ليبيا

تفاقم الضبابية المالية في ليبيا وسط تحذيرات من مخاطر اقتصادية وأمنية

توقف التقارير الرسمية والتحذير من تحرير سعر الصرف وضبط شبكة احتيال مصرفي يعكس تحديات متشابكة

يشهد المشهد الاقتصادي والمالي في ليبيا تصاعدًا في مؤشرات القلق، مع تزايد التحذيرات من غياب الشفافية المالية، واستمرار الجدل حول مستقبل سعر الصرف، بالتزامن مع تنامي جرائم الاحتيال الإلكتروني التي تستهدف الحسابات المصرفية للمواطنين.

ويعكس تزامن هذه التطورات حجم الضغوط التي تواجهها المؤسسات المالية، ويثير تساؤلات بشأن قدرة المنظومة الاقتصادية على استعادة الثقة وتعزيز الرقابة في ظل استمرار الانقسام السياسي والاختلالات المالية.

إظلام مالي وتحذيرات من تراجع الشفافية

اعتبر الخبير الاقتصادي مختار الجديد أن توقف مصرف ليبيا المركزي عن إصدار تقريره الشهري الخاص بالنفقات والإيرادات يمثل تحولًا خطيرًا في مستوى الشفافية المالية، واصفًا المشهد بأنه دخل مرحلة “الإظلام المالي التام” بعد غياب واحدة من أهم أدوات الإفصاح المالي في البلاد.

وأشار إلى أن مؤسسات رئيسية، من بينها المؤسسة الوطنية للنفط والمؤسسة الليبية للاستثمار، تعاني بالفعل من ضعف الإفصاح عن بياناتها المالية، لافتًا إلى أن التقرير الشهري للمصرف المركزي كان يمثل آخر مصدر دوري يوفر مؤشرات حول حركة الإنفاق والإيرادات، قبل أن يتوقف صدوره.

وتعكس هذه الانتقادات مخاوف متزايدة من أن يؤدي غياب البيانات الرسمية المنتظمة إلى تقليص قدرة المختصين والرأي العام على تقييم الأداء المالي، بما يضعف أدوات الرقابة والمساءلة، ويزيد من حالة عدم اليقين بشأن إدارة الموارد العامة.

سعر الصرف ليس أصل الأزمة

في موازاة ذلك، حذر عضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي، أيوب محمد الفارسي، من الدعوات المطالبة بتحرير سعر الصرف أو تركه بالكامل لقوى السوق، معتبرًا أن مثل هذا الخيار لا يتناسب مع طبيعة الاقتصاد الليبي القائم بصورة رئيسية على الإيرادات النفطية واعتماد السوق المحلية على الاستيراد.

وأوضح الفارسي أن الدولة تبقى المصدر الأساسي للنقد الأجنبي، الأمر الذي يجعل آليات السوق الحرة غير قادرة على تحقيق توازن فعلي في سوق الصرف، محذرًا من أن أي خفض في قيمة الدينار سينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية والخدمات، بما يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية، خصوصًا بالنسبة لأصحاب الدخول الثابتة.

وأكد أن الأزمة الاقتصادية الليبية ترتبط بعوامل أعمق من سعر الصرف، تتمثل في التوسع في الإنفاق العام، وغياب ميزانية موحدة، واستمرار الانقسام السياسي، وضعف الانضباط المالي، معتبرًا أن سعر الصرف يعكس هذه الاختلالات أكثر مما يتسبب فيها.

ويرى مراقبون أن هذا الطرح يعيد النقاش إلى ضرورة معالجة جذور الأزمة عبر إصلاحات مالية ومؤسسية شاملة، بدلاً من الاكتفاء بإجراءات نقدية قد تنقل آثار الأزمة إلى المواطنين دون معالجة أسبابها الحقيقية.

تصاعد الاحتيال الإلكتروني يهدد الثقة بالقطاع المصرفي

على صعيد آخر، أعلن جهاز مكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال وتمويل الإرهاب ضبط متورطين في شبكة احتيال إلكتروني استهدفت مواطنين من خلال صفحات مصرفية وهمية انتحلت أسماء مصارف ليبية، وذلك عقب عمليات رصد وتحريات نفذتها إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية المالية.

وأوضح الجهاز أن الشبكة اعتمدت على إنشاء صفحات دعم فني مزيفة لتنفيذ عمليات تصيد إلكتروني والاستيلاء على بيانات الحسابات المصرفية، مشيرًا إلى تلقي ثلاثة بلاغات بلغت قيمة الأموال المسروقة فيها نحو 97,145 دينارًا ليبيًا.

وأضاف أن فرق التحري تمكنت من جمع الأدلة الفنية ومطابقة البيانات مع البلاغات المقدمة، ما أسفر عن تحديد هوية المتورطين وضبط أحدهم، قبل إحالته إلى نيابة مكافحة جرائم الفساد الجزئية في طرابلس لاستكمال التحقيقات واتخاذ الإجراءات القانونية.

وتسلط هذه القضية الضوء على تنامي مخاطر الجرائم الإلكترونية في ظل توسع الخدمات المصرفية الرقمية، ما يستدعي تعزيز منظومات الأمن السيبراني ورفع مستوى الوعي لدى المواطنين، إلى جانب تطوير آليات الحماية والرقابة داخل القطاع المصرفي.

وتبرز مجمل هذه التطورات صورة مركبة للاقتصاد الليبي، حيث تتقاطع أزمة الشفافية المالية مع الجدل حول السياسات النقدية، في وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية المرتبطة بالقطاع المالي. ويشير هذا التداخل إلى أن استعادة الاستقرار الاقتصادي لن تتحقق عبر معالجة ملف واحد بمعزل عن الآخر، بل تتطلب إصلاحات مؤسسية متكاملة تعزز الإفصاح المالي، وتضبط الإنفاق العام، وتحمي المنظومة المصرفية من المخاطر التقليدية والرقمية على حد سواء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى