الزراعة الليبية بين الإمكانات المهدرة وتحديات الأمن الغذائي
ضعف الاستثمار وشح المياه وتراجع الدعم يحدّ من نمو الإنتاج المحلي

يمتلك القطاع الزراعي في ليبيا مقومات طبيعية وبشرية تؤهله لأن يكون أحد أهم محركات الاقتصاد الوطني، إلا أن عقودًا من ضعف التخطيط وتراجع الاستثمار وعدم استقرار السياسات العامة أبقت هذه الإمكانات دون استغلال فعّال، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تعزيز الأمن الغذائي وتقليص الاعتماد على الواردات في ظل المتغيرات الاقتصادية والمناخية العالمية.
ورغم امتلاك البلاد مساحات زراعية متنوعة ومناخًا يسمح بإنتاج عدد من المحاصيل، فإن القطاع يواجه تحديات متشابكة تشمل نقص البنية التحتية، وشح الموارد المائية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف التمويل، وتراجع خدمات الإرشاد الزراعي، إلى جانب التوسع العمراني على حساب الأراضي الخصبة، ما انعكس على محدودية الإنتاج المحلي وتراجع مساهمته في الاقتصاد الوطني.
تحديات هيكلية تعرقل تنمية القطاع
تشير التقديرات إلى أن أحد أبرز معوقات الإنتاج الزراعي يتمثل في نقص العمالة المؤهلة وتراجع الكثافة السكانية في المناطق الزراعية، وهو ما حدّ من الاستفادة من المشاريع التي أُنشئت خلال العقود الماضية، رغم ما تضمنته من استصلاح للأراضي، وتوفير للبنية التحتية، وبرامج تدريب وإرشاد للمزارعين.
كما أدى تحول الاقتصاد الليبي إلى الاعتماد بصورة متزايدة على العائدات النفطية إلى تراجع الاهتمام بالقطاع الزراعي، سواء من حيث الاستثمار أو تطوير الكوادر أو المحافظة على المشروعات القائمة، الأمر الذي أسهم في تآكل العديد من التجارب الزراعية التي كانت تستهدف رفع الإنتاج وتحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي.
ويضاف إلى ذلك التحدي المائي، إذ تواجه ليبيا محدودية في الموارد المائية، رغم اعتمادها على المياه الجوفية ومشروع النهر الصناعي، في ظل مخاوف من استنزاف هذه الموارد مع استمرار الضغوط على الطلب، وهو ما يجعل تطوير الإدارة المستدامة للمياه أحد الشروط الأساسية لاستمرار النشاط الزراعي.
ويرى مراقبون أن المشكلة لا ترتبط بندرة الموارد الطبيعية وحدها، بل بغياب رؤية تنموية متكاملة تربط بين الزراعة والبنية التحتية والخدمات والاستثمار، بما يسمح باستقرار السكان في المناطق الزراعية ورفع كفاءة الإنتاج.
الإصلاح يتطلب سياسات واستثمارات مستدامة
في المقابل، ينعكس تراجع الإنتاج الزراعي بصورة مباشرة على زيادة الاعتماد على الاستيراد، وارتفاع الضغوط التضخمية، وإضعاف قدرة المنتجات المحلية على المنافسة، ما يجعل الأمن الغذائي أكثر ارتباطًا بتقلبات الأسواق الخارجية.
وتبرز تحديات أخرى تتعلق بضعف تطبيق القوانين، واستمرار التعديات على الأراضي الزراعية، وتراجع دور المؤسسات المختصة، مثل مراكز البحوث الزراعية والمصرف الزراعي وبنوك البذور، وهي مؤسسات تمثل ركيزة أساسية لدعم الإنتاج وتطوير التقنيات الزراعية.
ويرى مختصون أن استعادة دور القطاع الزراعي تتطلب استراتيجية وطنية شاملة تقوم على حماية الأراضي الزراعية، وتحديث التشريعات، وتحسين بيئة الاستثمار، وإعادة تفعيل مؤسسات التمويل والبحث العلمي، إلى جانب مراجعة سياسات الاستيراد بما يحقق التوازن بين دعم المنتج المحلي وتلبية احتياجات السوق.
كما تبرز أهمية التوسع في استخدام التقنيات الزراعية الحديثة، وتأهيل الكوادر الوطنية، ونشر الوعي بقضايا الأمن الغذائي، باعتبارها عناصر مكملة لأي خطة تستهدف تحويل الزراعة من قطاع محدود التأثير إلى ركيزة اقتصادية قادرة على دعم التنويع الاقتصادي وتعزيز الاستقرار الغذائي.
وفي ظل استمرار التحديات الاقتصادية والبيئية، تبدو قدرة ليبيا على استثمار مواردها الزراعية مرهونة بانتقال السياسات من المعالجات المؤقتة إلى برامج تنموية طويلة الأجل، تستند إلى التخطيط والاستثمار وحماية الموارد، بما يعيد للقطاع دوره في دعم الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على الخارج.



