ليبيا

البلاك أوت في ليبيا يتجاوز الكهرباء إلى أزمات مؤسسات الدولة

انقطاعات الكهرباء تكشف خللاً أوسع في الصحة والتعليم والخدمات وتفتح باب المساءلة

لم تعد أزمة انقطاع الكهرباء في ليبيا مجرد مشكلة خدمية مرتبطة بطرح الأحمال وخروج وحدات التوليد من الخدمة، بل باتت، وفق انتقادات متصاعدة، مؤشراً على أزمات أعمق تمتد إلى قطاعات الصحة والتعليم والمواصلات والخدمات العامة، وسط مطالب بفتح تحقيقات جدية في أسباب استمرار الأزمة وتحديد المسؤوليات.

الكهرباء.. أزمة تتجاوز الظلام

قال الخبير الاقتصادي فوزي عمار إن تكرار انقطاعات الكهرباء حوّل ما يعرف بـالبلاك أوت إلى جزء من الحياة اليومية للمواطن، بما يفرض أعباء إضافية على الأسر والطلاب والمرضى والمنشآت الحيوية.

ويرى عمار أن المشكلة لا تقف عند ضعف إنتاج الكهرباء، وإنما تعكس غياباً أوسع للتخطيط وضعفاً في إدارة الموارد والمرافق العامة، محذراً من أن استمرار معالجة الأزمات بصورة منفصلة قد يحجب الأسباب الهيكلية التي تقف وراءها.

الصحة والتعليم تحت ضغط الأزمات

وانتقد عمار أوضاع القطاع الصحي، مشيراً إلى ما وصفه بتعطل بعض الأجهزة ونقص الأدوية والكوادر في عدد من المؤسسات الصحية، معتبراً أن الأزمة الصحية ترتبط أيضاً بمشكلات الإدارة والانتظار ومحدودية الإمكانات.

وفي قطاع التعليم، أشار إلى تحديات تشمل المناهج والكتب المدرسية واكتظاظ الفصول وأوضاع المعلمين، محذراً من أن استمرار هذه الاختلالات ينعكس على قدرة المؤسسات التعليمية على بناء أجيال قادرة على البحث والابتكار والمنافسة.

الطرق والمواصلات.. كلفة إضافية على المواطن

كما ربط الخبير الاقتصادي بين أزمة الكهرباء وتعطل إشارات المرور والازدحام، إلى جانب تردي البنية التحتية وأزمات الوقود، معتبراً أن هذه المشكلات لا تزيد فقط من معاناة المواطنين، بل تستنزف الوقت والموارد وتضاعف الكلفة الاقتصادية اليومية.

وتكشف هذه الصورة عن ترابط واضح بين أزمات القطاعات المختلفة، إذ يمكن لتعطل خدمة أساسية واحدة أن ينعكس سريعاً على قطاعات أخرى، بما يجعل المعالجة الجزئية أقل قدرة على تحقيق نتائج مستدامة.

مطالب بالتحقيق والمساءلة

في السياق ذاته، أعربت المؤسسة الليبية لدعم استقلال القضاء وسيادة القانون عن بالغ القلق إزاء استمرار انقطاع الكهرباء، معتبرة أن الحصول على الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الماء والكهرباء، يندرج ضمن الحقوق الأساسية للمواطن.

وقالت المؤسسة إن استمرار الانقطاعات، خصوصاً خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة، يثير شبهات تتعلق بالتقصير والفساد وسوء الإدارة، داعية النائب العام إلى فتح تحقيق شامل وشفاف لتحديد الأسباب والمسؤولين عن الأزمة.

وطالبت المؤسسة بمحاسبة كل من يثبت تورطه، سواء بالتقصير أو الفساد أو الإهمال، وإحالته إلى العدالة، في رسالة تعكس انتقال ملف الكهرباء من نطاق الاحتجاج الخدمي إلى دائرة المطالبة بالمساءلة القانونية.

من إدارة الأزمات إلى إصلاح الدولة

تكمن المفارقة في أن استمرار الأزمات الخدمية رغم تكرارها لا يشير فقط إلى نقص الموارد، وإنما يطرح أسئلة أكبر حول كفاءة إدارة هذه الموارد وآليات اتخاذ القرار والرقابة والمحاسبة.

ويرى عمار أن جوهر المشكلة يتمثل في أزمة قرار وغياب التخطيط وضعف المحاسبة، معتبراً أن تغليب المصالح الشخصية والسياسية على بناء المؤسسات يعرقل معالجة جذور الأزمات.

وبذلك، فإن إصلاح الكهرباء والصحة والتعليم والمواصلات لا يمكن فصله عن إصلاح منظومة الإدارة العامة نفسها، بما يتطلب تعزيز القانون والكفاءة والمساءلة، والانتقال من إدارة الأزمات المتكررة إلى بناء مؤسسات قادرة على منعها أو الحد من آثارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى