انهيار هيبة الدولة في مشهد عبثي.. أسد على شاطئ تاجوراء يفضح زمن الميليشيات ويُسائل حكومة الدبيبة المنتهية الولاية
من يجرؤ على ردع الخارجين عن القانون؟ استعراض الأسود على الرمال يكشف تغول الفوضى وانسحاب السلطة من المشهد الليبي
ليبيا 24
أسد على الرمال.. والهيبة تحت الماء: حين تكشف لحظة عبثية هشاشة الدولة الليبية
لم يكن المصطافون على أحد شواطئ تاجوراء بحاجة إلى مشهد سينمائي ليدركوا أن بلادهم تعيش حالة استثنائية من الانفلات، لكن القدر أرسل إليهم أسداً حقيقياً يسبح في مياه المتوسط ليختصر القصة بأكملها. في مشهد يصلح أن يكون استعارة بصرية قاسية عن واقع ليبيا، أقدم شاب على اقتياد حيوان مفترس إلى شاطئ عام مكتظ بالعائلات والأطفال، متحدياً المنطق والقانون وكل ما تبقى من هيبة سلطة غائبة، وكأنه يعلن للعالم أن زمن “اللي عاوز يعمل حاجة بيعملها” قد بلغ ذروته.
تفاصيل المشهد الذي هزّ الشارع الليبي
قبل أن يلتفت رواد الشاطئ إلى الجانب، كان صوت الأمواج ونسيم البحر يغلفان المكان بهدوئه المعتاد. فجأة، تحول الهدوء إلى ذهول جماعي حين ظهر شاب ليبي يتجول برفقة أسد ضخم على الرمال الذهبية. لم يكتفِ الشاب بالسير بالحيوان المفترس بين الجالسين، بل أخذ يلاعبه ويداعبه قبل أن يسحبه بجرأة مذهلة إلى داخل المياه، ليمارسا السباحة معاً على مرأى من مصطافين تجمدت الدماء في عروقهم.
المقطع الذي جرى تداوله على نطاق واسع وثق تلك اللحظات بالكامل: الأسد يبدو هادئاً ومستسلماً، لكن وجود دراجات مائية وعائلات على بعد أمتار قليلة حوّل المشهد من غرائبي إلى مرعب. الهدوء الظاهر للحيوان لم يخدع أحداً، فالغريزة لا تستأذن قبل الانقضاض.
انفجار الغضب على منصات التواصل: “استهتار بالأرواح”
بمجرد انتشار اللقطات، اشتعلت المنصات الرقمية بموجة غضب عارمة. كتب أحد الناشطين تعليقاً لخص فيه الإحباط العام: “لو كان هناك قانون، لن يتجرأ أحد على تربية أسد في المنزل أو التجول به في الأماكن العامة وتهديد حياة الناس”. وتابعت ناشطة أخرى بسؤال حاد: “وين الدولة؟ وين الأمن؟ احنا في غابة ولا في بلد فيها سيادة؟”
وحذر مواطنون من العواقب الكارثية التي كانت تنتظر الجميع لو أن الأسد استشعر تهديداً أو انزعج من ضوضاء المكان. وكتب أحدهم: “لو يفلت الأسد بشكل مفاجئ ويقرر مهاجمة الناس، لن يتمكن أحد من الإمساك به وقد يتسبب في مذبحة. هذا استهتار بالأرواح والمفروض سجن صاحبه”. السؤال الذي تكرر كان موجعاً في بساطته: أين الجهات الأمنية التي من المفترض أن تراقب الشواطئ وتحمي المصطافين؟
قانون على ورق.. ودولة غائبة عن المشهد
المثير للسخرية والألم في آنٍ واحد أن القوانين الليبية واضحة وصارمة في هذا الشأن. فهناك نصوص تحظر تماماً احتفاظ الأفراد بالحيوانات المفترسة أو تربيتها في المنازل والمزارع الخاصة، وتمنع استيرادها أو إدخالها إلى البلاد. لكن القانون بقي حبراً على ورق في بلد لم تعد فيه المؤسسات قادرة على فرض هيبتها، أو ربما لم تعد موجودة أصلاً.
تلك الواقعة لم تكن معزولة، إذ تكررت في الأعوام الأخيرة مشاهد تجول مواطنين بالأسود والنمور في الشوارع والأماكن العامة وكأنها حيوانات أليفة. وهو ما يعكس تحولاً خطيراً في العقلية الجمعية، حيث تحول “حب الاستعراض” الرقمي وجذب المشاهدات إلى محرك أساسي لسلوكيات تنم عن استهتار كامل بسلامة المجتمع.
فين الدبيبة وحكومته منتهية الولاية؟
هنا يتجه البوصلة نحو قلب الأزمة السياسية الليبية. في خضم هذا الانفلات، يعلو صوت الساخطين بسؤال بات يتردد في كل شارع وبيت: أين عبد الحميد الدبيبة وحكومته التي يصفها الليبيون بأنها “منتهية الولاية”؟ حكومة فقدت شرعيتها الانتخابية، وتتشبث بالسلطة في غياب أي تفويض شعبي، وتقف عاجزة تماماً أمام تغول الميليشيات المسلحة التي تمسك بمفاصل الدولة وتفرض إيقاعها الخاص.
يقول أحد نشطاء المجتمع المدني في تعليق متداول: “الدبيبة مشغول بتثبيت نفسه في المشهد السياسي، والميليشيات مشغولة بتقاسم الكعكة، والنتيجة أن المواطن يعيش في غابة حقيقية. الأسد اللي على الشاطئ مجرد رمز للفوضى اللي حلت محل الدولة”.
تغول الميليشيات.. وأد القانون وسيادة “الغابة”
لم يعد خافياً أن الميليشيات المسلحة تحولت إلى الحاكم الفعلي في ليبيا، تفرض واقعاً موازياً تتراجع أمامه كل مظاهر السيادة. هذه الميليشيات لا تكتفي بتهريب السلاح والبشر والنفط، بل باتت جزءاً من اقتصاد الفوضى الذي يشمل أيضاً تجارة الحيوانات المفترسة النادرة التي يستعرض بها المتنفذون قوتهم ونفوذهم.
وعندما يخرج شاب بأسد إلى شاطئ عام دون أن يحرك ذلك ساكناً لدى الأجهزة الأمنية، فهذا يعني أن القانون قد وأد بالكامل، وأن الهيبة انتقلت من مؤسسات الدولة إلى الأفراد الذين يمتلكون المال أو السلاح أو العلاقات. “اللي عاوز يعمل حاجة بيعملها”، أصبحت قاعدة الحياة اليومية في ليبيا، حيث تحل “شريعة الغاب” محل التشريعات المدنية.
من الاستعراض إلى الخطر الداهم: ثقافة الإفلات من العقاب
يرى مراقبون أن تنامي ظاهرة تربية المفترسات والتجول بها لا يمكن فصله عن ثقافة الإفلات من العقاب التي تغذيها سنوات من الصراع والانقسام. فحين يشعر الفرد بأن لا رقيب عليه ولا حسيب، تتحول الأماكن العامة إلى ساحات لاستعراض القوة وتحدي المجتمع. ومن أخطر تجليات هذه الثقافة أن الخطر لا يهدد فقط من يتواجدون قرب الأسد على الشاطئ، بل يمتد ليشمل الأحياء السكنية التي باتت ملاذاً لهذه الحيوانات خلف أسوار المنازل، في ظل غياب تام للرقابة الصحية والبيئية.
مطالب الشارع: من المحاسبة إلى إعادة بناء الدولة
خرجت أصوات من قلب الحدث في تاجوراء ومن مختلف المدن الليبية تطالب بمحاسبة فورية للمتورط، ليس فقط لردعه، بل لإرسال رسالة بأن بقية من سلطة ما زالت تنبض. لكن الناشطين تجاوزوا المطالبة بمحاسبة الفرد ليطرحوا السؤال الأعمق: كيف نعيد بناء منظومة أمنية وقضائية قادرة على حماية الليبيين من أخطار باتت تأتي من حيث لا يحتسبون؟
وكتب أحد المدونين بعبارة لاذعة: “الحكومة منتهية الولاية ما قدرتش تحمي المواطن من أسد ماشي على رجليه، فكيف تحميه من أسود تلبس الزي العسكري وتجوب المدن بالدبابات؟”
المشهد الذي يختصر ليبيا
في النهاية، لم يكن الأسد الذي سبح في مياه تاجوراء مجرد حيوان ضل طريقه إلى البحر، بل كان تجسيداً حياً لفوضى عميقة تنخر الجسد الليبي. إنه رمز لانهيار هيبة الدولة، وتغول الميليشيات، وفراغ السلطة الذي يملؤه كل من تسول له نفسه تحدي المجتمع وقوانينه.
بينما كان الأسد يغطس في الماء هادئاً، كانت هيبة ليبيا تغرق أكثر في بحر من الفوضى التي لم يعد أحد يدري من يستطيع إنقاذها. وبقي السؤال معلقاً في هواء طرابلس المثقل بالرطوبة والأسئلة: هل من سلطة باقية في هذا البلد، أم أن الغابة قد ابتلعت الدولة بالكامل؟



