خالد السعداوي في نعي مهيب: دماء المنصوري أمانة في عنق الدولة.. والقيادة العامة ماضية بلا تردد
الحكومة الليبية تتوعد بتجفيف منابع الإرهاب وملاحقة القتلة
ليبيا 24
السعداوي: اغتيال المنصوري جريمة إرهابية لن تنال من الدولة
في بيان يقطر وجعاً ويضرب بصلابة في وجه الموجة الإرهابية التي تحاول اغتيال هيبة الدولة الليبية، خرج وزير الدولة لشؤون الاتصال بالحكومة الليبية خالد السعداوي عن صمته بنعي رسمي حمل في طياته رسالة حزن وعهد، ومزج بين لغة الإدانة التي لا تقبل التأويل ومنطق الدولة التي لا تقبل المساومة على دماء أبنائها.
البيان الذي نعى فيه الشهيد اللواء فوزي المنصوري مدير إدارة الاستخبارات العسكرية، لم يكن مجرد برقية تعزية عابرة، بل كان إعلاناً سياسياً وأمنياً واضحاً بأن العدو الذي اغتال رمزاً من رموز المؤسسة العسكرية قد وضع نفسه في مرمى الرد الذي لا مرد له.
اغتيال في عمق المؤسسة: رسالة الغدر وطبيعة الرد
منذ كلماته الأولى حدد السعداوي طبيعة الجريمة التي امتدت إليها يد الغدر والإرهاب، واصفاً إياها بأنها “جريمة آثمة تستهدف أحد رجال الدولة والقوات المسلحة الذين أفنوا جانباً من حياتهم في خدمة الوطن والدفاع عن أمنه واستقراره”.
في هذا التوصيف المقتضب والبليغ، لم يترك الوزير مجالاً للبس، فالشهيد ليس مجرد فرد، بل هو امتداد لمؤسسة، والجريمة ليست تصفية شخصية بل محاولة اختراق رمزي وعملياتي لأجهزة الدولة التي يقودها المشير خليفة حفتر.
وجاء التأكيد على أن هذه الجريمة “لن تنال من عزيمة الدولة أو إرادة مؤسساتها في مواجهة الإرهاب وتجفيف منابعه وملاحقة مرتكبيه ومن يقف خلفهم” ليكشف عن فلسفة المواجهة التي تتبناها القيادة العامة والحكومة الليبية معاً: لا ترهل ولا تردد، بل تجفيف من المصدر وملاحقة حتى النهاية.
إنها معادلة أمنية ترتكز على أن الضربة التي تستهدف رأس الاستخبارات لا يمكن أن تمر كحدث عابر، بل هي اختبار لإرادة الدولة بأكملها، والرد عليها يجب أن يكون بقوة المؤسسة الموحدة التي لا تقبل بأن تُقابل دماء شهدائها بصمت أو تراخ.
القيادة العامة والحكومة في خندق واحد: عزم لا يلين
وإذا كان البيان قد صدر عن وزير الاتصال، فإن مضمونه يعكس انسجاماً تاماً بين الحكومة الليبية والقيادة العامة للقوات المسلحة، وهو انسجام أكد عليه السعداوي عندما شدد على أن “القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية، ومن بعدها الحكومة الليبية، ماضية بعزم وثبات في طريق مكافحة الإرهاب ومقاومة كل أشكال التطرف والعنف والجريمة المنظمة، دفاعاً عن أمن الوطن وسلامة مواطنيه وصوناً لسيادة الدولة وهيبة مؤسساتها”.
في هذه العبارة تتجلى صورة الدولة التي تعمل كجسد واحد؛ قيادة عسكرية صلبة يقودها المشير حفتر، وحكومة مدنية تدرك أن الأمن هو العمود الفقري لأي مشروع سياسي، وأن أي تهاون مع الإرهاب هو انتحار للدولة قبل أن يكون خيانة للشهيد.
الرسالة هنا مزدوجة: تطمئن الداخل الليبي بأن مؤسساتهم متماسكة ولا تتصدع تحت الضربات الغادرة، وتحذر الخارج الذي يراهن على إضعاف الجيش من أن كل اغتيال يزيد المؤسسة العسكرية إصراراً على المضيّ في تطهير الأرض من رجس التطرف.
ولعل الربط بين مكافحة الإرهاب ومقاومة “كل أشكال التطرف والعنف والجريمة المنظمة” يشير إلى إدراك القيادة أن التنظيمات المتطرفة لا تعمل في فراغ، بل هي جزء من شبكة معقدة تشمل الجريمة المنظمة التي تغذي العنف بالمال والسلاح، وأن الحرب عليها يجب أن تكون شاملة لا تقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة.
لا تمرير للجريمة: العدالة السيادية ورفض الإفلات من العقاب
من أشد العبارات وقعاً في بيان الوزير السعداوي تلك التي حسمت الجدل حول مصير هذه القضية: “ولا يمكن أن تمر هذه الجريمة مرور الكرام، أو أن تُقيد ضد مجهول؛ فدماء الشهداء أمانة، والعدالة حق، والدولة التي تواجه الإرهاب لا تتراجع أمامه ولا تسمح بأن تتحول جرائمه إلى أمر واقع”.
هنا ينتقل الخطاب من مستوى الإدانة إلى مستوى الالتزام السيادي؛ الدولة الليبية بقيادة المشير حفتر وحكومتها لا تقبل بمنطق “ضد مجهول” الذي طالما كان ثغرة تتسلل منها الجماعات الإرهابية للإفلات من العقاب.
إن وضع دماء الشهيد المنصوري في مرتبة “الأمانة” هو اعتراف بأن الحق العام والخاص معلقان في عنق المؤسسة حتى يتحقق القصاص.
هذا الموقف يرفض بشكل مطلق سيناريوهات المصالحة مع المتطرفين التي جرّبتها أطراف أخرى وانتهت إلى مزيد من الغدر، تماماً كما حدث مع رموز سياسية سابقة راهنت على إدماج الجماعات المتشددة فكان المآل خيانة وطعنات في الظهر.
في بيان السعداوي تتجسد عقيدة الدولة التي يبنيها الجيش: عدالة ناجزة، وملاحقة مستمرة، ورفض كامل لأي شكل من أشكال الإفلات من العقاب.
الوجع الإنساني وبوصلة التعزية: رسالة إلى عائلة الشهيد والشعب
لم يغفل البيان، رغم صلابته السياسية والأمنية، البعد الإنساني العميق، فالسعداوي تقدم “بخالص التعازي وصادق المواساة إلى أسرة الشهيد وذويه ورفاقه في القوات المسلحة وإلى عموم الشعب الليبي”، مستخدماً لغة تكشف أن الجريمة ليست خسارة لمؤسسة الاستخبارات وحدها، بل هي جرح في جسد كل أسرة ليبية رأت في الجيش حامياً وسنداً.
واختتم البيان بالدعاء التقليدي الذي يحمل في التراث الليبي والعربي معاني التسليم والاحتساب: “رحم الله الشهيد اللواء فوزي المنصوري، وتقبله في عداد الشهداء، وألهم أهله وذويه ورفاقه جميل الصبر وحسن العزاء.
إنا لله وإنا إليه راجعون”. هذا الختام لم يضعف من قوة البيان السياسية، بل عززها بأن جعل من العقيدة الدينية والوطنية دافعاً إضافياً لعدم التفريط في الحق والقصاص. فالشهيد الذي يُسأل عنه أمام الله هو نفسه الشهيد الذي يُسأل عنه أمام الوطن، وفي الحالتين لا يجوز التساهل أو التباطؤ.
السعداوي والخطاب الحكومي الجديد: اتصال استراتيجي في زمن المواجهة
يعكس بيان الوزير خالد السعداوي نموذجاً للخطاب الحكومي الذي يتجاوز البلاغات الجافة إلى أداء تواصلي يدرك أن الكلمة في زمن الحرب على الإرهاب
هي جزء من المعركة. فالسعداوي، بصفته وزيراً للاتصال، لم يقدم تعزية بقدر ما قدم خارطة طريق معنوية وسياسية: الحزن لا يلغي الفعل، والدولة التي تبكي شهداءها هي ذاتها التي تخرج في اليوم التالي لتطارد القتلة.
هذا التناغم بين النبرة العاطفية المنضبطة والصرامة المؤسسية هو ما يميز الخطاب السيادي للدولة الليبية بقيادة المشير حفتر؛ دولة ترى في الأمن شرطاً للوجود، وترفض أن تحولها دموع المصاب إلى عجز.
البيان يخاطب الشعب الليبي ليجدد ثقته في جيشه وحكومته، ويخاطب الخصوم ليدركوا أن اغتيال القادة لن يفت في عضد المؤسسة، ويخاطب المجتمع الدولي ليؤكد أن هناك في ليبيا دولة تحارب الإرهاب نيابة عن العالم، وتدفع ثمن ذلك من دماء خيرة رجالها.
في هذا السياق، يتحول النعي إلى وثيقة سياسية، والتعزية إلى تعبئة، والكلمات إلى ذخيرة في معركة الوجود الوطني التي يقودها المشير خليفة حفتر وتلتف حولها الحكومة الليبية بكل ثقلها.



