

في هذا السياق، أوضح المتحدث الرسمي باسم وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة الليبية، ربيع خليفة، أن بلاده استعانت فوراً بخط الربط الكهربائي الممتد مع مصر لتوفير الطاقة اللازمة لعملية إعادة تشغيل الشبكة، مشيراً إلى أن هذا الخط لعب دوراً محورياً في تجاوز المرحلة الحرجة، وهو ما يؤكد الأهمية الاستراتيجية لهذه المنشآت المشتركة التي تربط بين الدولتين.

ويمثل خط الربط الكهربائي بين مصر وليبيا أحد أبرز معالم التكامل العربي في مجال الطاقة، وقد أثبتت الأيام الأخيرة أنه ليس مجرد كابلات لنقل الكهرباء، بل هو شريان حياة يحمي الأمن القومي الليبي من تداعيات الانهيارات الفنية التي تطال منظومة التوليد الداخلية، والتي غالباً ما تكون ضحية الصراعات السياسية وتقادم البنية التحتية ونقص الوقود المخصص للمحطات.

القاهرة تعزز مكانتها الإقليمية.. وليبيا في قلب الاستراتيجية

من زاوية اقتصادية أوسع، تسعى مصر اليوم إلى تعزيز صادراتها من الكهرباء باعتبارها أحد المصادر الحيوية للإيرادات الدولارية، في إطار خطة طموحة للتحول إلى مركز إقليمي لتبادل الطاقة يربط بين ضفتي البحر المتوسط وأعماق القارة الإفريقية والمشرق العربي، ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على التعاون مع ليبيا فحسب، بل تمتد إلى مشروعات عملاقة.

فإلى جانب خط الربط مع الغرب، تنفذ القاهرة حالياً مشروع الربط الكهربائي مع المملكة العربية السعودية بقدرة هائلة تصل إلى 3000 ميغاواط، إلى جانب خطط طموحة للربط مع اليونان وقبرص بهدف نقل الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة إلى الأسواق الأوروبية، فضلاً عن مشروع كابل بحري جديد مع الأردن يتيح مستقبلاً تصدير الكهرباء إلى العراق وسوريا ولبنان، بالتوازي مع تعزيز قدرات خطوط الربط القائمة مع ليبيا والسودان والأردن.

استثمارات ضخمة تدعم الطموحات المصرية

وتكشف المعطيات الرقمية عن حجم الإنفاق المصري الهائل في هذا القطاع، حيث استثمرت القاهرة خلال العقد الماضي نحو 965 مليار جنيه مصري في مشروعات إنتاج الكهرباء ونقلها وتوزيعها، ما رفع القدرات المركبة إلى نحو 60 ألف ميغاواط، مقابل أحمال قصوى تبلغ حوالي 40 ألف ميغاواط خلال ذروة الصيف، مما يولد فائضاً إنتاجياً كبيراً يدعم خطط التصدير ومشروعات الربط الإقليمي، ويعطي مصر مرونة واسعة في التعامل مع احتياجات جيرانها دون المساس بشبكتها الداخلية.

قراءة تحليلية: شراكة لا غنى عنها

ويمثل هذا التطور نقطة تحول مفصلية في ملف الطاقة، فاستمرار تدفق الكهرباء من مصر لا يقتصر على تأمير الإنارة للمواطن الليبي فحسب، بل هو عنصر أساسي لاستمرار عجلة الإنتاج النفطي الذي يمثل عصب الاقتصاد الوطني، كما أنه يساهم في تخفيف الضغط على ليبيا لتوفير الوقود اللازم لمحطات التوليد الداخلية التي تعاني من تهريب المشتقات النفطية وتراجع الصيانة الدورية.

وتشير الدلائل إلى أن الحكومتين عازمتان على إضفاء الطابع المؤسسي على هذه العلاقة، خصوصاً مع الاتفاق على جدولة الدين المتبقي الذي يقترب من 41 مليون دولار، وهي خطوة من شأنها أن تعزز ثقة الأسواق المالية الدولية بقدرة ليبيا على الوفاء بالتزاماتها المالية، وتفتح الباب أمام تعاون أوسع يشمل مشروعات صيانة الشبكة الداخلية وإعادة تأهيل المحطات القديمة.

لكن الجانب الأمني يبقى حاضراً بقوة في هذا المشهد، فاستقرار الشبكة الكهربائية الليبية وارتباطها بالشبكة المصرية يضعان ملف حماية البنية التحتية على رأس أولويات الأجهزة المعنية في كلا البلدين، خاصة مع وجود تهديدات محتملة من الجماعات المسلحة التي قد تستهدف خطوط النقل، وهو ما يستوجب تنسيقاً أمنياً عالياً لتأمين هذا الممر الحيوي الذي بات يربط بين الأمن الطاقي والاستقرار الاجتماعي في ليبيا.

في النهاية، يبقى السؤال الأهم الذي تطرحه هذه الأزمة: هل تنجح إرادة التعاون المشترك في ترسيخ نموذج إقليمي للتعاون الطاقي قادر على تجاوز الأزمات المالية والفنية، أم تبقى هذه العلاقة رهينة للتقلبات السياسية والمناوشات الأمنية؟

المؤشرات الحالية توحي بالتفاؤل، خاصة مع التزام الجانب المصري بتزويد ليبيا بالطاقة اللازمة لإعادة بناء شبكتها المنهارة، والتزام الطرف الليبي بدفع مستحقاته المالية وفق جدول زمني واضح، مما يبشر بعهد جديد من التكامل الاقتصادي الذي تحتاجه المنطقة بأسرها في ظل التحديات المناخية والاقتصادية المتصاعدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى