ليبيا

الفيتوري يحذر من حلقة مفرغة: حكومة ومصرف مركزي “يُأججان التضخم” وبطالة تبتلع 40% من القوى العاملة مع تجاهل رسمي للمعضلة

الفيتوري يرسم صورة قاتمة: استقرار الدينار "مستحيل" في ظل انقسام المؤسسات والبحث عن حلول دون إزالة المسببات

ليبيا 24:

في تحليل لاذع يرسم ملامح المشهد الاقتصادي الليبي المنهك، شخّص الخبير الاقتصادي الدكتور عطية الفيتوري أزمة البلاد المتفاقمة بأنها نتاج طبيعي لتشوهات سياسية ومؤسسية عميقة، مؤكداً أن أي حديث عن استقرار مالي أو سيطرة على التضخم يظل ضرباً من الخيال ما لم تُعالج جذور الانقسام الذي أنتج حكومتين وأطلق العنان لانفلات الإنفاق العام.

وجاء تحذير الفيتوري، الذي نشره عبر صفحته الشخصية على فيسبوك، ورصدته ليبيا 24 كمرافعة تحليلية تدمج بين تعقيدات الواقع السياسي المنقسم وتداعياته المباشرة على معيشة الليبيين وقيمة عملتهم الوطنية.

التشخيص البنيوي: استحالة استقرار بدون إزالة المسببات

يضع الفيتوري يده على جوهر المفارقة الليبية متسائلاً: “في أي بلد في العالم، وفي ظل انقسام سياسي ومؤسسي لدرجة وجود حكومتين في نفس البلد، وانفلات مالي، وتدهور في قيمة العملة الوطنية نتيجة لذلك، وعدم القدرة على السيطرة على التضخم، هل يمكن تحقيق استقرار اقتصادي؟”.

ويجيب الخبير الاقتصادي بشكل قاطع بأن هذا الأمر “غير ممكن”، لأنه لو تحقق لكان مؤشراً على اقتصاد سليم لا تعتريه مثل هذه التشوهات القاتلة.

ويؤسس الفيتوري من هذا المنطلق لقناعة راسخة بأن السياسات الترقيعية التي تتجاهل أصل الداء محكوم عليها بالفشل، مضيفاً جملته المحورية التي تختزل المأزق الليبي: “كيف نصلح الخلل بدون إزالة مسبباته!”.

ويشير في تحليله إلى أن ليبيا تعاني من وضع شاذ تعجز معه الأدوات التقليدية عن إحداث أي أثر حقيقي، إذ أن المشكلة لا تكمن فقط في نقص الموارد أو التضخم المستورد، بل في البنية السياسية والمؤسساتية المنقسمة التي تُنتج وتُعيد إنتاج الأزمة الاقتصادية يومياً.

آلية الأزمة: كيف يُؤجج طرفا المعادلة الرسمية التضخم؟

ينتقل الفيتوري إلى تفكيك آلية عمل أعلى مستويين مسؤولين عن إدارة الاقتصاد، متهماً إياهما بالمساهمة المباشرة في إذكاء نيران التضخم الذي يلتهم مدخرات المواطنين.

ويقول نصاً في هذا الصدد: “التضخم مستمر سنة بعد أخرى، وربما ما يغذيه هو تصرف الحكومة والمصرف المركزي معاً”.

ويكشف التحليل عن ممارسة مزدوجة مدمرة: فالحكومة لا تنفق وفق ميزانية معتمدة من قبل السلطة التشريعية، مما يعني غياب أي رقابة حقيقية على حجم الإنفاق ووجهته، وهو ما يضخ سيولة هائلة في السوق دون غطاء إنتاجي حقيقي.

أما المصرف المركزي، فيراه الفيتوري “يدور حول نفسه” في متاهة إجراءات لا تخاطب جوهر المشكلة. وينتقد الخبير الآلية المتبعة، موضحاً أن المصرف لا يجد مخرجاً مما هو فيه سوى اللجوء المتكرر إلى تخفيض قيمة الدينار أو اتخاذ إجراءات لا تنسجم مع واقع المشكلة.

ويحذر من أن هذه الخطوات، بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل، تؤدي إلى “زيادة التضخم تأجيجاً عن طريق المضاربة الناتجة بسبب عدم وضوح إجراءاته”، في إشارة إلى حالة الضبابية التي تُحفز سوق الصرف الموازي وتُعمق انهيار القدرة الشرائية للدينار.

هذه الازدواجية في الأداء، وفقاً للفيتوري، تخلق بيئة طاردة للاستقرار وتجعل من أي تعافٍ اقتصاديٍّ هشاً وعرضة للانتكاس.

المعادلة الصعبة: بطالة صارخة وتجاهل رسمي لسوق العمل

في الشق الاجتماعي – الأمني من تحليله، يسلط الفيتوري الضوء على المشكلة الاقتصادية الثانية التي تؤرق الدول المتقدمة والنامية على حد سواء: البطالة. ويُقدر الخبير الاقتصادي حجم الكارثة في ليبيا بإحصاء ميداني صادم، قائلاً: “البطالة في الاقتصاد الليبي لا تقل حسب تقديري عن 40% من القوى العاملة، ناهيك عن البطالة المقنعة في قطاع الحكومة”.

ويشير هذا الرقم إلى تعطل شبه كامل لعجلة الإنتاج في القطاع الخاص، وتحول الدولة إلى ملاذ وظيفي لا يُنتج قيمة مضافة حقيقية، بل يُخفي بطالة مقنعة هائلة خلف مكاتب الروتين الحكومي.

ويشدد الفيتوري على التداخل العضوي بين مشكلتي البطالة والتضخم، مشيراً إلى الانقسام النظري بين المدارس الاقتصادية حول أي من الظاهرتين يجب أن تكون لها أولوية العلاج.

إلا أنه يعود ليُطبق هذا الإطار على الواقع الليبي ليُظهر فداحة الفراغ القائم، قائلاً بحسرة: “في ليبيا لم أسمع عن مسؤول في الحكومة أو في المصرف المركزي تحدث عن هاتين المشكلتين وعن سبل حلولهما وبالأخص مشكلة البطالة”. ويأتي هذا التصريح ليكشف عن فجوة عميقة بين هموم الناس اليومية وأجندة صانع القرار.

موسم التخرج وقنبلة الإحباط الموقوتة

ويختتم الخبير الاقتصادي مرافعته التحليلية بربط فجائعي بين الأزمة الهيكلية المزمنة وحدث سنوي يتحول شيئاً فشيئاً إلى منصة لإنتاج الإحباط المجتمعي.

ومع نهاية العام الدراسي، يوجه الفيتوري سؤالاً يُقرع أجراس الخطر، متسائلاً عن مستقبل الخريجين: “يا ترى هل هناك وظائف تنتظر عدد كبير من هؤلاء الخريجين سواء في الهندسة أو الطب أو الاقتصاد أو العلوم أو القانون… أم أنهم سيضافون إلى طابور البطالة !!!!!”.

إن علامات التعجب التي اختارها الخبير في ختام تحليله لا تعبر عن استفهام عابر، بل عن إدانة ضمنية لمسار دولة تُعطل طاقات شبابها بدلاً من استثمارها، وتُنتج أزمات اجتماعية وأمنية موازية في صمت مطبق من دوائر القرار الاقتصادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى