ليبيا

استقالة محافظ المركزي تطلق موجة انهيار غير مسبوقة للدينار والدولار يقفز إلى 9.18 ديناراً وسط صمت رسمي مطبق

الفساد المالي وهيمنة النفوذ تجبران محافظ مصرف ليبيا المركزي على الاستقالة.. ونواب يحذرون من انهيار شامل للاقتصاد الوطني.

ليبيا 24

استقالة محافظ المركزي.. انهيار العملة وتفكك الدولة في مواجهة الفساد المتجذر

في مشهد يعكس عمق الأزمة الهيكلية التي تعاني منها المؤسسات المالية والسيادية في ليبيا، تقدّم محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، الأحد الماضي، بطلب اعتذار عن الاستمرار في مهامه، موجهاً كتاب الاستقالة إلى رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، مع نسخة إلى رئيس المجلس الأعلى للدولة.

وجاءت هذه الخطوة في توقيت بالغ الحساسية، تزامنت مع انهيار متسارع لقيمة الدينار في السوق الموازية، حيث قفز سعر الدولار إلى 9.18 دنانير للحظة كتابة هذا التقرير، في مؤشر صارخ على فقدان الثقة في قدرة المؤسسة النقدية على الصمود أمام زحف الفساد وهيمنة النفوذ السياسي على مفاصل القرار المالي.

الإصلاحات التي تعثرت أمام عواصف النفوذ والإنفاق المفتوح

لم تكن استقالة المحافظ وليدة لحظة، بل جاءت بعد عامين من محاولات يائسة لإعادة هيكلة المالية العامة وضبط الإنفاق، اصطدمت بجدار من المصالح المتشابكة وقوى النفوذ التي تسيطر على القرار السياسي في البلاد.

ففي كتاب الاستقالة الذي حصل الموقع على نسخة منه، أشار عيسى إلى تقرير مفصل كان قد رفعه إلى رئيس البرلمان في الثاني من أغسطس الجاري، يتضمن حصيلة أداء مجلس إدارة المصرف خلال الفترة من أكتوبر 2024 إلى يونيو 2026، وهو تقرير يعكس -بحسب مصادر مطلعة- معاناة حقيقية في محاولة فرض حد أدنى من الانضباط المالي في ظل حكومة منتهية الولاية تتمسك بسلطاتها وتوسع دائرة الإنفاق بلا حسيب ولا رقيب.

وفي قراءة أولية للأسباب التي دفعت المحافظ إلى هذه الخطوة غير المسبوقة، يبرز المشهد الذي رسمه عضو مجلس الدولة سعيد محمد ونيس، الذي حمّل، في منشور له على فيسبوك، “الزيادة العشوائية في المرتبات، والضغط باتجاه عدم التقيد بمبدأ الإنفاق الموحد، إلى جانب تدني مستوى توريد الإيرادات النفطية إلى مصرف ليبيا المركزي، وأخيراً الاستحواذ على البنوك التجارية بما في ذلك جمعياتها العمومية، وفرض مجالس إدارات دون الرجوع إلى المصرف”.

وهذه العوامل جميعها، وفق ونيس، “شكّلت ضغوطاً متزايدة على المحافظ وأجبرته في النهاية على طلب الإعفاء”.

وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن لمؤسسة نقدية مستقلة أن تؤدي دورها في ظل منظومة تدار من مراكز نفوذ موازية لا تعترف إلا بمنطق المحاصصة والهيمنة على المال العام؟ وهو السؤال الذي أجاب عنه عضو مجلس الدولة الآخر سعد بن شرادة، بتصريح اعتبره مراقبون “تفريغاً لمسؤولية المصرف المركزي وإعادتها إلى نصابها”.

إذ أكد بن شرادة أن “المصرف المركزي مناط به رسم وتنفيذ السياسة النقدية والمحافظة على الاستقرار المالي، وفقاً للمعطيات الاقتصادية، وفي مقدمتها الإيرادات وحجم الإنفاق”، مضيفاً أن “ما يحدث اليوم من إسهاب في الإنفاق وتوسع في المصروفات وغياب واضح للترشيد، إلى جانب مظاهر الفساد المالي، لا يمكن تحميل مسؤوليته للمركزي وحده، بل تتحمله الحكومات والجهات التنفيذية باعتبارها صاحبة القرار في الإنفاق وإدارة المال العام”.

وبلهجة أكثر حدة، ذهب بن شرادة إلى التشديد على أن “هناك اتفاقاً على تنظيم الإنفاق وتوحيده لكنه لم يُطبَّق حتى الآن بالصورة التي تحقق الانضباط المالي المطلوب”، مختتماً تصريحه بعبارة لخصت مأساة المشهد الليبي برمته: “لا يمكن بناء اقتصاد مستقر بإنفاق مفتوح وإيرادات محدودة، ولا يمكن تحميل مؤسسة نقدية وحدها نتائج سياسات مالية تُتخذ خارج نطاق اختصاصها”.

سعر الصرف ليس مجرد رقم.. بل مؤشر على مرض اقتصادي خطير

في الأثناء، كان الدولار يواصل صعوده في السوق الموازية مسجلاً 9.18 دنانير في أسواق المشير للعملات بطرابلس وفينيسيا ببنغازي ومصراتة وزليتن، فيما بلغ مستوى 9.35 دنانير عند التعامل عبر الصكوك والحوالات المصرفية، وهو ما اعتبره الخبير الاقتصادي علي الشريف، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، “مؤشراً على مرض اقتصادي خطير قد يستفحل إذا تأخرت المعالجة”.

وقال الشريف في منشور له على فيسبوك: “ارتفاع سعر الصرف ليس المشكلة بذاته، ولكنه ناقوس خطر يتطلب وقفة جادة من الجميع أمام تفاقم الفساد والتدهور الاقتصادي، مع ضرورة وقف التوسع في الإنفاق العام والحد من الهدر، ومعالجة الانخفاض غير المبرر في الإيرادات”.

لم يكن الشريف وحده في هذا الموقف، بل انضم إليه الإعلامي طه البوسيفي، الذي أشار في تدوينة إلى أن “سبب استقالة ناجي عيسى يعود إلى تعطل كل جهود إصلاح المالية العامة والسياسة التجارية، واستمرار هدر الأموال وهيمنة أصحاب النفوذ على القرار السياسي والمالي والإداري، والتدخل في عمل مؤسسات الدولة”، مطلقاً جملة تلخص مأساة المؤسسة النقدية: “والمركزي حاول بشتى الطرق ولكنه لن يتحمل فشل غيره”.

وهنا يبرز التناقض الصارخ بين بيانات المصرف المركزي التي تؤكد ارتفاع بند المرتبات إلى نحو 95 مليار دينار، ودعم الوقود الذي يشهد تهريباً منظمًا يكبد الخزانة خسائر تقدر بنحو 28 ملياراً سنوياً، وبين الإيرادات النفطية المتدنية التي تصل إلى المصرف نتيجة عمليات تهريب النفط والغاز وعدم الشفافية في عقود التصدير.

وفي هذا السياق، علّق ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي بأن “استقالة عيسى جاءت بعد أن أيقن أن الإصلاح مستحيل في ظل حكومة الدبيبة التي تحولت إلى شركة عائلية لنهب المال العام”.

الشارع الليبي بين اليأس والمطالبة بالمحاسبة

في التفاعلات المباشرة مع خبر الاستقالة، عبّر رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن موجة من الغضب والإحباط، معتبرين أن المشهد يؤكد مرة أخرى أن الدولة أصبحت رهينة لمصالح ضيقة. وكتب أحد الناشطين قائلاً: “اللي صار شيء طبيعي جداً.. لو تجيبوا أفضل محافظ بنك مركزي في العالم مش حيقدر يخدم ويدير وسط هؤلاء اللصوص والميليشيات وتجار الدين”.

وفي إشارة مباشرة إلى رئيس الحكومة، علق آخر: “عبد الحميد الدبيبة ما فيش حد أقاله من منصبه إلا وزاد الحال أسوأ من قبله”، مضيفاً: “قلناها لكم، راهو موضوعه عائلة الدبيبة أو كل من يخدمهم يحطهم في المناصب باش يزيد ثراء هذه العائلة المارقة من فلوس الشعب”.

لكن ثمة صوتاً آخر طالب بفضح المتورطين، إذ كتب ناشط: “استقالة ناجي عيسى بعد وصول الدولار إلى 9 دينار، ومن دون ذكر أسباب واضحة، تطرح أسئلة أكبر من مجرد الاستقالة. إذا كانت هناك ضغوط أو أطراف متورطة، فعليه أن يخرج ويقول للشعب الحقيقة: من المسؤول عن هذا الانهيار؟ الصمت في هذه الظروف ليس مقبولاً، وارتفاع الدولار يعني ارتفاع الأسعار وزيادة المعاناة”.

وفي تعليق آخر، دعا ناشط إلى رفض الاستقالة، معتبراً أن “التسويف في الإصلاحات هو الذي أدى إلى هذا الوضع”، وكتب: “نصيحة لا تقبلوا استقالة ناجي عيسى، ووافقوا على أي إصلاحات طلبها المركزي، فقدموا تنازلات، لأن انهيار الاقتصاد والعملة هو انهيار ليبيا بالكامل”.

أما أستاذ القانون بجامعة درنة، راقي المسماري، فذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن “استقالة المحافظ ناقوس خطر ينذر بانهيار اقتصاد البلاد وعملتها النقدية، وتدخل الشعب والمؤسسات في مرحلة فارقة ومفصلية تتطلب معالجتها اتخاذ قرارات مصيرية من أجل المحافظة على الاستدامة المالية”.

وهذا التحذير يتسق مع ما ذكره عضو مجلس النواب علي السباعي، الذي شدد في منشورين متتاليين على أن “أكل أموال الناس يتم غالباً عبر التبريرات الساقطة والتأويلات الفاسدة”، مستطرداً: “أما السرقة المباشرة بأن يضع أحدهم يده في جيب أخيه، فهذه قليلة في الناس، إذ إن أكثر الناس لا يسرقون أموال الآخرين قبل أن يسرقوا من أنفسهم شعورهم بقبح ما يفعلون”.

أبعاد أمنية ومستقبلية.. الفوضى والسلاح عنوان المرحلة

لم تقتصر تداعيات الاستقالة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى البعدين الأمني والسياسي، حيث رأى عضو لجنة الحوار المهيكل أشرف بودوارة، في منشور له، أن “الدولة لا تبنى ببقاء المليشيات والفوضى”، مستحضراً الذكرى 86 لتأسيس الجيش الليبي، ومؤكداً أن “لا تُبنى الدولة بتعدد الجيوش ولا ببقاء المليشيات، ولا يمكن أن تكون هناك سيادة حقيقية ما دام السلاح خارج إطار المؤسسة العسكرية الرسمية”.

وهو موقف يربط مباشرة بين انهيار المؤسسة النقدية وتفكك المؤسسة العسكرية، وكأنهما وجهان لعملة واحدة هي غياب الدولة الجامعة.

وفي هذا السياق، ذهب عضو الحوار المهيكل عبد الرحيم الشيباني إلى الحديث عن ثلاثة اجتماعات حاسمة ستحدد ملامح المرحلة المقبلة: اجتماع المجموعة المصغرة في تونس، ولقاء الرئاسات الثلاث في باريس، وجلسة مجلس الأمن في نيويورك.

وتساءل الشيباني: “من سيصوغ المرحلة المقبلة، وبأي ضمانات، وتحت أي مظلة؟”، في إشارة إلى حالة الفراغ السياسي التي تزداد عمقاً مع كل استقالة أو أزمة مؤسسية.

التحليل العميق: حين تصبح الأزمة وطناً

في قراءة أوسع، يمكن القول إن ما يحدث اليوم في ليبيا ليس مجرد أزمة حكومة أو صراع على منصب محافظ مصرف، بل هو انعكاس لحالة انحطاط أخلاقي وسياسي طالت مفاصل الدولة كلها.

فالمحلل السياسي حسام الفنيش اختصر المشهد بعبارة قاسية: “نحو 50 في المئة من أطفال ليبيا يعانون فقراً غذائياً ومياه غير صالحة للشرب وكهرباء تنقطع لساعات طويلة ودولار يتجاوز تسعة دنانير في بلد نفطي، فيما تتداول الأنباء عن استقالة المحافظ على خلفية الهيمنة على المصرف وتغوّل النفوذ”.

وتساءل الفنيش بمرارة: “كيف تتحول الثروة إلى عبء على شعبها؟ وكيف تصبح مؤسسات الدولة التي يفترض أن تحمي المال العام جزءاً من دائرة الصراع والشك؟”. وخلص إلى تحذير صارخ: “الأخطر ليس أن يكتئب الشعب، بل أن يعتاد الاكتئاب، وأن يصبح الفقر طبيعياً والفساد مألوفاً وانقطاع الخدمات قدراً”.

وهذه النظرة الشاملة تقود بالضرورة إلى استنتاج مفاده أن استقالة ناجي عيسى ليست نهاية المأساة، بل قد تكون بداية فصل جديد من الانهيار، ما لم تتكاتف القوى الوطنية لفرض حلول جذرية تبدأ بتوحيد السلطة التنفيذية، وإنهاء حالة الازدواج المؤسسي، وإخضاع جميع الإيرادات والنفقات لرقابة موحدة، ومحاسبة المتورطين في الفساد، وهو ما يتطلب إرادة دولية فاعلة، لكنها إرادة غابت طويلاً أمام المصالح المتضاربة للقوى الكبرى في ليبيا.

وبينما يواصل الدولار صعوده، ويبحث الليبيون عن إجابة لسؤال “إلى أين نمضي؟”، تظل الحقيقة الأكثر إيلاماً هي أن المركزي، بصفته الحارس الأخير للقيمة النقدية، قد أصبح اليوم واحداً من ضحايا الفوضى، وقبل ذلك، كان الشاهد على عجز كل محاولات الإصلاح في مواجهة آلة الفساد التي تديرها حكومة منتهية الولاية، مدعومة بمليشيات مسلحة ونفوذ سياسي لا يخضع لأي رقابة.

الخلاصة:

إن المشهد الليبي اليوم يشبه سفينة تغرق في بحر هائج، والنقيب يتنحى، والركاب يتشاجرون على مقاعد النجاة، بينما تتحول الثروة النفطية إلى لعنة يومية تطارد المواطن في ارتفاع الأسعار وانقطاع الخدمات، وفي غياب أي بوادر لإصلاح حقيقي، تظل استقالة محافظ المركزي مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانهيارات التي تنتظر بلداً أضاع فرصته الذهبية في بناء دولة مستقرة، وأصبح رهينة لحفنة من المتنفذين الذين لا يريدون للدولة أن تقوم لأنهم يربحون من خرابها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى