ليبيا

في ظل انهيار الأمن وتبدد الاحتياطيات.. اتساع رقعة الفوضى في غرب ليبيا يهدد بتقويض ما تبقى من الدولة

مع فشل المسارات الأممية وتآكل السيادة.. الاعتراف الدولي يتزايد بالمؤسسة العسكرية كركيزة وحيدة لانتشال ليبيا من مستنقع الانهيار

ليبيا 24

ليبيا عند مفترق الانهيار والإنقاذ: حكومة الوصاية المؤقتة تفقد السيطرة على الغرب فيما تتعزز شرعية المؤسسة العسكرية كضامن للاستقرار

في الوقت الذي تتخبط فيه طرابلس تحت وطأة انفلات أمني غير مسبوق وعجز سياسي مزمن، تدق طبول أزمة شاملة تهدد بتفكيك ما تبقى من أوصال الدولة الليبية.

فبينما تغرق الحكومة منتهية الولاية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، في دوامة من الفشل في احتواء تشابك الرصاص وعصابات الجريمة المنظمة، تتزايد المؤشرات على أن مراكز الثقل الدولي والإقليمي بدأت تنظر بجدية متعاظمة إلى المؤسسة العسكرية الليبية باعتبارها الركيزة الوحيدة القادرة على لملمة شتات الوطن وإخراجه من نفق العزلة والوصاية الدولية.

تشريح الفشل في الغرب: مليشيات بلا رادع وحكومة بلا سلطة

على وقع المواجهات الدامية التي تستخدم فيها الطائرات المسيرة والأسلحة المتطورة في إطار ما وصفه المحلل السياسي السنوسي إسماعيل بـ”المعادلة الصفرية العبثية”، أكد الدبلوماسي السابق محمد شعبان المرداس أن مدن الساحل الغربي، وعلى رأسها الزاوية، باتت أسيرة لصراع دموي مستمر منذ 15 عاماً.

وشدد المرداس في تصريحات تلفزيونية تابعتها ليبيا 24 على أن “الأهالي يئسوا من هذا المشهد”، مشيراً إلى أن الشارع في المنطقة الغربية بات يطالب بتوحيد الجيش ومعالجة ملف المليشيات، مؤكداً أن “الحل يجب أن يأتي من الخارج لأنهم فيما بينهم لن يصلوا إلى أي حل”.

هذا العجز الميداني لقوى الأمر الواقع في الغرب لم يعد مجرد رأي سياسي، بل بات تهديداً وجودياً، وهو ما عبّر عنه مجلس حكماء وأعيان طرابلس المركز بتحذيرات شديدة اللهجة من تزايد مظاهر الانفلات الأمني.

وحمل المجلس وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية التابعة لحكومة الدبيبة مسؤولية ما وصفه بـ”تصاعد وتيرة الجرائم والاعتداءات”، منتقداً ضخامة الميزانيات المخصصة لها مقابل انهيار الشعور بالأمان.

وفي إشارة إلى فشل الدولة في احتكار العنف، حذر المجلس من أن استمرار ارتفاع معدلات الجريمة “قد يدفع المواطنين إلى محاولة حماية أنفسهم بوسائل مختلفة”، في مؤشر خطير على اقتراب المجتمع من شفير الفوضى وانتشار مظاهر الأمن الذاتي.

شرعنة الفساد وتبديد الريع: الاقتصاد في غرفة الإنعاش

لا تقتصر مأساة الليبيين في ظل حكومة الدبيبة على الرصاص والاغتيالات، بل تمتد إلى نهب منهجي لمقدرات الشعب. عضو مجلس النواب محمد عامر العباني جسد هذه المأساة بتساؤل لاذع: “يبدو أن الريع في بلادي لم يعد كافياً لملء جيوب حكامها، فظهر العجز في مستوى ما يحصل عليه مواطنيها من خدمات”.

وفي استعارة بليغة لواقع الظلام الذي يعيشه المواطن، قال العباني: “لم يعد في العمر متّسعٌ لمزيدٍ من الظلام… أصبح البحث عن ساعة كهرباء أشبه بالبحث عن معجزة”.

هذا الهدر الذي يرصده السياسيون تؤكده الأرقام الاقتصادية بصورة أكثر إيلاماً. الخبير الاقتصادي سعيد رشوان كشف عن “تآكلٍ ممنهج للاحتياطيات من العملة الأجنبية”، محذراً من مؤشرات “تقترب من مرحلة حرجة” بفعل استخدام “غير رشيد ومفرط” للأرصدة تحت ضغوط حكومية متواصلة يمارسها الدبيبة على المصرف المركزي.

وأكد رشوان أن “الحالة النقدية بلغت درجة عالية من الخطورة”، مشدداً على أن استمرار سياسة المجاملة والتأجيل سيقود البلاد حتماً إلى الوقوع تحت وطأة مؤسسات الإقراض الدولية وشروطها الماسة بالسيادة.

وفي السياق ذاته، أرجع الخبير الاقتصادي وحيد الجبو تنامي أزمة هجرة الشباب الليبي إلى أوروبا إلى “الضائقة الاقتصادية وتراجع فرص العمل” الناجمة عن سياسات حكومية خاطئة كوقف التعيينات وغياب رؤية التنمية، مما دفع الليبيين إلى ركوب قوارب الموت هرباً من واقع صنعته نخب فاشلة.

وصاية الفصل السابع: ثمن بقاء حكومة الأمر الواقع

في تحليل عميق لاستمرار الوصاية الدولية على ليبيا، أوضحت عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، رانيا الصيد، أن استمرار ليبيا تحت مظلة الفصل السابع لم يعد مقبولاً، معتبرة أنه يمثل “وصاية دولية تجعل السيادة منقوصة والقرار الوطني مرهوناً بإرادة الخارج”.

ولفتت الصيد إلى أن بقاء حكومة غير موحدة وانتشار الفوضى والفساد يوفران الذريعة المثالية لمجلس الأمن للإبقاء على هذا البند الذي يحول دون امتلاك الليبيين قرارهم. وأكدت أن رفع الفصل السابع “ليس هدية من أحد، بل حق سيادي ينتزع بالعمل” عبر بناء سلطة واحدة ومؤسسة عسكرية موحدة، وهو ما تعجز عنه سلطة الدبيبة التي تستفيد من بقاء الوضع على ما هو عليه.

المؤسسة العسكرية: ملاذ الاستقرار ومشروع الدولة

على الضفة الأخرى من المشهد، حيث تفرض الدولة هيبتها ويختفي الانفلات، تبرز جهود القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية التي باتت تحظى باعتراف دولي متصاعد كمحور لأي تسوية مستقبلية. الخبير الأمني والاستراتيجي محمد الترهوني أوضح أن إشادة الاتحاد الأوروبي بتمرين “فلينتلوك 2026” تعكس “اعترافاً بالتطور المهني والعملياتي للمؤسسة العسكرية”، في مقابل ما وصفه بـ”التخبط والانفلات الأمني الكبير في المنطقة الغربية”.

وشدد الترهوني على أن جهود القيادة العامة لتوحيد المؤسسة العسكرية ونجاحها في تأمين الشريط الحدودي ومواجهة الجماعات المتطرفة، جعل من مناطق سيطرتها “نموذجاً حقيقياً للاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي”.

وأشار إلى أن الزيارات المكوكية لنائب القائد العام إلى عواصم كبرى كواشنطن وأنقرة وروما تعكس “تعويل المجتمع الدولي على الدور الذي تقوم به المؤسسة العسكرية”، بعد أن أثبتت قدرتها على تجفيف منابع الإرهاب وتأمين الحدود، في تناقض صارخ مع حالة الفوضى التي تستشري في غرب البلاد.

بعثة الأمم المتحدة: سياسة إدارة الأزمة بدلاً من حلها

في غضون ذلك، تتواصل مسرحية الحوار السياسي التي ترعاها البعثة الأممية دون أفق حقيقي. عضو مجلس الدولة الاستشاري عادل كرموس وجه اتهاماً مباشراً للبعثة بعدم الجدية، معتبراً أن تحركاتها “تهدف أساساً إلى كسب الوقت وتحقيق أكبر استفادة من استمرار الأزمة وتمديدها”.

وكشف كرموس أن أعضاء المجلس في لجنة “4+4” لا يمثلون المجلس رسمياً، مما يعني أن أي مخرجات لن تكون ملزمة إلا بعد عرضها على مجلسي النواب والدولة، وهو ما يعمق أزمة الشرعية التي تعاني منها حكومة الدبيبة منتهية الولاية أصلاً.

عميد كلية العلوم السياسية إلياس الباروني حلل هذا العبث السياسي بالقول إن “المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أصبحت أحد مفاتيح السلطة”، مؤكداً أن الخلاف حول رئاستها لا يتعلق بالأشخاص بل بمن يملك “حق صياغة المرحلة المقبلة وضمانات البقاء فيها”.

وأشار الباروني إلى أن تعثر المسارات يرتبط بغياب الثقة وتضارب المصالح الدولية، في ظل حكومة غير قادرة على توحيد المؤسسة العسكرية أو إنهاء الانقسام، مما يجعلها العقبة الأبرز أمام أي تسوية.

من ملف الهجرة إلى مؤامرة العزلة: معارك سيادة ضد التدخل

على صعيد آخر، يبرز ملف الهجرة غير النظامية كقنبلة موقوتة تدار بمنطق مريب يتجاوز حدود السيادة الوطنية. اللواء نايف الحاسي حذر من أن منح صفة لاجئ داخل ليبيا يمثل “توطيناً مبطنًا ومرفوضاً”، مطالباً المفوضية السامية للأمم المتحدة بإدارة ملفاتها “خارج الأراضي الليبية” بشكل كامل.

بدوره، أكد الخبير في قضايا الهجرة يوسف الفارسي أن تحويل ليبيا إلى دولة توطين “ستكون له انعكاسات خطيرة”، معتبراً أن السياسات الأوروبية تتعامل مع الملف من منظور أمني ضيق يسهم في تفاقم الأزمة بدلاً من حلها.

وفي مواجهة محاولات جر ليبيا إلى مربع العزلة والتآمر، حذر المحلل السياسي عبد الله الديباني من أن نظرية “المؤامرة” التي يروج لها البعض أصبحت أداة لتفويت فرص التنمية والاستثمار.

ولفت إلى أن السيادة الحقيقية تبنى على “الشراكة الدولية القائمة على المصالح المتبادلة”، داعياً إلى استثمار المناخ الدولي الداعم للمؤسسة العسكرية لاستعادة ليبيا لدورها الفاعل.

أما المحلل السياسي سعد الدينالي فعبّر عن موقف العديد من الليبيين الذين بتوا على يقين بأن “الأجسام السياسية الموجودة الآن لا يمكن أبداً أن تصنع حلاً بل أصبحت هي مصدر الفوضى والفساد”.

وأكد الدينالي تأييده لأي مبادرة جادة، في إشارة إلى المبادرة الأمريكية للسلام، هدفها “الحفاظ على بقايا الدولة” من “سوس الفساد”، في مقابل مشاريع التدمير الممنهج الذي تتزعمه حكومة الدبيبة.

نحو الخلاص الوطني: بوابة الإعمار تبدأ من القضاء على الفوضى

في خضم هذه الصورة القاتمة، يتقدم المرشح لرئاسة الحكومة الموحدة، المهندس محمد المزوغي، برؤية تتجاوز صراعات المحاور.

دعا المزوغي إلى “النكفاء على الداخل الليبي” وإصلاح المؤسسات ومعالجة الأزمات، مؤكداً أنه لم يعد من المقبول أن تنشغل النخبة بصراعات خارجية “بينما بلادنا تعاني من الانقسام السياسي”.

تعكس دعوة المزوغي إلى علاقات متوازنة دون تدخل في شؤون الآخرين، إدراكاً بأن الخلاص لا يكون عبر الوصاية أو التبعية، بل عبر مؤسسة عسكرية وطنية قادرة على حماية السيادة ووقف نزيف الدم والمال.

إن الحقيقة التي تفرض نفسها اليوم، بعيداً عن جعجعة البيانات ومسرحيات الحوارات، هي أن ليبيا تقف على حافة الهاوية.

فمن جهة، هناك حكومة مؤقتة فقدت شرعيتها وفعاليتها، تتحول فيها طرابلس إلى ساحة حرب بين مليشيات تستخدم طائرات مسيرة لتصفية الحسابات تحت أنظار وزير داخلية ينتقد الأعيان عجزه.

ومن جهة أخرى، هناك مؤسسة عسكرية تنهض من تحت الركام، وتثبت يوماً بعد يوم أنها الوحيدة القادرة على فرض الأمن وجذب الاستثمارات وكسب ثقة العالم، لتنتشل ليبيا من براثن الفوضى والعبث وتعيدها دولة موحدة ذات سيادة كاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى