ليبيا

توافقات تونس بين نافذة الفرصة ونافذة الخطر.. الليبيون يترقبون مصير اتفاق 4+4

"الليبيون يترقبون مصير الاتفاق بين شكليات التوقيع بالأحرف الأولى وحقيقة تنفيذ خارطة الطريق وسط أزمات معيشية وأمنية خانقة"

ليبيا 24

“لجنة 4+4 تضع أحرفها الأولى على اتفاق تاريخي لتوحيد المؤسسات وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة تحت سلطة تنفيذية موحدة”

أحرف أولى على ورق.. وانتظار يطول

في خطوة وصفتها الأوساط السياسية بالمتأخرة لكنها ضرورية، وضعت لجنة الحوار المصغر “4+4” أحرفها الأولى على مسودة الاتفاق النهائي في العاصمة التونسية، في محاولة لإنهاء سنوات من الجمود السياسي والانقسام المؤسساتي الذي مزق الدولة الليبية وأرهق مواطنيها.

غير أن ما وُصف بـ”التقدم” سرعان ما اصطدم بأسئلة مصيرية تطرحها الساحة الليبية: هل هذه المرة مختلفة؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه حلقة جديدة في مسلسل طويل من الاتفاقات التي تنتهي إلى ما لا نهاية؟

فالتوقيع بالأحرف الأولى، كما أوضح المحللون القانونيون، يظل إجراءً شكلياً يعكس رغبة الأطراف في المضي قدماً، لكنه لا يرقى إلى مستوى التوقيع النهائي أو التصديق، ناهيك عن التنفيذ على الأرض.

ومع إحالة المسودة للتصديق عليها خلال أسبوع، ثم إلى مجلسي النواب والدولة، يبقى السؤال الأكبر: هل يمتلك هؤلاء الإرادة الكافية لتحويل هذه الأحرف الأولى إلى واقع ملموس، أم أن المصالح الضيقة والتدخلات الخارجية ستعيد الملف إلى مربع الصفر؟

تشكيلة المفوضية وترشح العسكريين: نقاط توافق مثيرة للجدل

كشفت مسودة الاتفاق التي تم التوقيع عليها بالأحرف الأولى في تونس عن حزمة من التوافقات التي تحمل في طياتها بشائر أمل، لكنها تثير أيضاً علامات استفهام كبيرة. فقد تضمنت المسودة الاتفاق على تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات بالكامل، مع اختيار رئيس المفوضية من المنطقة الجنوبية، وهو ما يمثل اعترافاً ضمنياً بضرورة تمثيل جميع أقاليم البلاد في الهيئة المشرفة على الاستحقاق الانتخابي.

وفي تطور لافت، نصت المسودة على السماح بترشح مزدوجي الجنسية للانتخابات الرئاسية، إلى جانب إتاحة المجال للعسكريين بالترشح والانتخاب معاً. وهذه النقاط تحديداً تثير تساؤلات جوهرية حول مدى التزام الأطراف بمعايير النزاهة والشفافية، خصوصاً في ظل غياب إطار دستوري واضح يحكم العملية الانتخابية برمتها.

كما تضمن الاتفاق إجراء الانتخابات البرلمانية وفق القانون رقم 10 لسنة 2014 بالنظام الفردي، مع إتاحة الترشح الفردي عن الأحزاب، في حين ستجري الانتخابات الرئاسية بحسب القانون رقم 28 لسنة 2024 بعد إجراء تعديلات عليه.

غير أن اللافت في الأمر أن طرفي المجموعة المصغرة سرعان ما سارعا إلى التأكيد بأن “ما يتم تداوله من تسريبات ومعلومات بشأن تفاصيل مسودة الاتفاق لا يعكس بدقة ما تم التوافق عليه”، وهو ما يضيف مزيداً من الغموض على مضمون الاتفاق الحقيقي.

الحكومة الموحدة: شرط أساسي أم عقبة جديدة؟

في جوهر المسودة، يبرز شرط تشكيل حكومة شرعية واحدة للإشراف على الانتخابات، تحظى بقبول كل الأطراف. وهذا الشرط، الذي يبدو بديهياً، يصطدم بواقع الانقسام الحاد الذي تعيشه البلاد منذ سنوات، حيث تتنازع السلطة حكومتان، كل منهما تتمترس خلف تحالفات دولية وإقليمية.

المحلل السياسي حسام الفنيش أشار إلى أن التوقيع بالأحرف الأولى يمثل انتقالاً من مرحلة التفاوض إلى مرحلة التوافق، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً جوهرياً: “هل انتهت اللجنة فعلاً من التفاوض على الصيغة النهائية أم أن ما جرى لا يزال توافقاً مبدئياً يمكن التراجع فيه؟”.

وهو ما يعكس قلقاً واسعاً في الأوساط الليبية من أن تتحول هذه التوافقات إلى مجرد ورق لا يجد طريقه إلى التنفيذ، خاصة في ظل غياب آليات رادعة تضمن التزام الأطراف بما تم الاتفاق عليه.

قراءة في المشهد: بين التفاؤل الأممي والتشاؤم المحلي

في المشهد الموازي، حاولت البعثة الأممية للدعم في ليبيا تقديم الصورة الأكثر تفاؤلاً، حيث أشادت الممثلة الخاصة للأمين العام هانا تيتيه بالتقدم المحرز، مؤكدة أن أعضاء اللجنة اتفقوا على اللقاء مجدداً داخل ليبيا قبل نهاية الشهر الجاري لوضع الترتيبات المتعلقة بتنفيذ الاتفاق والإعلان عنه رسمياً.

غير أن هذا التفاؤل الأممي اصطدم بقراءات أكثر تشاؤماً من محللين سياسيين ليبيين، اعتبروا أن الإحاطات الأممية المتعاقبة تكتفي بسرد التطورات والمشكلات القائمة بين إحاطة وأخرى، من دون طرح آليات عملية لمعالجتها.

المحلل السياسي محمد تنتوش ذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن ما وصفه بـ”النفاق الدولي” يجعل من الصعب قراءة حقيقة المواقف الدولية أو التفاؤل بأي خطاب صادر عن الدول، مشيراً إلى تناقض المواقف المعلنة مع السياسات التي تنتهجها بعض الدول على الأرض.

أبعاد اقتصادية وأمنية: واقع مرير ينتظر الحل

في خضم هذه التوافقات السياسية، يبقى المواطن الليبي الغارق في أزمات معيشية خانقة هو الضحية الأبرز. فانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، وشح السيولة النقدية، وارتفاع الأسعار، وانعدام الأمن في العديد من المناطق في غرب البلاد، تمثل عوامل ضغط متزايدة على الشارع الليبي.

المحلل السياسي أحمد المهدوي حذر من أن استمرار هذه الأزمات قد يقود إلى حالة من الغضب والانفجار الشعبي، منتقداً عجز البعثة الأممية عن معالجة ملف التشكيلات المسلحة وانتشار السلاح، أو المساهمة في وضع ترتيبات أمنية مستدامة.

كما أشار الكاتب الصحفي صهيب المزريقي إلى أن ليبيا أمام مسارين؛ الأول يتمثل في توحيد مؤسساتها السياسية والسيادية والعسكرية، بما يهيئ الظروف لإجراء الانتخابات، بينما يتمثل المسار الثاني في استمرار التدخلات الخارجية، بما قد يقود إلى مزيد من التمزق والانقسام. وحذر المزريقي من استمرار نقل الصراعات الدولية والإقليمية إلى الداخل الليبي، مؤكداً أن موقع ليبيا ومواردها يجعلها عرضة لتنافس مراكز نفوذ تسعى إلى التأثير في قرارها الوطني.

الموقف الدولي: تأييد أميركي حذر

في سياق متصل، رحب مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس، بالتقدم الذي أحرزته الأطراف الليبية في تونس، معتبراً أن اتفاق اللجنة يعد خطوة هامة نحو مسار موثوق لإجراء انتخابات وطنية ناجحة.

لكن تصريحات بولس حملت أيضاً رسائل ضمنية، إذ شدد على أن الولايات المتحدة “ستعمل على مساعدة الليبيين لتأسيس سلطة تنفيذية موحدة قادرة على إدارة شؤون ليبيا بأكملها”، وهو ما يعكس إدراكاً أميركياً بأن جوهر الأزمة الليبية يكمن في غياب سلطة تنفيذية موحدة وقادرة.

غير أن المحللين الليبيين نظروا إلى التحرك الأميركي بحذر، معتبرين أن الولايات المتحدة تتحرك في الظل وراء مبادرة مسعد بولس، لكنه لا يوجد حتى الآن نجاح حقيقي لهذه المبادرة.

خاتمة: بين نافذة الفرصة ونافذة الخطر

في قراءة استشرافية للمشهد، يطرح السؤال نفسه بقوة: هل تمثل توافقات تونس نافذة فرصة حقيقية للخروج من عنق الزجاجة، أم أنها مجرد نافذة خطر أخرى تفتح الباب أمام مزيد من المماطلة والتسويف؟

المحلل السياسي عيسى عبدالقيوم لخص هذه المعضلة بقوله: “الفرصة لا تنتظر طويلاً والخطر لا يعلن دائماً عن موعد وصوله؛ وبينهما يصبح الزمن عنصراً من عناصر القوة”.

وأضاف: “في السياسة لا تتحرك الدول والمؤسسات داخل زمن محايد؛ فموازين القوة والتحالفات والمصالح تتغير باستمرار، وما يبدو ممكناً اليوم قد يصبح أكثر صعوبة غداً”.

ويبقى الرهان الأكبر على إرادة الليبيين أنفسهم، كما أكد عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة، الذي قال: “إرادة الليبيين في إنهاء الانقسام وبناء دولة موحدة ومستقرة يجب أن تكون فوق كل الحسابات والمصالح”.

ففي النهاية، لا تقاس براعة الدول والمؤسسات بعدد الفرص التي تراها، بل بقدرتها على معرفة أيها يستحق المبادرة وأيها يحتاج إلى انتظار، وأيها يخفي خلفه خطراً استراتيجياً.

والمواطن الليبي المكلوم، الذي دفع ثمناً باهظاً لسنوات من الانقسام والفوضى، ينتظر أن تثبت الأطراف السياسية أنها قادرة على قراءة اللحظة وتحويل الإمكانات إلى قرار، والفرصة إلى مكسب، والخطر إلى خيارات قابلة للإدارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى