سقف النقد الأجنبي في ليبيا.. معيار ضريبي يثير مخاوف العدالة والرقابة
آلية جديدة وسط تساؤلات حول دقة البيانات وإنصاف الشركات

اعتمدت وزارة الاقتصاد والتجارة في حكومة الدبيبة آلية جديدة لتحديد سقوف النقد الأجنبي المتاح للشركات لتمويل تجارتها الخارجية، في خطوة تستهدف ربط الحصول على العملة الصعبة بحجم النشاط الاقتصادي الفعلي، بدلًا من تركه رهينًا بحجم الطلب على الاعتمادات والتحويلات.
وبموجب الآلية، يُحدد السقف السنوي لكل شركة على أساس 30 ضعف متوسط ضريبة الدخل المسددة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، إضافة إلى عشرة أضعاف متوسط ضريبة الرواتب والأجور خلال الفترة نفسها.
معيار ضريبي قد لا يعكس القوة المالية
ورغم أن ربط سقوف التعاملات الخارجية بالضرائب يمثل محاولة للحد من المضاربة وإعطاء الأولوية للشركات ذات النشاط الحقيقي، فإن الاعتماد على الضرائب والتشغيل كمؤشرين رئيسيين يثير مخاوف بشأن مدى دقتهما في قياس القدرة المالية الفعلية للشركات.
فالضرائب تعكس جانبًا من النشاط المعلن، لكنها لا تقدم بالضرورة صورة متكاملة عن حجم المبيعات أو السيولة أو التدفقات النقدية أو قدرة الشركة على الوفاء بالتزاماتها، كما أن ارتفاع عدد العاملين لا يعني تلقائيًا امتلاك الشركة قدرة أكبر على تمويل الواردات.
ويشير المحلل الاقتصادي طارق الصرماني في تصريحات رصدتها ليبيا 24 إلى أن المعادلة تبدو منطقية من حيث المبدأ، لكنها قد تنتج نتائج عكسية إذا لم تكن البيانات الضريبية دقيقة، أو إذا أصبحت الشركات الجديدة محرومة عمليًا من الوصول إلى النقد الأجنبي لعدم امتلاكها سجلًا ضريبيًا يغطي ثلاث سنوات.
الشركات الجديدة أمام اختبار صعب
ومن أبرز أوجه القصور المحتملة في الآلية الجديدة أنها قد تضع الشركات حديثة التأسيس في وضع تنافسي غير متكافئ، إذ إن غياب سجل ضريبي لثلاث سنوات قد يحرمها من سقف مناسب للتعاملات الخارجية، حتى إذا كانت تتمتع برأس مال كافٍ ونشاط تجاري حقيقي.
كما أن ربط التمويل الخارجي بسجل ضريبي سابق قد يؤدي إلى تكريس الأفضلية للشركات القائمة بالفعل، بدلًا من تشجيع دخول شركات جديدة إلى السوق وتعزيز المنافسة.
مخاطر التلاعب بجودة البيانات
وتبقى جودة البيانات حجر الزاوية في نجاح الآلية، خصوصًا أن رفع سقف النقد الأجنبي قد يصبح حافزًا لبعض الشركات للتلاعب بالإقرارات الضريبية أو تضخيم أعداد العاملين المسجلين لديها.
وحذر خبير التمويل والمصارف جمعة المنتصر بالله في تصريحات رصدتها ليبيا 24 من أن الاعتماد على ضريبة الرواتب كمؤشر على حجم التشغيل لا يوفر بالضرورة قياسًا دقيقًا للقدرة التمويلية، مشيرًا إلى أن شركة كثيفة العمالة قد تكون ضعيفة ماليًا، في حين يمكن لشركة أخرى تحقيق حجم أعمال كبير بعدد محدود من الموظفين.
وتعني هذه الثغرة أن الآلية قد تكافئ بعض المؤشرات الشكلية للنشاط بدلًا من النشاط التجاري الحقيقي، ما لم تقترن بمنظومة تدقيق ومطابقة دقيقة بين البيانات الضريبية والمصرفية والتجارية.
الحاجة إلى معايير أوسع
ويرى المنتصر بالله أن تقييم الشركات يجب ألا يتوقف عند الضرائب والتشغيل، بل يشمل حجم المبيعات الفعلية، والتدفقات النقدية، ورأس المال العامل، وانتظام السداد المصرفي، وحجم الواردات السابقة، والقدرة على الوفاء بالالتزامات.
وتبدو هذه المعايير أكثر قدرة على تقديم صورة متكاملة عن احتياجات الشركات، خصوصًا في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النقد الأجنبي لتمويل الواردات، فيما تأتي الإيرادات النفطية في صدارة مصادر العملة الصعبة.
من تنظيم الطلب إلى إدارة المخاطر
وتأتي الآلية في وقت تواجه فيه ليبيا ضغوطًا متزايدة على سوق النقد الأجنبي، بالتزامن مع ارتفاع الطلب على العملة الصعبة واتساع الفارق بين السعر الرسمي والسعر المتداول في السوق الموازية.
ومن ثم، فإن التحدي لا يتعلق فقط بتحديد من يحصل على النقد الأجنبي، وإنما بكيفية ضمان توجيهه إلى النشاط الاقتصادي المنتج ومنع تسربه إلى المضاربة أو الاستيراد الوهمي.
وفي ظل شح الموارد الدولارية واعتماد الاقتصاد الليبي على النفط، فإن عدالة توزيع النقد الأجنبي لا تتوقف على وضع معادلة حسابية واضحة، بل تتطلب قاعدة بيانات موثوقة، ورقابة مصرفية وضريبية فعالة، ومعايير مالية قابلة للقياس والتدقيق، وإلا فإن الآلية الجديدة قد تعيد توزيع المشكلة بدلًا من معالجة جذورها.



