ليبيا

جريمة “التريلة”.. جريمة إخفاء قسري لسيدة تهز الليبيين وتفضح انهيار الأمن

‎عشرون يوماً من العذاب الصامت واستباحة الأعراض تحت غطاء الخلافات العائلية

ليبيا 24:

جريمة “التريلة” في ليبيا.. حين تصبح المرأة فريسة والفوضى حكماً

في مشهد يعيد تعريف مفاهيم الإنسانية في بلد مزقته الحروب، هزت جريمة بشعة الرأي العام الليبي، كشفت عن حجم الهاوية التي تساقطت إليها المنظومة الأخلاقية والقانونية، في ظل غياب شبه كامل لدولة القانون واستشراء الفوضى التي تغذيها المليشيات والمرتزقة.

انكشفت تفاصيل جريمة هزت ضمير الليبيين، حين أفصحت عضوة لجنة الحوار المهيكل، آسيا الشويهدي، في منشور لها، عن مقتل سيدة في ظروف وصفت بالبشعة، بعد أن قضت عشرين يوماً محتجزة في تريلة مغلقة، بدون طعام ولا شراب ولا علاج، لتفارق الحياة وحيدة، قبل أن ينتفخ جسدها ويصبح شاهداً على جريمة نكراء.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الجريمة لم تقتصر على الحبس والترك للموت، بل سبقها تعذيب جسدي ونفسي على يد أقارب، وسط تهديدات صريحة بإزهاق الروح وتركها تموت جوعاً، في مشهد يعيد إلى الأذهان تساؤلات مؤلمة حول مصير الدولة الليبية ومستقبلها، وحول كيفية تحول المجتمع إلى بيئة حاضنة للعنف واستباحة الحرمات.

دولة غائبة ومليشيات حاضرة

في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة المنتهية ولايتها برئاسة عبدالحميد الدبيبة عن الاستقرار والتنمية، تشهد الشوارع الليبية تفشياً للفوضى وغياباً شبه كامل لدور الأجهزة الأمنية النظامية.

لقد خلت الساحة من وجود الدولة الفاعل، لتحل محلها المليشيات المسلحة والجماعات الخارجة عن القانون، التي تغذيها أجندات خارجية وتحكمها مصالح ضيقة لا تمت بصلة لمصلحة الوطن والمواطن.

هذه المليشيات، التي باتت تتحكم في مفاصل الدولة وتتقاسم النفوذ والثروة، هي الوجه الآخر لهذه الجرائم المروعة.

ففي ظل غياب الأمن وتفلت الأيدي، تصبح حياة المواطن الليبي سلعة رخيصة، والمرأة تحديداً تدفع الثمن الأغلى، إذ تتحول إلى فريسة سهلة في بيئة يسودها الإفلات من العقاب وتغيب فيها أبسط معايير العدالة.

فما بالنا بسيدة لا تملك من أمرها شيئاً، تترك عشرين يوماً دون أن يسأل عنها جار أو قريب، ودون أن تتحرك أي جهة رسمية لإنقاذها أو حتى السؤال عن مصيرها؟

اقتصاد الفوضى وتجارة المعاناة

لا يمكن قراءة هذه الجريمة بمعزل عن المشهد الاقتصادي المتردي في ليبيا، حيث تحكم المليشيات مرافق الدولة الحيوية، من موانئ نفطية إلى معابر حدودية، وتتاجر بالثروة الوطنية كغنيمة حرب.

في هذا السياق، يصبح الصراع على الميراث، كما تشير الروايات في هذه القضية، انعكاساً مصغراً لصراع أكبر على الثروات والموارد، حيث تغيب القيم وتتسع دائرة الطمع في غياب رادع قانوني.

المرأة الليبية، التي تعاني أصلاً من تهميش قانوني واجتماعي، تتحمل وطأة هذا الاقتصاد المفكك، إذ تفتقر الدولة إلى أحكام قانونية واضحة لمنع العنف الأسري ومعاقبة الجناة وحماية الضحايا.

في غياب الحماية القانونية والرقابة المجتمعية، تتضاعف معاناة النساء اللواتي يصبحن عرضة للعنف والاستغلال، دون أن يجدن ملاذاً أو جهة تحمي حقوقهن.

وتتحول قضايا الميراث والنزاعات العائلية إلى ساحات للصراع الدموي، خصوصاً في غياب مؤسسات قضائية قادرة على الفصل في المنازعات بإنصاف.

المرتزقة واستباحة الحرمات

يزيد تواجد المرتزقة والجماعات المسلحة الأجنبية من تعقيد المشهد الليبي، حيث يساهم هؤلاء في خلق بيئة من الفوضى وعدم الاستقرار، تجعل من استباحة الحرمات أمراً عادياً.

هذه الجماعات، التي تحركها أجندات خارجية، لا تلتزم بالقوانين المحلية ولا تحترم العادات والتقاليد، مما يوسع دائرة الانتهاكات بحق المواطنين.

في هذا السياق، تبرز تساؤلات حول كيفية الحديث عن بناء دولة ومؤسسات، في وقت تترك فيه المواطنات عرضة للقتل والتعذيب دون أن تتحرك الدولة لإنقاذهن أو تحقيق العدالة لهن.

وكيف للمجتمع الدولي أن يغض الطرف عن هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والتي ترقى إلى جرائم دولية بكل المقاييس، في وقت تتصدر فيه شعارات حقوق الإنسان وتمكين المرأة واجهة الخطاب السياسي دون أي أثر على الأرض.

ازدواجية الشعارات وسقف الصمت

أشد ما يؤلم في هذه الواقعة، كما عبرت عن ذلك الشويهدي، هو التشدق بالشعارات الدينية والقانونية في مجتمع يستسهل أفراده القتل والتعذيب.

لقد تحول قتل النساء والتعدي عليهن إلى ظاهرة مقلقة، وأصبحت المرأة فريسة لمجتمع يبرر الاعتداء عليها بمختلف الذرائع، في غياب تام للحسيب والرقيب.

السكوت على هذه التجاوزات، بحسب ما خلص إليه منشور الشويهدي، يشرعن لزمن لا يأمن فيه أحد على حياته. المطالبة بالتحقيق الشفاف ومحاسبة الجناة وتفعيل دولة القانون ليست رفاهية، بل هي صمام الأمان الوحيد لمنع سقوط المجتمع في هاوية الفوضى المطلقة.

إن ترك هذه الجرائم تمر دون عقاب يرسخ ثقافة الإفلات من المساءلة، ويشجع على ارتكاب المزيد منها، في حلقة مفرغة لا نهاية لها.

نحو دولة القانون

إن قصة هذه السيدة ليست مجرد حادثة فردية، بل هي مرآة تعكس واقعاً أليماً تعيشه المرأة الليبية في ظل فوضى عارمة وغياب أمني وقضائي خانق. إنها نموذج مصغر لمعاناة شعب بأكمله، يئن تحت وطأة الانقسامات والصراعات، ويفتقد أبسط مقومات الحياة الكريمة.

كما أكدت الشويهدي في منشورها، فإن الميت لا يقدر على الدفاع عن روحه، لكن الحق يستطيع أن يتكلم. وحان الوقت لكي يستيقظ الضمير، وتتحدث العدالة بلغة القانون والقصاص العادل، بعيداً عن الشعارات الجوفاء والادعاءات الكاذبة.

فالقضية ليست قضية هذه السيدة فقط، بل قضية كل امرأة ليبية تعيش في خوف وترقب، وقضية وطن يبحث عن خلاصه من براثن الفوضى والانقسام.

فهل آن الأوان لتفعيل دولة القانون ومحاسبة الجناة، أم أننا سنظل ننتظر حتى تصبح هذه الجرائم هي القاعدة وليس الاستثناء؟ وهل سيكون لهذه الجريمة صوت يعلو فوق ضجيج الصراعات السياسية، أم ستبقى مجرد رقم في سجل الفوضى الليبية الطويل؟

برأيك.. هل ستتمكن حكومة الدبيبة من كشف ملابسات جريمة هذه السيدة ومحاسبة الجناة، أم ستبقى هذه الجريمة وغيرها طيّ النسيان في ظل غياب القانون واستشراء الفوضى؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى