ليببا بين مطرقة الانقطاع الكهربائي وسندان غياب الدولة.. دعوات للاستقرار قبل الديمقراطية وحماية الإرث التاريخي من العبث
أزمة دستورية وتراث مهدد.. إنشراح بن طابون تحذر من انهيار الدولة وضياع هوية العاصمة التاريخية
ليبيا 24
طرابلس تحت وطأة الحرائق الصامتة.. انقطاع الكهرباء يحصد أرواح المرضى وسط احتفالات الأمناء
في مشهد يعكس التناقض الصارخ الذي تعيشه العاصمة الليبية، تتصاعد الأصوات المحذرة من تداعيات انهيار الخدمات الأساسية على حياة المواطنين، فيما تتواصل الاحتفالات في مناطق أخرى وكأن البلاد تعيش واقعين متباعدين تماماً.
عضو لجنة الحوار المهيكل، انشراح بن طابون، أطلقت عبر منصة التواصل الاجتماعي فيسبوك، نداءً إنسانياً وسياسياً حمل في طياته قراءة نقدية عميقة لواقع البلاد، متسائلة بمرارة عن العدالة في توزيع الأحمال الكهربائية، ومحذرة من أن الأوضاع الإنسانية تجاوزت كل الحدود المقبولة.
صراع البقاء اليومي وتفاوت المعاناة
في قلب العاصمة طرابلس، حيث تلامس درجات الحرارة مستويات قياسية، يتحول انقطاع التيار الكهربائي إلى حكم بالإعدام البطيء لفئات واسعة من المجتمع، خصوصاً أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة في القلب والضغط.
بن طابون، التي نفت عن وصفها أي مبالغة، أكدت معرفتها الشخصية بحالات وفاة وقعت كنتيجة مباشرة لارتفاع الحرارة المقترن بانقطاع الكهرباء، إضافة إلى شح الوقود وانعدام وسائل التبريد البديلة.
المنطقة التي شهدت تنظيم حفلات واحتفالات، بينما يكافح سكان العاصمة للبقاء على قيد الحياة، تطرح تساؤلات حول أولويات السلطات وتوزيع الموارد في بلد يمتلك ثروات هائلة لكنها تتبخر في دهاليز الفساد وسوء الإدارة.
بن طابون لم تتوقف عند الكهرباء، بل وسعت دائرة النقد لتشمل أزمة المياه الملوثة، والغذاء غير الصحي، وتفشي الأمراض، وانهيار القطاع الصحي الذي بات عاجزاً عن استيعاب حتى الحالات الطارئة، في صورة كاريكاتورية لدولة تئن تحت وطأة الفوضى.
دستور الاستقلال بين الغياب والاستدعاء الانتقائي
في محاولة لفهم جذور الأزمة، عادت بن طابون إلى اللحظة الفارقة في تاريخ ليبيا الحديث، ألا وهي ثورة فبراير 2011، مستنكرة التناقض الفاضح في استدعاء رموز الاستقلال.
وقالت: “في 2011 لما طلعوا علم الاستقلال ورجعوا نشيد الاستقلال، علاش مرجعوش دستور الاستقلال؟” هذا السؤال المحوري يكشف عن أزمة هوية حقيقية تمر بها الدولة الليبية، حيث يتم توظيف الرموز الوطنية بشكل انتقائي دون الالتزام بمضمونها الدستوري والقانوني.
المتحدثة رسمت صورة قاتمة لواقع الحكم في ليبيا، حيث تتغير الحكومات دون أطر دستورية واضحة، ويمارس المواطن في حالة من التمحمط السياسي والقانوني.
وعبّرت عن قلقها العميق من استمرار هذا النهج، محذرة من أن السيناريو ذاته سيتكرر كل أربع سنوات بالتزامن مع تغير كل حكومة، مما يعني استمرار دائرة الفوضى دون حلول جذرية.
الاستقرار شرط أساسي للديمقراطية
في تحليل واقعي للوضع السياسي، طرحت بن طابون سؤالاً جوهرياً حول أولويات الشعب الليبي بين الديمقراطية والاستقرار، مؤكدة أن الحديث عن الديمقراطية في ظل الفوضى العارمة يبدو أشبه بالرفاهية الفكرية التي لا تمس واقع المواطن المكلوم.
وأشارت إلى أن كثيرين يتحدثون عن الديمقراطية وهو أمر محمود، لكن هل يمكن تطبيقها في ظل انعدام الأمن وغياب الدولة؟
رأت عضو لجنة الحوار المهيكل أن الحل يكمن في إرساء إطار قانوني ودستوري يحكم العلاقة بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ليضمن للمواطن الاستقرار الذي أصبح حاجة ملحة قبل أي مطلب سياسي آخر، معتبرة أن الفوضى التي تعيشها البلاد قد تنهي الإرث التاريخي لطرابلس وتحولها إلى مدينة بلا ماضٍ ولا هوية.
إرث طرابلس التاريخي تحت مجهر التدمير الممنهج
في شق آخر من تدوينة بن طابون، ثار جدل واسع حول الأنباء المتداولة عن عزم جهاز المدينة القديمة إزالة حوالي 270 مبنى تاريخياً في قلب العاصمة، بحجة الاستفادة الشخصية والاستيلاء على الأراضي التي تعود ملكية معظمها لليهود الليبيين، مما يسهل عملية الاستيلاء عليها في غياب رقابة قانونية وحماية للإرث الحضاري.
وبنبرة غاضبة، وصف بن طابون هذه الممارسات بأنها “قمة العبث والفشل”، مشيرة إلى أن مهمة الجهاز الأساسية هي الحفاظ على التراث، وليس هدمه واستبداله بمبانٍ حديثة لا تنسجم مع الهوية المعمارية الفريدة للمدينة القديمة التي يبلغ عمرها حوالي 2700 عام.
واستشهدت بصور تظهر صيانة المباني بالإسمنت بدلاً من الترميم العلمي، وبناء جديد مكان مبانٍ تاريخية تم إزالتها، مما يهدد بضياع معالم طرابلس العريقة.
هذا العبث بالتراث، حسب بن طابون، يجعل ليبيا تفقد القدرة على تأكيد هويتها الثقافية أمام الجيران، الذين قد يدعون ملكية أنماط معمارية ولباسية وتصاميم تعود أصولها لطرابلس، في غياب أدلة مادية تثبت ذلك بعد تدمير معظم المعالم الأثرية.
خرق المصرف المركزي ومحاكمة المشاعر
في ملف آخر، تناولت بن طابون قضية اختراق المعلومات المالية للمصرف المركزي الليبي، والتي وصفته بأنه “ليس بالأمر السهل ولا الهين، خاصة لدولة تترنح اقتصادياً مثل ليبيا”.
وأبدت استغرابها من تعاطف وسائل التواصل الاجتماعي مع المسؤولين المحتجزين على ذمة التحقيق، معتبرة أن العاطفة لا يمكن أن تبني دولة، وأن المنصب الذي يشغله أي مسؤول يخص الأمن القومي للبلاد.
وأوضحت أن التحقيقات استمرت قرابة الشهر قبل اتخاذ إجراء الحبس، مما يعني وجود أسباب قانونية تستدعي ذلك، داعية إلى تعزيز الشفافية والمحاسبة، ومطالبة الجميع بالدعاء لتثبيت هذه المبادئ التي تمثل أساس أي دولة قانونية.
غياب الدولة وانعكاساته الأمنية
لم تغفل بن طابون الحديث عن الأوضاع الأمنية المزرية في معظم مناطق ليبيا خارج طرابلس، حيث تعاني تلك المناطق من غياب الدولة منذ عام 2011.
وأرجعت انتشار الجريمة العابرة للحدود والاشتباكات المسلحة المتكررة إلى انعدام الإطار التشريعي والأمني للدولة، داعية إلى ضرورة إعادة بناء مؤسسات الدولة كاملة لتكون قادرة على بسط الأمن وحماية المواطنين.
وختمت تدوينتها بالدعاء بالسلامة للمدنيين في مناطق الاشتباكات، مؤكدة أن الحل موجود لكن أطرافاً لا تريد الاستقرار، وهو ما يعكس تعقيد الأزمة الليبية وتشابك مصالح الأطراف المحلية والإقليمية التي تستفيد من استمرار حالة الفوضى.
خلاصة المشهد الليبي
مشهد ليبي معقد، يرسمه واقع يومي مرير لمواطن يعاني من انقطاع الكهرباء وتلوث المياه وانهيار الصحة، ويعيش في دولة بلا دستور ولا سلطة حقيقية، بينما تتحطم هويته التاريخية تحت وطأة الإهمال والعبث المتعمد، ليبقى الأمل معقوداً على وعي النخب وإرادة التغيير الحقيقي، أو يظل الوطن رهينة انتظار طويل لاستقرار قد لا يأتي.



