طوابير البنزين تُفضح فشل حكومة الدبيبة.. وخبير اقتصادي يكشف “لغز” استمرار الأزمة رغم ارتفاع فاتورة الاستيراد
الاقتصاد الليبي بين مطرقة الفساد وسندان الإنفاق المهدر.. الشريف يدعو لمواجهة شاملة ومحاسبة المتورطين في نهب المال العام
ليبيا 24
طوابير البنزين والثراء الفاحش.. قراءة في تناقضات الاقتصاد الليبي تحت حكم الدبيبة
فاتورة وقود تتضخم.. وأزمة خبز يومي لا تنتهي
في مشهد يعكس عمق الاختلال الذي تعانيه الدولة الليبية، لا تزال طوابير البنزين الممتدة أمام المحطات تشكل عنوانا يوميا للمعاناة التي يعيشها المواطن، رغم الأرقام الصارخة التي تكشف عن ارتفاع غير مسبوق في فاتورة استيراد المحروقات.
هذا التناقض الصارخ دفع أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور علي الشريف، إلى وصف الواقع بأنه “لغز يحتاج إلى حل”، قبل أن يرد عليه رجل الأعمال حسني بي مؤكدا أن ما نشهده “نتاج طبيعي ومنتظر”، ليجيبه الشريف بإيجاز: “أعلم”.
هذه العبارات المقتضبة بين خبير اقتصادي ورجل أعمال تخفي وراءها واقعا أكثر تعقيدا، فليبيا التي تمتلك احتياطيات نفطية هي الأكبر في أفريقيا، لا تزال تستورد أكثر من ستين بالمائة من احتياجاتها من المحروقات، في مفارقة تكشف حجم الهدر والفساد في منظومة إدارة الثروة النفطية.
ففي الوقت الذي تتضخم فيه فاتورة الاستيراد – التي تجاوزت تسعة مليارات دولار في عام 2024 – يظل المواطن الليبي رهينة طوابير لا تنتهي، في مشهد أصبح مألوفا لكنه لا يقل مأساوية.
قرارات إصلاحية على الورق.. وشركات ورقية تنهش الاقتصاد
في خطوة وصفت بأنها “في الاتجاه الصحيح”، أصدرت وزارة الاقتصاد والتجارة بحكومة الدبيبة منتهية الولاية قرارا يربط حجم الاعتمادات المستندية والتحويلات الخارجية بالنشاط الاقتصادي الحقيقي للشركات، وبمستوى مساهمتها في الإنتاج والتشغيل.
وتقوم الآلية – حسب ما أعلنته الوزارة – على اعتماد مؤشرات مالية وضريبية قابلة للقياس، بحيث يحدد السقف السنوي للتعاملات التجارية الخارجية لكل شركة بناء على متوسط الضرائب المسددة خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
غير أن الدكتور علي الشريف، وفي تحليل معمق، حذر من أن نجاح هذا القرار مرهون بتجسيده على أرض الواقع، محذرا من أن يتحول إلى مجرد “حبر على ورق” إذا لم تُرافقه متابعة ورقابة دقيقة.
وأشار الشريف إلى أن الهدف الأساسي من هذه الآلية هو “الحد من دور الشركات الورقية وشركات الحقيبة” وإبعادها عن طلب الاعتمادات، مما يساهم في خفض الطلب غير الحقيقي على العملة الأجنبية التي يعاني الدينار الليبي من ضغوط متزايدة عليها، إذ يتجاوز سعر الدولار في السوق الموازية تسعة دنانير مقابل نحو ستة دنانير وثلاثة وأربعين قرشا في السعر الرسمي، بفارق يتجاوز الرابعة والأربعين بالمائة.
ومع أن وزارة الاقتصاد أعلنت إلغاء سبع وعشرين رخصة تجارية مرتبطة بممارسات فاسدة في ملف الاعتمادات، إلا أن الشريف اعتبر أن هذه الخطوة – رغم صحتها – تبقى غير كافية، داعيا إلى إجراءات أخرى تعالج مكامن الخلل بشكل أوسع، مشددا على أن “السياسة التجارية غابت لفترة طويلة عن أداء دورها الحقيقي في تنظيم التجارة وإدارة الاستيراد بما يخدم الاقتصاد الوطني”.
فساد متجذر لا يستثني أحدا.. من المجلس الرئاسي إلى مؤسسة النفط
في موقف جريء ونادر، رفض الدكتور علي الشريف المقاربات الانتقائية في محاربة الفساد، محذرا من الوقوع في فخ “منطق فبراير فعلت كذا وسبتمبر فعلت كذا”، ومؤكدا أن الفساد الذي نشأ بعد فبراير أصبح “أكثر تجذرا واتساعا”.
وكشف الشريف عن حقيقة مؤلمة حين قال إن “عددًا كبيرًا ممن يتقلدون اليوم المناصب الحساسة في الإدارة العليا والوسطى كانوا جزءًا من منظومة سبتمبر، وهم اليوم جزء من منظومة الفساد المتجذرة، من المجلس الرئاسي إلى رئاسة الحكومة إلى مؤسسة النفط وغيرها من المواقع”.
هذه الشهادة من خبير اقتصادي مخضرم تأتي لتؤكد ما ذهبت إليه تقارير دولية متخصصة، إذ وصف تقرير صادر عن مجلة “المجلة” الاقتصاد الليبي بأنه “أسير النفط والصراعات السياسية”، مشيرا إلى أن الانقسام السياسي المزمن منذ عام 2014 “حول دور الدولة من محرك للتنمية إلى ممول للاستهلاك، وفتح الباب لفساد يستنزف الموارد”.
وأكد التقرير أن الانقسام “لم يكن سياسيا فقط، بل أنتج اقتصادا مزدوجا، وإنفاقا بلا مساءلة، وقرارات مالية منفصلة عن الواقع الإنتاجي”.
ثراء فاحش يفضحه زفاف.. وأسئلة تنتظر إجابات
في لفتة لافتة، استشهد الدكتور الشريف بمشهد من زفاف أحد المواطنين انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ظهرت سيارات فارهة تقدر قيمتها بملايين الدنانير ترافق العريس، معتبرا أن هذا المشهد “يعكس حجم الثراء الفاحش الذي تركز لدى فئة محدودة نتيجة الاستفادة من المال العام، بشكل مباشر أو غير مباشر”.
وتساءل الشريف بإيلام: “متى تتحرك الجهات المختصة للتحقيق في مصادر هذه الثروات ومحاسبة من استفادوا من المال العام؟ السؤال الآخر: هل هناك جهات مختصة بالفعل؟”
هذا التساؤل يكتسي أهمية خاصة في ظل ما كشفته مراجعات ديوان المحاسبة من اختلالات في منظومة استيراد الوقود وتوزيعه، شملت ضعف تقدير الاحتياجات، وتراجع كفاءة المصافي المحلية، ووجود فروقات بين المخزون الفعلي والكميات المسجلة.
إنه واقع يؤكد أن الفساد في ليبيا لم يعد مجرد ظاهرة طارئة، بل تحول إلى نظام متكامل تتناغم فيه أطراف من كل الأطياف السياسية، في مشهد يذكر بما وصفه وزير اقتصاد سابق، من أن المشكلة لا ترتبط بحجم الإنفاق بقدر ما تتعلق بطريقة إدارته، مشيرا إلى أن “تعدد جهات الإنفاق والانقسام المؤسسي وغياب الميزانية الموحدة أضعف القدرة على قياس نتائج الإنفاق ومحاسبة الجهات المسؤولة”.
غياب الاستقرار يقتل فرص التنمية.. والمستثمرون يغادرون
في سياق متصل، حذر الدكتور علي الشريف من تداعيات الاضطرابات السياسية والأمنية المتفاقمة، مؤكدا أن “ليبيا تعاني من غياب الاستقرار الأمني والحكومي”، وأن “الاضطرابات السياسية تمنع ليبيا من تحقيق أي نمو اقتصادي مستدام”، مضيفا أن هذه الاضطرابات “تهدد ثقة المستثمرين الأجانب بالاقتصاد الليبي” و”تهدد بنزيف في الاستثمارات”.
هذه التحذيرات تأتي في وقت تشير فيه تقديرات البنك الأفريقي للتنمية إلى إمكانية انتعاش الاقتصاد الليبي خلال عام 2026، غير أن هذا الانتعاش يظل رهنا بتحقيق حد أدنى من الاستقرار لم تشهده ليبيا منذ سنوات.
وتؤكد تقارير اقتصادية أن إعادة التشغيل المرتقبة لمصفاة راس لانوف، التي تكرر أكثر مئتين وعشرين ألف برميل نفط يوميا، يمكن أن تسهم بشكل كبير في تقليل عمليات الاستيراد، غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب استقرارا أمنيا وسياسيا لا يبدو قريب المنال في ظل استمرار الصراع على السلطة وغياب إرادة حقيقية للإصلاح من جانب حكومة الدبيبة التي بات واضحا أنها غير قادرة – أو غير راغبة – في معالجة جذور الأزمة.
نحو مواجهة شاملة للفساد.. لا انتقائية ولا حسابات سياسية
في ختام تحليله، دعا الدكتور علي الشريف إلى “مواجهة الفساد أينما كان، دون انتقائية أو حسابات سياسية”، مشددا على أن الوقت قد حان “للقف جميعًا ضد الفساد، وأن نعمل على توحيد الدولة ومؤسساتها، وتسليم المسؤولية إلى أشخاص لم يشاركوا في منظومات الفساد خلال الحقبتين، ويملكون القدرة والإرادة على بناء دولة مؤسسات تقوم على القانون والمساءلة والمصلحة الوطنية”.
هذه الدعوة تأتي في وقت يترقب فيه الليبيون صدور بيانات عوائد النفط وفاتورة الوقود خلال الشهر الجاري، لمعرفة ما إذا كان قد تم تصحيح الانحراف الذي حدث الشهر الماضي. غير أن الدكتور الشريف يبدو متشائما بشأن ملف الإنفاق العام، معتبرا أنه “أكثر تعقيدًا ويحتاج إلى فترة أطول لمعالجة اختلالاته”، مرجحا ألا نشهد نتائج ملموسة في الأجل القريب.
يبقى السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه على كل ليبي ينتظر في طابور البنزين، أو يتألم من انقطاع الكهرباء، أو يراقب بارتياب مظاهر الثراء الفاحش لفئة قليلة: هل ستتحرك الجهات المختصة حقا؟ أم أن الفساد أصبح جزءا من بنية الدولة التي لا يمكن إصلاحها من داخلها؟



