تونس تحتضن حواراً ليبيّاً.. وطرابلس تردّ بوضع أحد المشاركين في “منظومة الترقب”
منال أبوعميد تكشف عن لقاء ليبي-ليبي في تونس.. وتتساءل: لماذا يُمنع الليبيون من الجلوس مع بعضهم؟
ليبيا 24
لقاء في تونس.. وترقب في طرابلس
في مشهد يعكس عمق الانقسام الذي تعانيه البلاد، احتضنت العاصمة التونسية يوم الاثنين الماضي لقاءً ليبيّاً-ليبيّاً، بعد أن قوبلت محاولات عقده داخل ليبيا بالرفض. اللقاء الذي جمع شخصيات من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، إضافة إلى أحزاب سياسية وممثلين عن المجتمع المدني ومواطنين مهتمين بالشأن العام، جرى بحضور إعلاميين محليين ودوليين، ومشاركة البعثة الأممية للدعم في ليبيا كمراقب، إلى جانب عدد من السفراء المعتمدين.
لكن ما إن انتهى اللقاء حتى فوجئ المشاركون بوضع اسم عبدالحكيم بعيو في “منظومة الترقب”، مع الحديث عن ضبطه عند وصوله إلى المطار. سؤال واحد يفرض نفسه اليوم على كل ليبي: ما الجريمة التي ارتكبها؟ هل لأنه جمع الليبيين؟ أم لأنه تجرأ على الحديث في الشأن العام؟ أم لأن الليبيين حاولوا مناقشة مشاكل بلادهم والبحث عن حلول لها؟
أزمات متراكمة وحوار ممنوع
ناقش اللقاء بكل وضوح الأزمات التي تعيشها ليبيا: الحروب التي لم تنته، الاغتيالات التي طالت شخصيات سياسية وعسكرية وأمنية من بينها سيف الإسلام القذافي واللواء محمد الحداد والفيتوري غريبيـل، استهداف خزانات النفط، والوضعين الأمني والاقتصادي المترديين، وارتفاع سعر الدولار والمحروقات الذي يضغط على جيوب المواطنين.
وطرح المجتمعون ملفاً آخر أكثر إيلاماً: ملف المرتزقة الأجانب ومظاهراتهم للمطالبة بمرتباتهم. إنه سؤال يفضح تناقضاً مزلزلاً: كيف توجد قوة أجنبية على أرض ليبيا بينما الليبي يقتل الليبي؟
الحكومة المنتهية الولاية.. غائبة عن الأزمات حاضرة في التكميم
في الوقت الذي تتصدر فيه قوائم انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار ونقص الدواء والضغط المعيشي والنفسي الكبير هموم المواطن الليبي، تظل حكومة عبدالحميد الدبيبة – المنتهية ولايتها بموجب كل المعايير القانونية والسياسية – غائبة عن معالجة هذه الملفات، لكنها حاضرة بقوة في تكميم الأفواه وبث الخوف في قلوب الليبيين.
فبينما يُترك المواطن الليبي يعاني من انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، ويهرول خلف الدواء الناقص في الصيدليات، ويراقب الدولار يرتفع دون أي تدخل جاد، تُفتش الأجهزة الأمنية عن المشاركين في جلسات حوار ويوضعون في منظومات الترقب.
أليس هذا تناقضاً صارخاً؟ أليست جلسة يجلس فيها الليبي مع أخيه الليبي أقل خطراً من خزان نفط يُستهدف أو طائرة مسيّرة تُحلق في سماء العاصمة؟
اغتيالات بلا تحقيق.. وقوة أمنية بلا رادع
إن ملفات الاغتيالات التي طالت شخصيات وازنة كاللواء محمد الحداد تظل معلقة دون تحقيق يُذكر، وملفات استهداف خزانات الزاوية والطائرات المسيّرة والهجمات على مقدرات الدولة تنتظر من يفضيها، في مشهد يعكس غياب الدولة ومؤسساتها عن أداء دورها الأساسي في حماية المواطن وممتلكاته.
أين التحقيقات في هذه الجرائم؟ أين القوة في ملفات الحروب والتهجير والاغتيالات؟ إن غياب العدالة وغياب القانون الذي يطبق على الجميع هو ما أوصل البلاد إلى هذا المأزق، حيث أصبح المواطن الليبي يشعر أنه أعزل أمام ميليشيات تتصرف بحرية، بينما كل من يحاول جمع شمل الليبيين أو الدعوة للحوار يُوضع تحت طائلة الترقب والملاحقة.
حوار الليبيين.. جريمة أم واجب وطني؟
الدكتورة منال أبوعميد، عضو لجنة الحوار المهيكل، طرحت السؤال الأكثر إلحاحاً: “إذا كان الحوار الليبي جريمة، قولولنا. وإذا كان الكلام في الشأن العام تهمة، وضحوا لنا بالقانون.” إنه سؤال مشروع من مواطنة تحاول أن تفتح نافذة أمل في جدار اليأس الذي يخيم على البلاد.
فالمطلوب اليوم ليس تكميم الأفواه وبث الخوف في قلوب الليبيين، فهذه السياسات لن تحل أزمة ولن تبني دولة. ما تحتاجه ليبيا اليوم هو حوار يجمع الليبيين، وتحقيقات تكشف الحقيقة، وقانون يطبق على الجميع دون استثناء.
ليبيا بحاجة إلى حكومة جديدة موحدة تعالج الملفات العاجلة: الملف الاقتصادي وملف الصحة وملف التعليم والملف الأمني الذي يرتكز عليه أمن المواطن.
واللي خايف من اجتماع الليبيين… عليه أن يقول لنا: بالليبي علاش؟



