أزمة الوقود في ليبيا.. بين المحاسبة الضيقة وإصلاحات شاملة تنتظر النور
"وزير الاقتصاد الأسبق يدعو لخطة إنقاذ وطني: العودة بالدينار إلى غطائه الذهبي والاستعانة بخبراء دوليين لإنهاء سياسة 'عربة السكران'"
قراءة في خطاب وزير سابق
في تدوينة موسعة عبر صفحته الشخصية على منصة التواصل الاجتماعي، أطلق الدكتور منير علي عصر، وزير الاقتصاد والصناعة الأسبق، تحذيراً اقتصادياً وصف فيه السياسة المالية المتبعة في ليبيا بأنها “تفكير محاسبي ضيق” يقود البلاد نحو مزيد من التدهور، داعياً إلى إعادة النظر جذرياً في منهجية معالجة ملف الوقود والدعم، بعيداً عن النظرة الجزئية التي تركز على المكاسب المباشرة في الميزانية دون النظر إلى التكلفة الاقتصادية والاجتماعية الكاملة.
وما يطرحه الوزير الأسبق ليس مجرد رأي عابر، بل قراءة نقدية لسياسة اقتصادية رأى أنها تغفل العلاقات العضوية بين متغيرات الاقتصاد الكلي، وتتعامل مع الدولة وكأنها شركة تجارية هدفها تحقيق أرباح في دفتر الحسابات، متناسية أن للدولة التزامات اجتماعية وتنموية وأمنية تتجاوز بكثير معادلة “البيع والشراء”.
ذاكرة السمكة وقانون المرتبات المجحف
يستهل عصر تدوينته باستنكار ما وصفه بـ”التفكير المحاسبي الضيق وذاكرة السمكة” التي تطغى على بعض المسؤولين والسياسيين، في إشارة إلى تناسي الضوابط التي صاحبت وضع قانون المرتبات رقم 15 لعام 1973، والذي قيل عنه زوراً وبهتاناً إنه قانون سيء السمعة، رغم أنه وضع بضوابط علمية دقيقة ربطت الدخل بالمتطلبات السلعية الأساسية، مع مجانية التعليم والصحة.
ويضرب عصر مثالاً بالأرقام ليكشف حجم الانهيار الذي أصاب القيمة الشرائية للدينار الليبي، مشيراً إلى أن مرتب الدرجة السابعة في ذلك الوقت كان 176 ديناراً، أي ما يعادل نحو 600 دولار بسعر صرف 28 قرشاً للدولار، مع سعر وقود يقترب من نصف دولار للتر. بالمقارنة مع اليوم، يؤكد عصر أن هذا المرتب يوازي الآن نحو 5000 دينار في أفضل تقدير، مع أن أسعار السلع الأساسية تضاعفت بما يتراوح بين 50 إلى 100 مرة، بل تجاوزت في بعضها الألف مرة.
وهم رخص الوقود في غياب الخدمات الأساسية
يطرح الوزير الأسبق إشكالية جوهرية تتعلق بمقارنة سعر الوقود بالدخل الفردي وليس بسعره العالمي، معتبراً أن الحديث عن رخص الوقود في ليبيا مقارنة بالأسواق العالمية هو “خرافة ما بعدها خرافة”، لأن غياب وسائل النقل العام، وعدم توفر شبكات مياه كافية في كثير من المناطق، وانعدام الخدمات الأساسية، يجعل من الوقود سلعة ضرورية لا يمكن الفصل بينها وبين تكلفة المعيشة اليومية للمواطن.
ففي المدن التي لا تمتلك شبكات مياه كافية ويعتمد سكانها على صهاريج نقل المياه، فإن أي زيادة في سعر الوقود تعني ارتفاعاً مباشراً في تكلفة وصول المياه إلى المواطن.
وبالمثل، فإن نقل المواد الغذائية والسلع، ونقل العمال والموظفين، والحافلات المدرسية، وسيارات الإسعاف، ونقل المنتجات الزراعية من المزارع إلى الأسواق، وتشغيل المصانع والمخابز، كلها أنشطة مرتبطة بشكل مباشر بتكلفة الوقود.
ملاحقة الانهيار بدلاً من معالجته
في أحد أكثر مقاطع تدوينته إثارة، يشبه عصر السياسة الاقتصادية الحالية بـ”العربة التي تجري وراء الانهيار كعربة سكران”، متسائلاً: “لماذا بدلاً من أن نعالج انهيار العملة الليبية نلاحق الانهيار؟” ويطالب بالعودة إلى تغطية الدينار بغطاء ذهبي، ووضع خطة إصلاحية اقتصادية كاملة يشارك فيها اقتصاديون وخبراء مالية عامة ومختصون، بدلاً من السياسات الانتقائية التي تركز على رفع سعر الوقود كحل وحيد لأزمة الميزانية.
ويضيف أن مرتبات الموظفين اليوم لا تتجاوز في بعضها المائة دولار، بينما كانت في السابق تعادل ستمائة دولار، في ظل تضخم تجاوز في بعض السلع الأساسية الألف مرة، فكيف يمكن التعامل مع هذا التفاوت الهائل بمعزل عن خطة شاملة؟ هذا السؤال يظل معلقاً في تدوينة الوزير الأسبق، الذي يرى أن ملاحقة انهيار الدينار بغلاء الأسعار لن يؤدي إلا إلى تضخم مفرط وانهيار اقتصادي شامل.
الإصلاح الحقيقي بين المفهومين المحاسبي والاقتصادي
يفرق عصر في تحليله بين مفهومين أساسيين: “الربح المحاسبي” الذي يمثل الفرق بين تكلفة السلعة وسعر بيعها، و”الربح أو التكلفة الاقتصادية” التي تقيس الأثر الكامل للقرار على الاقتصاد والمجتمع والإنتاج والأسعار. ويؤكد أن المشكلة تكمن عندما تغيب الرؤية الاقتصادية الشاملة وتسيطر النظرة المحاسبية الضيقة على صنع القرار.
فالدولة ليست تاجراً يبحث عن هامش ربح، بل هي كيان يدير اقتصاداً ومجتمعاً، وأي قرار يتعلق بسعر الوقود لا يتوقف أثره عند محطة الوقود، بل يمتد إلى النقل والغذاء والصناعة والزراعة والمياه والتعليم والخدمات، وصولاً إلى تكلفة معيشة المواطن وأمنه الغذائي والاجتماعي.
ويطرح عصر سؤالاً محورياً: “هل قمنا بحساب تكلفة رفع سعر الوقود على الاقتصاد بالكامل أم حسبنا فقط الفرق بين تكلفة الاستيراد وسعر البيع؟” ويرى أن أي إصلاح لسعر الوقود بمعزل عن بقية الاقتصاد هو إصلاح ناقص قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فالإصلاح لا يعني رفع سعر سلعة وترك السوق يتحمل الصدمة، بل يعني إعادة بناء المنظومة كاملة.
ستة متطلبات تسبق أي إصلاح لأسعار الوقود
يحدد الوزير الأسبق ستة متطلبات أساسية ينبغي أن تسبق أي إصلاح في منظومة الوقود:
أولاً: إنشاء شبكة نقل عام فعالة، حتى لا يضطر المواطن إلى استخدام سيارته الخاصة في كل تنقلاته، مما يرفع استهلاكه من الوقود ويضاعف تكلفة معيشته.
ثانياً: تطوير شبكات نقل المياه في المدن التي تعتمد على الصهاريج، لأن الوقود في هذه الحالة يصبح جزءاً مباشراً من تكلفة وصول المياه إلى المواطن.
ثالثاً: إنشاء منظومة نقل ولوجستيات للسلع، لتقليل تكلفة نقل الغذاء والمواد الخام والمنتجات بين المدن، وهي تكلفة تنتقل مباشرة إلى المستهلك النهائي.
رابعاً: حماية القطاعات الإنتاجية (الصناعة والزراعة والصيد والنقل التجاري) بسياسة طاقة واضحة، حتى لا تتحول زيادة تكلفة الوقود إلى زيادة في أسعار الإنتاج تفقد هذه القطاعات قدرتها التنافسية.
خامساً: معالجة التضخم قبل تحميل المواطن تكلفة إضافية، خاصة أن القوة الشرائية للمواطن تتراجع أصلاً، ورفع تكلفة الوقود دون إجراءات موازية قد يؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.
سادساً: توجيه الدعم بدلاً من إلغائه بصورة عمياء، فإذا كان هناك هدر في منظومة الوقود، فالمطلوب معالجة الهدر والتهريب وسوء الإدارة، وليس بالضرورة تحميل المواطن الصدمة كاملة.
دور الخبرة الدولية وليس العيب في الاستعانة بالخبراء
في إشارة واضحة إلى عقلية الرفض التي تسود بعض الأوساط تجاه الاستعانة بالخبرات الأجنبية، يضرب عصر مثالاً بالصين التي استعانت بخبراء دوليين في بناء نهضتها الحديثة، رغم أنها بلد المليار نسمة، ولم تقل إنها دولة كبيرة فلا تحتاج إلى خبراء خارجيين، فليس بعيب الاستعانة بخبراء دوليين، بل العيب هو الاستمرار في سياسات فاشلة بدعوى الوطنية المزعومة.
ويطالب عصر بتمييز واضح بين الملاك الخدمي والملاك العام والملاك الفني باختصاصه، وفهم أن الحكومات لا تصنع الخطط بقدر ما تنفذها، وإعداد الخطط يحتاج إلى مكاتب عالمية وفنية متقدمة جداً، تعتمد على بيانات دقيقة وأدوات تنبؤ عالية الدقة والجودة.
التكلفة الكاملة للقرار الاقتصادي
في ختام تدوينته، يلخص عصر رؤيته في أن الدولة عند اتخاذ أي قرار اقتصادي كبير، يجب ألا تسأل فقط “كم ستوفر الدولة من المال؟”، بل يجب أن تسأل أيضاً: كم سترتفع تكلفة النقل؟ كم سترتفع أسعار الغذاء؟ كم ستزيد تكلفة المياه؟ كم ستزداد تكلفة الإنتاج؟ كم ستنخفض القوة الشرائية؟ وما أثر ذلك على التضخم والبطالة والاستثمار؟
فإذا كانت الدولة ستوفر عشرة أو عشرين مليار دينار في بند معين، لكنها ستدفع الاقتصاد والمواطن إلى تحمل مليارات إضافية في تكاليف أخرى، فهل حققنا إصلاحاً اقتصادياً؟ هذا هو السؤال الذي يضعه الوزير الأسبق أمام صناع القرار، داعياً إلى نقاش جاد لا يقف عند حدود الأرقام المحاسبية، بل يتجاوزها إلى الأثر الاقتصادي والاجتماعي الشامل.
خلاصة: الدولة ليست شركة وقود
يؤكد عصر في تدوينته أن الهدف النهائي من السياسة الاقتصادية ليس أن تبدو أرقام الميزانية أفضل فقط، بل أن يصبح الاقتصاد أفضل، وأن تصبح حياة المواطن أفضل. فالدولة ليست شركة وقود، والاقتصاد الوطني ليس دفتر حسابات منفصلاً عن حياة الناس.
الإصلاح الحقيقي، وفقاً لرؤية الوزير الأسبق، هو الذي يخفض التكلفة الكلية على الاقتصاد، لا الذي ينقل التكلفة من خانة في الميزانية إلى جيب المواطن.
وهو الذي يحارب الهدر والتهريب والفساد، ويعيد توجيه الموارد، ويحافظ في الوقت نفسه على استقرار الأسعار والقدرة الشرائية والإنتاج، بعيداً عن سياسات “عربة السكران” التي تجري وراء الانهيار دون أن تدركه.



