اتساع الانتقادات لسياسات مصرف ليبيا المركزي وسط تحذيرات من إظلام مالي ومخاطر اقتصادية وأمنية متنامية
خبراء: أزمة ليبيا هيكلية وسياسات المركزي مجرد إنعاش مؤقت
ليبيا 24
إظلام مالي تام يخيم على ليبيا بعد صمت المصرف المركزي
في خضم انسداد الأفق السياسي، ينزلق الاقتصاد الليبي نحو منطقة من العتمة المالية غير المسبوقة، ليس بسبب شح الموارد فحسب، بل نتيجة لسياسات مؤسساتية يصفها مراقبون بأنها تغليف للأزمة بدلاً من معالجتها.
ففي الوقت الذي يُفترض أن يكون فيه مصرف ليبيا المركزي حصن الشفافية وآخر معاقل ضبط الإيقاع المالي، يرى خبراء ومحللون أن تخليه عن أدنى أدوات الإفصاح لم يعد مجرد هاجس، بل واقعاً يكرس هيمنة الاقتصاد الموازي ويُفقِد الدولة بوصلة الإنفاق والإيراد.
انطفاء آخر “لامبة مضيئة”
يُجمع خبراء الاقتصاد على أن توقف المصرف المركزي عن إصدار تقريره الشهري للإيرادات والنفقات العامة لا يمكن عزله عن سياق أوسع من التعتيم الممنهج.
وقد وصف الخبير الاقتصادي مختار الجديد هذه الخطوة بأنها اللحظة التي انطفأت فيها آخر “لامبة مضيئة” كانت تُنير المشهد المالي الليبي.
وأوضح الجديد أن سياسة “طرح الأحمال” وغياب الشفافية، اللذين كانا سمة ملازمة لأداء مؤسسات سيادية أخرى كوزارة المالية والمؤسسة الوطنية للنفط والمؤسسة الليبية للاستثمار، قد امتدت عدواهما اليوم لتشمل المصرف المركزي، تاركاً المشهد الاقتصادي بلا أي نافذة رقابية حقيقية يعرف من خلالها الليبيون أين تذهب ثرواتهم.
ويعكس هذا الصمت القسري، بحسب متابعين، تخبطاً عميقاً داخل أروقة صنع القرار النقدي، وتغليباً لنهج إدارة الأزمات عبر إخفاء مؤشراتها بدلاً من مواجهتها.
سيولة بلا استقرار وبدائل رقمية هشة
في غضون ذلك، وبينما تلوح في الأفق خطة طموحة لعام 2026 يتحدث المصرف عن أنها تهدف لاحتواء أزمة السيولة، يرى رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي، حلمي القماطي، أن هذه الأدوات، رغم كونها متعارفاً عليها، تصطدم بجدار الأزمة الليبية المتجذرة.
ويشير القماطي إلى أن العودة لإصدار فئة الخمسين ديناراً، بعد أن كان سحبها سابقاً مبرراً بمكافحة التزوير والاكتناز وتشجيع الدفع الإلكتروني، تكشف عن فشل السياسات السابقة واستمرار رهان الدولة القاتل على النقد الورقي.
وهو رهان يزيد الطين بلة، إذ يرى القماطي أن ضخ السيولة ليس سوى مسكن مؤقت لا يعالج جذور العلة، بل يحمل في طياته بذور تضخم قادم وارتفاع حتمي للطلب على النقد الأجنبي، مما يفاقم أزمة سعر صرف الدولار في السوق الموازية وينهش القوة الشرائية للمواطنين.
وعلى الجانب الآخر، يبدو أن الرهان على التحول الرقمي كطوق نجاة لا يقل هشاشة. يحذر الخبير الاقتصادي د. إبراهيم عمر الحداد من أن النجاح في هذا المضمار مرهون ببنية تحتية رقمية متطورة، ومنظومات حماية ورقابة صارمة على العمليات، مؤكداً أن أي قفز في المجهول دون هذه المتطلبات يمثل مجازفة عالية المخاطر قد تقود إلى أزمات يصعب التعامل معها.
ويأتي هذا التحذير في وقت تتكشف فيه هشاشة المنظومة المصرفية الإلكترونية بشكل صادم، مع إعلان جهاز مكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال عن ضبط شبكة احتيال إلكتروني متورطة في إنشاء صفحات مصرفية وهمية تنتحل أسماء مصارف ليبية لتنفيذ عمليات تصيد إلكتروني منظمة، استهدفت المواطنين بهدف سرقة بياناتهم المصرفية.
وكشف الجهاز عن تلقيه بلاغات بقيمة إجمالية بلغت 97,145 ديناراً ليبياً، تم الاستيلاء عليها بعد اختراق حسابات أصحابها، في دليل دامغ على أن غياب الرقابة الصارمة يجعل من الدفع الإلكتروني فريسة سهلة للصوص الإنترنت، وليس حلاً سحرياً لأزمة الثقة.
تحرير سعر الصرف: انتحار اقتصادي في ثوب “سوق حر”
أما الجدل الدائر حول تحرير سعر الصرف، فيضعه عضو لجنة السياسة النقدية بالمصرف المركزي، أيوب محمد الفارسي، في خانة الدعوات التي تتجاهل طبيعة الاقتصاد الريعي الليبي.
ويحذر الفارسي من أن ترك سعر الصرف لآليات السوق في بلد يعتمد كلياً على عائدات النفط وتستورد الدولة فيه معظم سلعها الأساسية، لن يؤدي إلا إلى تدهور كارثي في القوة الشرائية للمواطنين وارتفاع صاروخي لمعدلات التضخم.
ويشدد على أن “السوق الحر” وهم في الحالة الليبية، لأن الدولة هي المصدر الرئيسي للنقد الأجنبي، وبالتالي فإن أي خفض لقيمة العملة سينعكس فوراً على أسعار الغذاء والدواء، بينما تذوي دخول الموظفين. ويتفق مع القماطي في أن جذور الأزمة لا تكمن في سعر الصرف بحد ذاته، بل في التوسع غير المنضبط في الإنفاق العام، وغياب ميزانية موحدة، والانقسام السياسي الذي يفتت القرار الاقتصادي.
ويدعو الفارسي إلى التركيز على إصلاح المالية العامة وحماية الاحتياطيات بدلاً من اللهاث وراء سراب تحرير سعر الصرف، معتبراً أن استقرار العملة حالياً هو أداة دفاع أخيرة لحماية المستوى المعيشي.
إن الصورة التي يرسمها الخبراء لمشهد الاقتصاد الليبي قاتمة ومعقدة. ففي الوقت الذي يواصل فيه المصرف المركزي سياساته التي توصف بالترقيعية، من بيع كميات كبيرة من النقد الأجنبي لا تمنع ارتفاع الدولار في السوق السوداء، إلى ضخ سيولة ورقية تزيد من التضخم، يظل غياب الرؤية الشاملة هو العدو الأكبر.
فالأزمة، كما يؤكد القماطي، لم تعد مجرد أزمة نقدية، بل اختلال في الاقتصاد الكلي متعدد الأبعاد، يتطلب تنسيقاً بين السياستين النقدية والمالية، وإصلاحات هيكلية تشمل ضبط الإنفاق العام، وتحفيز الإنتاج المحلي، وتوحيد المؤسسات الاقتصادية المنقسمة.
وبدون هذه الإصلاحات المؤلمة والصادمة، فإن استقرار سعر الصرف وضخ السيولة وإطلاق التطبيقات الرقمية لن يكون سوى مسكنات لألم مزمن، سرعان ما يفقد مفعوله تاركاً المريض في مواجهة مضاعفات أشد خطورة، وسط ظلام مالي بات دامساً.



