ليبيا

الاقتصاد الليبي بين مطرقة التغريدات وسندان السياسة المالية.. خبير يحذر من “العبث” بالعملة ويدق ناقوس الخطر بشأن أولويات الإنفاق

من إنفاق نصف مليار على لاعبين إلى الفساد السافر.. الشريف: أزمة ليبيا "مالية لا نقدية" والحل يبدأ بحكومة واحدة

ليبيا 24

الشريف يحذر: الاقتصاد الليبي “رهن تغريدة” وأي خفض رابع للعملة سيبتلع أي زيادة في المرتبات

في تحذير يعكس عمق الهشاشة التي يعاني منها الاقتصاد الليبي، رسم الخبير الاقتصادي علي الشريف صورة قاتمة للمشهد، مؤكداً أن تقلبات أسواق النفط، وبالتالي مصير البلاد المالي، لم تعد مرهونة فقط بالعرض والطلب أو استقرار الحقول، بل بتطور دراماتيكي أكثر عبثية.

وقال الشريف في تدوينة مطولة عبر صفحته على فيسبوك، رصدتها “ليبيا 24″، إن “تغريدات ترامب هي من تحرك سوق النفط الآن”، ليختزل المأساة الليبية في عبارة صادمة: “ببساطة اقتصادنا أصبح مرهوناً في تغريدة”.

هذه التصريحات تسلط الضوء على واقع مرير، حيث يتابع الليبي العادي، الذي أنهكته أزمة السيولة وتقلبات سعر الصرف، الأخبار العالمية بشغف لا يضاهيه إلا شغفه بمعرفة مصير قوت يومه، ليصبح “الشعب أكثر حاجة يعرفه سعر الصرف و دخول و خروج المحطات”، في إشارة إلى محطات تصدير النفط التي تمثل شريان الحياة الوحيد.

أولويات مشوهة: نصف مليار للاعبين في ظل عجز المواطن

في قلب هذه العاصفة من عدم اليقين، يبرز تناقض صارخ في أولويات الإنفاق العام، يصل إلى حد “العبء على الموازنة العامة”، وفقاً للشريف. وأشار الخبير إلى أن تمويل بعض الأندية الرياضية بلغ “نص مليار دينار، جلها إنفاق على شراء اللاعبين الأفارقة”.
هذه الأرقام الفلكية، التي يتم ضخها في قطاع كان يفترض أن يكون “مصدراً من مصادر الدخل كما يحدث في العالم الآخر”، تأتي في وقت يئن فيه المواطن تحت وطأة العجز عن الوصول إلى “أدنى متطلبات المعيشة اليومية”.

هذه المفارقة، بحسب تحليل الشريف، ليست مجرد خلل في توزيع الموارد، بل هي عرض لمرض أعمق يتمثل في غياب الحوكمة الرشيدة والفساد المستشري، الذي وصفه بأنه “أصبح سافراً لا يحتاج إلى قناع، في ظل غياب الرادع، حتى تحول لدى البعض من مجرد ممارسة إلى ثقافة وجزء من حياتهم اليومية”.

الشفافية المفقودة ودعوة لرفع الحصار عن البيانات

ولمواجهة هذا الوضع، يطرح الشريف شرطاً أساسياً لأي محاولة جادة للإصلاح، متمثلاً في الشفافية المطلقة. وطالب بـ”ضرورة نشر بيانات الإيرادات والنفقات الخاصة بالمؤسسة الوطنية للنفط والحكومات في الشرق والغرب”، وذلك لرفع الحرج والعبء عن كاهل المصرف المركزي، الذي “لا يجب أن يتحمل وحده مسؤولية أي أداء سيئ للاقتصاد”.

ويؤكد الخبير في هذا السياق أن التشخيص الدقيق للأزمة يتطلب “إتاحة جميع البيانات المتعلقة بالإيرادات والإنفاق بشفافية كاملة”، فبدون هذه الرؤية الشاملة، يصبح تقييم الوضع الاقتصادي أقرب إلى التخبط في العتمة.

خفض رابع للعملة.. سيناريو مرعب يلوح في الأفق

الجزء الأكثر حساسية في تحليل الشريف يتعلق بمستقبل العملة المحلية والقدرة الشرائية للمواطن. وبينما يعترف بوضوح أن “تراجع القوة الشرائية جعل المرتبات الحالية لا تلبي الحد الأدنى من متطلبات المعيشة”، إلا أنه يحذر في الوقت نفسه من الحلول الترقيعية. الزيادات غير المدروسة في المرتبات، في ظل غياب “تنمية حقيقية للإيرادات”، ليست سوى قنبلة موقوتة.

ويكشف السيناريو الأسوأ بقوله إن هذه الزيادات “قد تؤدي إلى زيادة عجز الموازنة وتفاقم الضغوط على العملة، وربما تقود إلى خفض قيمتها للمرة الرابعة”. وهنا تكمن المفارقة القاتلة التي يسلط الضوء عليها: “لأن أي تخفيض جديد في قيمة العملة المحلية سوف يؤدي بالضرورة إلى انخفاض القوى الشرائية وبالتالي كأن الوضع كما هو عليه”.

الحل إذن ليس في الزيادات العشوائية، بل في “سياسة متكاملة تحمي دخل المواطن وتحافظ في الوقت نفسه على الاستقرار النقدي والمالي”.

الانقسام السياسي وجذور الأزمة المالية

يتجاوز الشريف في تحليله الأعراض الظاهرية للأزمة الاقتصادية، مثل سعر الصرف وأزمة السيولة، ليغوص في جذورها العميقة.

ويسأل مستنكراً: “لماذا كل ما يقوم به المركزي من إجراءات لحل بعض المشاكل الاقتصادية يكون آثارها بسيطة وآنية؟” والإجابة، كما يراها، حاسمة وقاطعة: “ببساطة كل ما يشهده الاقتصاد الليبي خلال الفترة الراهنة من اختلالات يعود في جوهره إلى أسباب مالية أكثر منه نقدية”.

ويشرح أن مشكلات سعر الصرف، والتضخم، وتفاقم الدين العام، كلها “ترتبط بدرجة كبيرة بخلل المالية العامة واتساع الفجوة بين الإنفاق الحكومي والإيرادات”. لذلك، فإن أي محاولة للعلاج عبر الأدوات النقدية وحدها محكوم عليها بالفشل.

وصفة إصلاحية: حكومة واحدة وتنسيق مشترك

من هذا المنطلق، يقدم الخبير روشتة إصلاحية تقوم على ثلاثة محاور رئيسية. الأول هو التوحيد السياسي كشرط للتوحيد المالي، إذ “يستوجب الاتفاق على حكومة واحدة تعمل على ترشيد الإنفاق وتعزيز الإيرادات من خلال التعاون مع مؤسسة النفط ومصلحة الضرائب بالإضافة إلى التنسيق الكامل مع المصرف المركزي”.

ويختصر الشريف هذا الشرط بقوله: “هنا فقط نستطيع تقييم نجاح سياسات المركزي من عدمها”. أما المحور الثاني فهو إدراك أن “الحل الحقيقي يبدأ بضبط المالية العامة، وترشيد الإنفاق، وتعزيز الإيرادات النفطية وغير النفطية، والعمل على تحقيق الاستدامة المالية من خلال تحقيق التوازن بين الإنفاق الحكومي والإيرادات”.

وأخيراً، يدعو الشريف إلى تشكيل “فريق عمل مشترك” بين المصرف المركزي ووزارتي المالية والاقتصاد، لضمان تنسيق السياسات. فـ”غياب التنسيق قد يجعل بعض الإجراءات تتعارض مع بعضها البعض، وبالتالي يفقد أي إجراء أثره وفاعليته، وتصبح الجهود المبذولة دون جدوى حقيقية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى