ليبيا

كهرباء الظلام تنير حقيقة الانهيار.. الليبيون يدفعون ثمن صراعات السياسة وريع العقود

ليبيا 24

من أزمة الدينار إلى انقطاع التيار.. حكومة منتهية الولاية تواصل استنزاف المواطن في صمت رسمي مطبق

في مشهد يتكرر صيفاً بعد صيف، تغرق المدن الليبية في ظلام دامس، بينما ترتفع حرارة الجو لتلامس الثمانية والأربعين درجة مئوية، وترتفع معها حرارة الغضب الشعبي. ففي العاصمة طرابلس ومدن غرب البلاد، خرج المحتجون إلى الشوارع مرددين سؤالاً واحداً: “أين ذهبت المليارات؟”.

لم تكن الاحتجاجات مجرد تعبير عن ضيق عابر بانقطاع التيار، بل تحولت إلى عصيان مدني شامل، أغلقت فيه الطرقات والمؤسسات الحكومية، ورفعت فيه لافتات تطالب بإسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

ففي بلد يملك أحد أكبر احتياطيات النفط في أفريقيا، وتتجاوز أصوله الاستثمارية نحو مئة مليار دولار، يظل المواطن الليبي أسير انقطاعات كهرباء تستمر لأكثر من اثنتي عشرة ساعة متواصلة، ونقد وطني يفقد قيمته الشرائية في سوق موازية تتجاوز فيها أسعار الصرف كل التوقعات.

إنها أزمة مركبة، لا يمكن فهمها بمعزل عن الانقسام المؤسسي واختراق شبكات المصالح لقطاعات الدولة الحيوية، وسياسات حكومة يراها الليبيون منتهية الولاية، لكنها مستمرة في دفع البلاد نحو الهاوية.

قطاع الكهرباء.. من خدمة عامة إلى صفقة ريعية مربحة

يقدم الخبير الاقتصادي الدكتور أيوب الفارسي، عضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي، تشخيصاً دقيقاً لأزمة الكهرباء، مشيراً إلى أن إصلاح القطاع يتطلب تفكيك شبكات المصالح التي تحولته إلى “مجال ريعي ضخم يُدر ملايين الدولارات عبر عقود التوريد والصيانة والاعتمادات المستندية”.

ويؤكد الفارسي أن أي توجه نحو الحوكمة يواجه “مقاومة أصحاب النفوذ” من متنفذين سياسيين وتجار ومجموعات مسلحة، يستفيدون من استمرار الأزمة كمنفذ لنهب المال العام.

ويذهب الفارسي إلى أن الحل يكمن في أربعة محاور أساسية: إصلاح نظام التسعير والدعم من خلال شرائح استهلاكية تصاعدية، وإعادة هيكلة الشركة العامة للكهرباء عبر الفصل بين التوليد والنقل والتوزيع، وإعادة توجيه القطاع الخاص من وسيط توريد إلى منتج ومستثمر من خلال عقود شراء الطاقة، وأخيراً حوكمة سلاسل الإمداد والعقود عبر رقمنة المشتريات وربط ربحية العقود بالأداء الفعلي.

لكن هذه الرؤية الإصلاحية تصطدم بواقع سياسي معقد، يتمثل في “الانقسام الحكومي والتنازع على الشرعية والإنفاق العام”، مما يعرقل إقرار خطط طويلة المدى، حيث “يميل كل طرف إلى الحلول المؤقتة والسريعة لكسب الولاءات”.

رجل الأعمال حسني بي يرد: البداية من تفعيل القانون القائم

في رد موسع على طرح الفارسي، يرفع رجل الأعمال حسني بي راية التذكير بأن الحل يبدأ من تنفيذ ما هو قائم قبل البحث عن تشريع جديد.

ويشير إلى أن القانون رقم 17 لسنة 1984 أنشأ الشركة العامة للكهرباء كشركة ذات ذمة مالية مستقلة، لكنها في الممارسة ظلت “امتداداً للميزانية العامة”، حيث تمول الدولة الوقود والاستثمارات والصيانة، بينما لا ترتبط الإيرادات بالتكلفة الحقيقية.

ويطرح حسني بي رؤية تقوم على “الانتقال من دعم السلعة إلى دعم المواطن” عبر تسعير الطاقة بتكلفتها الاقتصادية مع تحويل نقدي مباشر يحمي الفئات الأكثر ضعفاً.

ويؤكد أن الأولوية يجب أن تكون للغاز والكفاءة قبل إضافة المزيد من القدرة الاسمية، مشيراً إلى أن “تكلفة القدرة الاسمية لا تتعدى عشرة بالمئة من إجمالي التكلفة، مقابل تسعين بالمئة لتكلفة التشغيل”.

ولعل أخطر ما في رد حسني بي هو تحفظه على تقسيم القطاع الخاص إلى “مستثمر” و”طفيلي”، مؤكداً أن “رأس المال لا جنسية اقتصادية ولا أخلاق مستقلة له؛ الحوافز والقواعد هي التي تحدد سلوكه”.

ويخلص إلى أن “الهدف ليس إصلاح الشركة العامة للكهرباء فقط، بل تحويل قطاع الكهرباء من مركز تكلفة مفتوح على الخزانة إلى قطاع اقتصادي منظم ومستدام”.

طلوبة يحذر: تغيير التعريفة خط أحمر

بينما يتفق الخبير الاقتصادي عبد اللطيف طلوبة مع جوهر الطرح حول الحوكمة والفصل بين الأنشطة، فإنه يطلق تحذيراً واضحاً: “أي محاولة للنظر في السعر تعني رفع التعريفة، والليبيين متفقون على حرمة رفع التعريفة مهما كانت الأسباب”. ويشير إلى أن الحوكمة “موضوع بعيد عن واقعنا” ما لم يتم توسيعها لتشمل كل القطاعات.

ويرد عليه الفارسي مؤكداً أن الهدف ليس زيادة التكلفة على المواطن، بل تغيير السلوك الاستهلاكي، مستشهداً بسلوك المواطن الليبي عندما يسافر إلى الخارج فيقفل السخانات والإضاءة خوفاً من التكلفة، بينما في بلده يترك كل شيء يعمل حتى في حال السفر. ويخلص إلى أن “عدم زيادة التكلفة على المواطن وإنما تغيير سلوكه سيوفر مبالغ كبيرة في المحصلة”.

السياسة النقدية.. معركة درء الأسوأ لا صنع المثالية

يتجاوز النقاش حدود الكهرباء ليطال السياسة النقدية، حيث يقدم الفارسي رؤية دفاعية عن دور مصرف ليبيا المركزي، واصفاً إياه بأنه “الحائط الأخير الذي منع السقوط إلى الهاوية”. ويعدد العقبات التي تحاصر السياسة النقدية: بيئة مكبلة تشريعياً بقانون منع المعاملات الربوية، وطبيعة اقتصاد ريعي يعتمد على النفط، وغياب سوق مالية عميقة، وانقسام مؤسسي.

ويستشهد الفارسي بزيارات خبراء صندوق النقد الدولي الذين كان “المسيطر عليهم حالة من الذهول والدهشة حول انعدام فرص التحرك التقليدية”، مؤكداً أن “الخبير الليبي أقدر بكثير بفهم الواقع المعقد للاقتصاد الليبي”. ويختتم بأن السياسة النقدية في ليبيا هي “معركة لدرء الأسوأ لا لصنع المثالية”.

حسني بي يرد: شراء الوقت ليس نجاحاً

لكن حسني بي يرفض هذه النظرة الدفاعية، مشيراً إلى أن “منع الأسوأ لا يعني بالضرورة سلامة كل السياسات المتبعة”. ويكشف عن إشكالية جوهرية تتعلق بالعلاقة بين خلق الدينار وتراكم الأصول الدولارية، مشيراً إلى أنه في فترات سابقة “تحقق فائض في ميزان المدفوعات وتدفقت الإيرادات بالدولار إلى المركزي، بينما جرى تمويل جانب من الإنفاق العام بخلق دنانير”.

ويضيف أن تقييد الدولار عند سعر رسمي أدنى كثيراً من سعر التوازن يخلق “فجوة سعرية ونمواً في المضاربة”، مشيراً إلى أن الطلب على الدولار ليس “شرهاً استيرادياً” فقط، بل نتيجة طبيعية لإنفاق عام ضخم في اقتصاد يستورد معظم احتياجاته. ويخلص إلى أن “شراء الوقت لا يصبح نجاحاً إلا إذا استخدم لمعالجة أصل الاختلال: وقف خلق النقود لتمويل العجز، ضبط الإنفاق، إزالة ريع فارق الصرف، وتوحيد سوق النقد الأجنبي”.

محمد أبوسنينة: كيف يصنع القرار في المركزي؟

من جهته، يطرح الخبير الاقتصادي محمد أبوسنينة سؤالاً أكثر جوهرية: كيف يصنع القرار في مصرف ليبيا المركزي؟ ويستذكر “العصر الذهبي” للمصرف عندما كانت القرارات تتخذ “وفقاً لتراتبية مؤسسية، لا مجال فيها للاستحواذ بالقرار أو الإقصاء أو التأثيرات الخارجية”.

ويشير إلى حادثتين من الثمانينيات والتسعينيات حين تحمل المحافظ المسؤولية الكاملة عن أخطاء موظفيه، رافضاً تسليمهم للرقابة الإدارية.

ويؤكد أبوسنينة أن “انقسام المصرف المركزي بعد عام 2014” أثر بشكل كبير في آلية اتخاذ القرار، محملاً المحافظ ومجلس الإدارة المسؤولية، ومذكراً بأن “وظيفة المحافظ تكليف وليس تشريف، ولا تمنح لمن يسعى إليها أو يطلبها”.

القماطي: الحوكمة هي جوهر المشكلة

يضيف الدكتور حلمي القماطي، رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي بُعداً آخر مشيراً إلى أن “جوهر المشكلة في السياسة النقدية الليبية لا يرتبط فقط بنوعية القرارات بل بمنظومة الحوكمة التي تنتج القرار وتحدد المسؤولية عنه”.

ويوضح أن “استقلالية المصرف المركزي لا تعني استقلال المحافظ عن مجلس الإدارة أو عن القانون، وإنما تعني استقلال المؤسسة في ممارسة اختصاصاتها ضمن إطار قانوني ومؤسسي واضح”.

ويطرح القماطي سؤالاً محورياً: “هل اتخذ القرار وفق الاختصاص وبناءً على مؤشرات اقتصادية ومن خلال مؤسسات الحوكمة المعتمدة؟ وهل يمكن تحديد المسؤولية عنه ومساءلته؟”، معتبراً أن هذه هي النقطة التي تجعل الطرح مهماً لفهم أسباب ضعف فعالية السياسة النقدية.

غيث يفضح: سرقة بموافقتك!

في منشور لاذع، يوجه عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي سابقاً امراجع غيث، اتهاماً صريحاً لشركة الكهرباء: “سرقة وبموافقتك هذا ما تقوم به شركة الكهرباء عندما تستمر في خصم القيمة المتفق عليها مقابل الاستهلاك المقدر، بينما لا تصلك كهرباء بنسبة عشرين بالمئة”.

ويسخر من سلسلة الإجابات المتروكة بين شركة الكهرباء والحكومة والمركزي والمؤسسة الوطنية للنفط والبرلمان، حيث كل طرف يحيل المسؤولية إلى الآخر، في دائرة مفرغة تنتهي عند المواطن الذي يدفع الفاتورة كاملة دون أن يحصل على الخدمة.

ويكشف غيث عن تناقض صارخ في تصريح منسوب لوزير الاقتصاد حول وجود فائض في الميزان التجاري، متسائلاً: “أين تذهب المخصصات الشخصية التي تبلغ حوالي ثمانية مليارات دولار في سنة 2025؟”، في إشارة إلى التدفقات النقدية غير الرسمية التي تغذي السوق الموازية.

الفيتوري: القراءة الصحيحة للتدفقات

يوضح الدكتور عطية الفيتوري أن “القراءة الصحيحة لتدفقات العملة الأجنبية للخارج لا تظهر فقط في الميزان التجاري، وإنما تظهر في حساب العمليات الجارية الذي ربما يشير إلى وجود عجز به”.

ويشير إلى أن البيانات الرسمية لا تشمل النشاطات الاقتصادية خارج السوق الرسمية، وهي مشكلة كبيرة في دولة مثل ليبيا حيث “جزء من النشاط الاقتصادي لا تشمل التقارير الرسمية”.

إدريس الشريف: مشكلة جوازات السفر.. خلل إداري يصنعه المسؤولون

بعيداً عن الكهرباء والسياسة النقدية، يطرح الخبير الاقتصادي إدريس الشريف قضية إنسانية تعكس واقع الإدارة الليبية. فبسبب خطأ إداري في استبدال اللقب بالاسم الرابع في جوازات السفر قبل 2011، يجد عشرات الآلاف من الليبيين، بينهم كبار سن ومرضى وطلبة، أنفسهم عالقين بين مصلحة الجوازات ومصلحة الأحوال المدنية، حيث تشترط الأولى تطابق اللقب مع لقب الأب، وهو أمر مستحيل.

ويتساءل الشريف: “لماذا يُحمَّل المواطن تبعات أخطاء وتغييرات إدارية صدرت عن مؤسسات الدولة نفسها؟”، مقترحاً حلاً بسيطاً يقوم على “اعتماد الرقم الوطني كمعرّف أساسي للمواطن، ومطابقة الهوية بالبصمة وبصمة العين والصورة”. ويختم: “إذا كانت بصمة المواطن وعينه ورقمه الوطني لا تكفي لإثبات أنه هو، فما الذي يمكن أن يثبت ذلك؟”.

وفي منشور آخر، ينتقد الشريف غياب الناطقين الرسميين، متسائلاً: “لماذا يخشى المسؤولون مواجهة الرأي العام؟”، ومشيراً إلى أن “المسؤول الذي يخشى مواجهة الناس لا يستطيع أن يبني ثقة الناس”.

الخلاصة: دولة بلا حوكمة.. وشعب يدفع الثمن

تجمع هذه الأصوات الخبيرة على حقيقة واحدة: ليبيا تعاني أزمة حوكمة شاملة، تمتد من قطاع الكهرباء إلى السياسة النقدية، ومن المؤسسات السيادية إلى الخدمات اليومية. وحكومة الوحدة الوطنية، التي يراها الليبيون منتهية الولاية، تواصل سياساتها دون رادع، في غياب تام للمساءلة والشفافية.

وتتحقق مخاوف الخبراء على أرض الواقع: فانقطاعات الكهرباء الطويلة دفعت المواطنين إلى العصيان المدني، وتراجع قيمة الدينار في السوق الموازية، مع استمرار إنفاق مليارات الدولارات دون أثر ملموس على حياة المواطن، في مشهد يعيد إلى الأذهان سؤال المحتجين الذي تردد في شوارع طرابلس: “أين ذهبت المليارات؟”.

إن ما يجمع بين كل هذه الملفات هو غياب الإرادة السياسية الموحدة، واستمرار نهج المحاصصة والريع الذي يحول مؤسسات الدولة إلى غنيمة يتقاسمها المتنفذون، بينما يظل المواطن الليبي وحيداً في مواجهة انقطاع الكهرباء، وانهيار قيمة مدخراته، وتعقيدات إدارية تعطل أبسط حقوقه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى