ليبيا

مبادرة بولس تطرح مسارًا جديدًا لإنهاء الانسداد السياسي في ليبيا

توحيد المؤسسات والحوار الليبي الداخلي أبرز مرتكزات المسار الأميركي

تطرح المبادرة التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، نفسها كأحد أبرز التحركات الدولية الجديدة الساعية إلى كسر حالة الجمود السياسي التي تعيشها ليبيا، في وقت تبدو فيه المسارات السابقة، ولا سيما تلك التي رعتها الأمم المتحدة، عاجزة عن إنتاج تسوية سياسية مستقرة تقود إلى توحيد مؤسسات الدولة وإجراء انتخابات عامة.

ويرى الكاتب السياسي جبريل العبيدي أن المبادرة الأميركية قد تمثل فرصة مختلفة للتعامل مع الأزمة الليبية، خصوصًا أنها تأتي في ظل تراكم إخفاقات سياسية امتدت لسنوات، بدأت باتفاق الصخيرات وتواصلت عبر مخرجات ملتقى الحوار السياسي في جنيف، من دون أن تنجح تلك المسارات في إنهاء الانقسام بين المؤسسات أو الوصول إلى قاعدة دستورية وسياسية تتيح إجراء انتخابات تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة.

وبحسب العبيدي، فإن المبادرة الأميركية تُقدم باعتبارها مسارًا مكمّلًا للجهود الأممية، غير أن طبيعة التحركات المرتبطة بها تعكس، وفق قراءة سياسية، توجهًا أكثر تركيزًا على الملفات العملية والمؤسساتية، بدل الاكتفاء بإدارة الخلافات السياسية بين الأطراف المتنافسة.

توحيد المؤسسات يتقدم على إعادة إنتاج الأجسام السياسية

ويرتكز المسار المطروح على الدفع باتجاه توحيد الحكومة والمؤسسات السيادية، بما يشمل المؤسسات المالية والقطاع النفطي، باعتبار أن استمرار الانقسام المؤسسي يمثل أحد أهم أسباب هشاشة الدولة الليبية وإطالة أمد الأزمة.

ولا تقتصر أهمية هذا التوجه على الجانب الإداري أو المالي، إذ إن توحيد المؤسسات السيادية يمكن أن يحد من قدرة الأطراف السياسية على استخدام موارد الدولة كأدوات للصراع والنفوذ، كما قد يوفر أساسًا أكثر صلابة لأي عملية سياسية لاحقة.

وفي هذا السياق، يشير العبيدي إلى خطوات يرى أنها تعكس وجود تقدم عملي في بعض الملفات، من بينها إقرار موازنة وطنية موحدة لأول مرة منذ عام 2013، إلى جانب تعزيز التعاون بين القيادات العسكرية والأمنية في شرق البلاد وغربها، وصولًا إلى تنفيذ مناورات عسكرية مشتركة في مدينة سرت بإشراف القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا أفريكوم.

وتكشف هذه التطورات عن تحول نسبي في طبيعة التعامل مع الأزمة، من التركيز على الترتيبات السياسية وحدها إلى محاولة بناء مساحات تفاهم في الملفات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، وهي ملفات ظلت لسنوات من أكثر القضايا حساسية في الصراع الليبي.

لكن نجاح هذا المسار يظل مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف على تحويل التفاهمات الجزئية إلى ترتيبات مؤسسية دائمة، بدل أن تبقى مجرد تفاهمات ظرفية قابلة للانتكاس مع تغير موازين القوى السياسية أو الأمنية.

سرت مرشحة لاستضافة حوار ليبي بعيدًا عن الاستقطاب

ويبرز الحوار الليبي – الليبي داخل الأراضي الليبية باعتباره أحد أبرز المقترحات التي يطرحها العبيدي للخروج من دائرة المبادرات الخارجية المتعاقبة، معتبرًا أن أي تسوية مستدامة تحتاج إلى أن تنطلق من توافق وطني يحترم الإرادة الشعبية ويضع المصلحة الليبية فوق حسابات الأطراف السياسية.

وفي هذا الإطار، تبرز مدينة سرت باعتبارها موقعًا محتملًا لاستضافة هذا الحوار، بالنظر إلى موقعها الجغرافي الذي يتوسط أقاليم البلاد، فضلًا عن كونها شهدت خلال السنوات الماضية عددًا من اللقاءات والتفاهمات ذات الطابع العسكري والسياسي.

وتستند هذه الرؤية إلى مبدأ لا غالب ولا مغلوب، باعتباره مدخلًا لتسوية الخلافات بعيدًا عن منطق الإقصاء أو محاولة فرض طرف سياسي واحد على بقية الأطراف.

غير أن تحويل هذا المبدأ إلى واقع سياسي يتطلب أكثر من مجرد الدعوة إلى الحوار، إذ يحتاج إلى توافق على الأطراف المشاركة، وجدول أعمال واضح، وضمانات لتنفيذ النتائج، فضلًا عن وجود آلية تمنع العودة إلى حالة الانقسام بمجرد انتهاء الاجتماعات.

وتبدو هذه النقطة تحديدًا من أبرز الاختبارات التي تواجه أي مبادرة جديدة؛ فالمشكلة الليبية لم تعد تفتقر إلى المبادرات والاتفاقات بقدر ما تعاني من ضعف القدرة على تنفيذ التفاهمات وتحويلها إلى مؤسسات وقواعد سياسية مستقرة.

اختبار النفوذ السياسي يهدد المسار الأميركي

في المقابل، لا تبدو المبادرة الأميركية بمنأى عن الاعتراضات السياسية، خصوصًا من القوى التي قد ترى في إعادة ترتيب المؤسسات وموازين النفوذ تهديدًا لمواقعها الحالية.

ويشير العبيدي إلى أن بعض تيارات الإسلام السياسي قد تنظر إلى المبادرة باعتبارها محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل المشهد الليبي، وهو ما قد يدفعها إلى مقاومة بعض مخرجاتها أو التشكيك في أهدافها.

لكن في المقابل، يرى مؤيدو المسار أن الهدف الأساسي لا يتمثل في إنشاء أجسام سياسية موازية أو تكريس الانقسام، وإنما في إعادة توحيد المؤسسات القائمة ووضع حد لحالة الانقسام التي استنزفت الدولة الليبية سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.

وهنا تبرز الحاجة إلى قدر أكبر من الوضوح بشأن طبيعة المبادرة وآليات تنفيذها، إذ إن غموض الأهداف أو تضارب التفسيرات يمكن أن يحول أي تحرك دولي إلى ساحة جديدة للصراع السياسي بدل أن يكون أداة لتسويته.

كما أن نجاح المبادرة لا يمكن أن يقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات السياسية، وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج قابلة للقياس، وفي مقدمتها توحيد المؤسسات السيادية، تثبيت الترتيبات الأمنية، معالجة الانقسام الحكومي، وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات ذات مصداقية.

إخفاق المسارات السابقة يفرض مراجعة النهج الدولي

وينتقد العبيدي استمرار التعويل على اتفاقي الصخيرات وجنيف باعتبارهما المرجعيتين الأساسيتين لمعالجة الأزمة، مشيرًا إلى أن النتائج التي تحققت خلال السنوات الماضية لم تكن كافية لإنهاء الانقسام السياسي.

وتكشف التجربة الليبية أن إنتاج اتفاق سياسي جديد لا يعني بالضرورة الوصول إلى حل سياسي، ما لم تتوافر إرادة حقيقية لدى الأطراف لتنفيذه، إلى جانب آليات واضحة للمساءلة والضمانات.

كما أن تعدد المبادرات الدولية وتداخلها مع مصالح القوى الخارجية ساهم، وفق هذه القراءة، في تعقيد المشهد بدل تبسيطه، خصوصًا في ظل غياب خريطة طريق أممية واضحة قادرة على تحديد الأولويات وترتيب مراحل الانتقال السياسي بصورة عملية.

ومن هنا، فإن المبادرة الأميركية تواجه اختبارًا مزدوجًا؛ الأول يتمثل في قدرتها على تحقيق توافق ليبي حقيقي، والثاني في مدى قدرتها على تجنب أخطاء المبادرات السابقة التي انتهت في كثير من الأحيان إلى اتفاقات لم تجد طريقها الكامل إلى التنفيذ.

وبالنظر إلى طبيعة الأزمة الليبية، فإن أي مقاربة تركز على الانتخابات دون معالجة الانقسام المؤسسي والأمني قد تعيد إنتاج الأزمة نفسها، كما أن توحيد المؤسسات من دون الوصول إلى شرعية سياسية جديدة سيبقي المرحلة الانتقالية مفتوحة على احتمالات متعددة.

وعليه، فإن المسار الأكثر واقعية قد يكون ذلك الذي يربط بين توحيد المؤسسات، وتثبيت الترتيبات الأمنية، وإطلاق حوار سياسي داخلي، ثم الانتقال إلى انتخابات تستند إلى توافق قانوني وسياسي واضح.

وتبقى قدرة الأطراف الليبية على استثمار هذه الفرصة العامل الحاسم في تحديد مصير المبادرة الأميركية. فإذا نجحت القوى السياسية في التعامل معها باعتبارها فرصة لإعادة بناء الدولة، وليس مجرد محاولة لإعادة توزيع النفوذ، فقد تمثل المبادرة مدخلًا لإعادة ترتيب المشهد الليبي على أسس أكثر استقرارًا.

أما إذا تحولت إلى ساحة جديدة للتنافس بين الأطراف المحلية والدولية، فقد تنضم إلى سلسلة المبادرات السابقة التي لم تتمكن من تجاوز جذور الأزمة.

وفي المحصلة، فإن جوهر التحدي أمام ليبيا لا يتمثل في غياب المبادرات، وإنما في غياب التوافق على قواعد ملزمة لإدارة الدولة وإنهاء الانقسام. ومن ثم، فإن نجاح أي مسار جديد سيظل مرهونًا بقدرته على إنتاج تسوية ليبية حقيقية، تقوم على توحيد المؤسسات واحترام الإرادة الشعبية، وتؤسس لانتقال سياسي ينهي المراحل المؤقتة بدل إعادة تدويرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى