كهرباء الظلام وأموال النفط الضائعة: خبراء ليبيون يكشفون هندسة الريع في قطاع يئن تحت وطأة الفساد والانقسام
معركة الإنقاذ النقدي أم تأجيل الانهيار؟ جدل ليبي حول سياسة المركزي في مواجهة اقتصاد الحرب وريع فارق الصرف
ليبيا 24
كهرباء الظلام وأموال النفط الضائعة: كيف يحوّل الانقسام السياسي قطاع الطاقة إلى آلة لنهب المواطن الليبي؟
قراءة في أبعاد الأزمة الخانقة
في بلد يمتلك أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، ولا يعاني نقصاً في موارد الطاقة، يقبع المواطن الليبي في ظلام دامس يمتد لخمسة عشر ساعة يومياً في بعض المناطق، بينما تُنفق الدولة مليار دولار شهرياً على استيراد الوقود.
هذه المفارقة الصارخة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج حتمي لنموذج إداري وسياسي جعل من قطاع الكهرباء “صفقة توريد مربحة في زمن الأزمات” بدلاً من أن يكون “سعة إنتاجية ذات جدوى في زمن الاستقرار”، على حد تعبير الدكتور أيوب الفارسي، عضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي.
ما يثير السأم في النفوس أن أزمة الكهرباء التي تخنق الاقتصاد الليبي وتصيب شريان الخدمات الحيوية في الصميم، لم تعد مجرد إخفاق تقني أو إداري، بل تحولت إلى مرآة تعكس مرضاً بنيوياً أعمق: اقتصاد الحرب، واختراق شبكات المصالح، وانقسام المؤسسات، وغياب الإرادة السياسية الموحدة. إنها أزمة تحمل في طياتها كل تناقضات المشهد الليبي منذ عام 2011.
إصلاحات نظرية في مواجهة واقع متصدع
في نقاش علني موسع دار على منصات التواصل الاجتماعي، عرض الدكتور أيوب الفارسي رؤية إصلاحية للقطاع تقوم على أربعة محاور رئيسية: إصلاح نظام التسعير والدعم عبر شرائح استهلاكية تصاعدية، وإعادة هيكلة الشركة العامة للكهرباء عبر الفصل بين التوليد والنقل والتوزيع، وإعادة توجيه القطاع الخاص من “وسيط توريد” إلى “منتج ومستثمر” حقيقي، وأخيراً حوكمة شفافة لسلاسل الإمداد والعقود.
لكن الفارسي، وهو الأكاديمي الذي يعايش الملف من داخله، لم يغفل التحديات الجسيمة التي تواجه هذه الإصلاحات. فهو يقر بأن قطاع الكهرباء تحول إلى “مجال ريعي ضخم يدر ملايين الدولارات عبر عقود التوريد والصيانة والاعتمادات المستندية”، وأن أي توجه نحو الحوكمة يهدد مصالح شبكات “تجمع بين متنفذين سياسيين، وتجار، ومجموعات مسلحة”.
كما أن الانقسام الحكومي والتنازع على الشرعية والإنفاق العام “يعرقل إقرار خطط طويلة المدى، حيث يميل كل طرف إلى الحلول المؤقتة والسريعة لكسب الولاءات”.
رجل الأعمال يرد: القانون موجود… فلماذا لا يُنفذ؟
في المقابل، لم يأت رد رجل الأعمال حسني بي ليكتفي بالاتفاق مع جوهر الطرح الفارسي، بل ليضيف أبعاداً جديدة ويطرح تساؤلات أكثر إيلاماً. انطلق بي من حقيقة قانونية صادمة: “قبل البحث عن تشريع جديد، علينا تنفيذ ما قرره القانون القائم”.
فالقانون رقم 17 لسنة 1984، الذي أنشأ الشركة العامة للكهرباء كشركة ذات ذمة مالية مستقلة، ظل حبراً على ورق. فالشركة، في الممارسة، “ظلت إلى حد كبير تُعامل كامتداد للميزانية العامة: الدولة تمول، والوقود يقدم مدعوماً، والاستثمارات والصيانة تتحملها الخزانة، بينما الإيرادات والجباية لا ترتبط بصورة حقيقية بالتكلفة والأداء”.
هنا يكمن أحد الجروح النازفة في جسد الدولة الليبية: مؤسسات قائمة بالقانون، لكنها تُدار خارج إطار القانون. فالشركة العامة للكهرباء، كما يراها بي، هي شركة اسمية فقط، تفتقر إلى أبسط مقومات الكيان الاقتصادي المستقل: ميزانية وذمة مالية مستقلة، حساب واضح للتكاليف والإيرادات، أصول والتزامات معلومة، حوكمة ومساءلة، وقوائم مالية مدققة.
دعم السلعة أم دعم المواطن: معضلة التسعير
يتجاوز الخلاف بين الفارسي وبي مجرد التفاصيل الفنية، ليصل إلى جوهر الفلسفة الاقتصادية للدولة. فبينما يدعو الفارسي إلى “تقنين الاستعمال” دون زيادة التكلفة على المواطن، يذهب بي إلى أبعد من ذلك، مطالباً بالانتقال من “دعم السلعة إلى دعم المواطن”، أي تسعير الطاقة بصورة تعكس تكلفتها الاقتصادية، مع تحويل نقدي مباشر يحمي المواطن، “بدلاً من دعم مفتوح يستفيد منه الغني والفقير والمستهلك الرشيد والمفرط وحتى المهرب”.
لكن هذا الطرح يصطدم برفض شعبي وسياسي راسخ. فالخبير الاقتصادي عبد اللطيف طلوبة، في تعليقه على المنشور، يلخص هذا الموقف بحسم: “أي محاولة للنظر في السعر تعني رفع التعريفة، والليبيين متفقون على حرمة رفع التعريفة مهما كانت الأسباب”. وهو يرى أن الحديث عن الحوكمة “موضوع بعيد عن واقعنا” ما لم يتم تعميمه على كل القطاعات.
ويرد الفارسي على هذا التحفظ موضحاً أن الهدف ليس زيادة التكلفة على المواطن، بل تغيير سلوكه الاستهلاكي المهدر، مستشهداً بالمفارقة التي يعرفها كل ليبي: “نفس هذا المواطن عندما يسافر لدولة أخرى تجده يقفل السخانات والإضاءة والمكيفات خوفاً من التكلفة”.
رأس المال بين “الوطني” و”الطفيلي”: إشكالية التصنيف الأخلاقي للاقتصاد
من أبرز ما أثارته مداخلة حسني بي هو تحفظه على تقسيم القطاع الخاص في رؤية الفارسي إلى “مستثمر” و”طفيلي”. يرى بي أن “رأس المال لا جنسية اقتصادية ولا أخلاق مستقلة له؛ الحوافز والقواعد هي التي تحدد سلوكه”.
فالمستثمر الليبي والأجنبي يجب أن يخضعا للقواعد نفسها: منافسة، شفافية، إفصاح، تحمل للمخاطر، ومحاسبة على النتائج.
“وإذا كان النظام يسمح بالريع والاحتكار والعمولات فسوف يجذب السلوك الريعي، سواء كان رأس المال ليبيًا أو أجنبيًا؛ وإذا كافأ الاستثمار والإنتاج والكفاءة فسيتجه رأس المال إليها”.
هذه النقطة تحمل في طياتها نقداً لاذعاً للخطاب الاقتصادي السائد في ليبيا، الذي يميل أحياناً إلى تسييس الاقتصاد وتأطيره بأخلاقيات متقلبة، بينما يغفل عن الحقيقة الأساسية: الفساد ليس وليد الجنسية، بل وليد النظام الذي يسمح به ويرعاه.
معركة الإنقاذ النقدي: بين درء الأسوأ وتأجيل الانهيار
لم تقتصر المعركة الفكرية على قطاع الكهرباء، بل امتدت إلى صلب السياسة النقدية، حيث دخل الفارسي وبي في نقاش آخر لا يقل حدة حول دور مصرف ليبيا المركزي في إدارة الأزمة الاقتصادية.
دافع الفارسي، بصفته عضواً في لجنة السياسة النقدية، عن أداء المصرف المركزي، معتبراً أن تقييمه بمعايير الدول المستقرة هو “تجنٍ علمي وعملي”.
وأكد أن المصرف، في ظل بيئة “تجمع بين الانقسام المؤسسي، والانكشاف الخارجي شبه الكلي، وتشريعات تكبل حركة الأدوات النقدية”، لم يكن يبحث عن حلول مثالية، بل كان يخوض “معركة يومية لإدارة الأزمة وتقليل الأضرار”.
وذهب إلى حد القول إن “لولا لجوء المركزي إلى أدوات استثنائية وغير تقليدية لإدارة السيولة ووضع سقف ومحاصصة لعرض النقد الأجنبي، لدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة من الطبع المنفلت للعملة”.
لكن حسني بي، في رده، وجه سهاماً نقدية حادة نحو هذه الرؤية ورغم اتفاقه على أن المركزي ساهم في “منع سيناريوهات أسوأ”، إلا أنه اتهم الفارسي بـ”إغفال العلاقة بين خلق الدينار وتراكم الأصول الدولارية”.
وأشار إلى أن تمويل الإنفاق العام بخلق دنانير جديدة، مع الاحتفاظ بالأصول الدولارية، هو جوهر الخلل. فالاحتياطيات، كما يرى بي، “لا تُقاس بحجمها منفردة، بل بصافي الأصول الأجنبية مقابل الالتزامات والكتلة النقدية التي تقابلها”.
فجوة سعر الصرف: ريع يقوض الاقتصاد ويغذي المضاربة
يتطرق بي إلى نقطة جوهرية تتعلق بفارق سعر الصرف بين السعر الرسمي والسعر الموازي، الذي تجاوز في فترات سابقة حاجز العشرين بالمائة.
يرى بي أن تقييد الدولار عند سعر رسمي أدنى كثيراً من سعر التوازن “يخلق طابوراً وامتياز وصول وريعاً ومضاربة”.
ويضرب مثالاً صارخاً على هذا الريع: تخصيص ألفي دولار للأغراض الشخصية لكل مواطن، “ليعاد بيع الدولار بريع ربحي بدون جهد يقدر بثلاثين بالمائة”.
إن هذه الفجوة السعرية، كما يراها بي، ليست مجرد تفصيل فني، بل هي محرك رئيسي للفساد والمضاربة، وتجسد نموذجاً للاقتصاد الريعي الذي يجني أرباحه من فارق السعر لا من الإنتاج.
وهو يحمل المركزي مسؤولية هذه السياسة، معتبراً أن “شراء الوقت لا يصبح نجاحاً إلا إذا استُخدم لمعالجة أصل الاختلال: وقف خلق النقود لتمويل العجز، ضبط الإنفاق، إزالة ريع فارق الصرف، وتوحيد سوق النقد الأجنبي”.
حكومة الدبيبة: غياب الإرادة واستمرار النهب
ما يغيب عن النقاشات التقنية حول التسعير والحوكمة، هو السياق السياسي الأوسع. فحكومة عبد الحميد الدبيبة، التي توصف بأنها “منتهية الولاية”، لا تبدي أي إرادة حقيقية لمعالجة جذور الأزمة.
فاستمرار التعديات على الشبكة العامة، وغياب سيادة القانون الذي “يُصعّب عملية جباية الفواتير، ويُشجع على التوصيل العشوائي”، كما يشير الفارسي، ليس مجرد فشل إداري، بل هو انعكاس لسياسة متعمدة تهدف إلى إبقاء المواطن في حالة من التبعية والعجز.
فالانقسام المؤسسي لم يعد مجرد خلاف سياسي، بل تحول إلى أداة لتعطيل أي إصلاح جوهري. فكل طرف، كما يصف الفارسي، “يميل إلى الحلول المؤقتة والسريعة لكسب الولاءات”، على حساب المصلحة الوطنية.
وهذا ما يفسر استمرار إنفاق المليارات على قطاع الكهرباء دون أي تحسن ملموس، بل مع تفاقم الأزمة عاماً بعد عام.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى المواطن الليبي هو الضحية الأكبر. فهو الذي يدفع ثمن انقطاع الكهرباء من خلال توقف المصانع، وتعطل الخدمات، وتدهور جودة الحياة. وهو الذي يدفع ثمن السياسات النقدية من خلال تآكل قيمة مدخراته، وارتفاع الأسعار، وتضاؤل القوة الشرائية. وهو الذي يدفع ثمن الانقسام السياسي من خلال فقدان الأمل في مستقبل أفضل.
خاتمة: بين الإصلاح الشامل واستمرار النهب
يجمع الخبراء الثلاثة — الفارسي وبي وطلوبة — على حقيقة واحدة: قطاع الكهرباء الليبي يحتاج إلى إصلاح جذري. لكنهم يختلفون حول الأولويات والوسائل.
فالفارسي يركز على الإصلاح الهيكلي للقطاع مع مراعاة الظروف الاجتماعية، وبي يدعو إلى إصلاح شامل للنموذج الاقتصادي برمته، وطلوبة يحذر من مغبة المساس بتعريفة الكهرباء في ظل غياب الحوكمة الشاملة.
لكن ما يجمعهم، وما يجب أن يكون محور الاهتمام، هو أن أي إصلاح لا يمكن أن ينجح دون توفر إرادة سياسية حازمة وموحدة، قادرة على فرض سيادة القانون، وحماية البنية التحتية، وتحييد الخدمات الأساسية عن الصراعات السياسية والمالية.
وحتى ذلك الحين، سيظل المواطن الليبي يدفع الثمن غالياً، بينما تستمر شبكات المصالح في جني الأرباح من ظلامه.



