معركة القرار الضائع: كيف حوّل الانقسام المؤسسي مصرف ليبيا المركزي إلى ساحة صراع على الريع ونهب مدخرات المواطن؟
من واقعية الأرقام إلى أخلاقيات الإنقاذ: جدل منهجي حول مصير الدينار الليبي بين شروط النظرية الاقتصادية وقسوة الواقع المأزوم
ليبيا 24
صراع القرار في قلعة السياسة النقدية: خبراء ليبيون يكشفون انهيار الحوكمة بالمصرف المركزي وانقسامه إلى مؤسستين متناحرتين
قراءة في أروقة صنع القرار النقدي
في بلد يغرق في أتون الانقسام السياسي، وتتناحر فيه مؤسسات السيادة على شرعية غير مكتملة، يبقى المواطن الليبي وحيداً يواجه وحش التضخم الذي يلتهم قيمته الشرائية، ودولار السوق الموازي الذي يقفز كل صباح محملاً بأرقام تخيف العقل وتُفجع الجيب.
لكن خلف هذه الأرقام المتقلبة، هناك سؤال أكثر إيلاماً يتعلق بكيفية صنع القرارات التي تدير هذه الأزمة، ومن يتحمل مسؤوليتها حقاً، ولماذا أصبح مصرف ليبيا المركزي، هذا الحصن المنيع الذي كان عصياً على الاختراق، يعيش اليوم أزمة ثقة خانقة تجعله جزءاً من المشكلة قبل أن يكون جزءاً من الحل.
هذا السؤال هو ما طرحه بقوة الخبير الاقتصادي الدكتور محمد أبوسنينة في منشور موسع، ليجد صدى عميقاً لدى الدكتور حلمي القماطي، رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي، ليكشفا معاً عن طبقات من الفساد الإداري والسياسي التي أحاطت بصنع القرار النقدي، ويضعان إصبعهما على الجرح النازف: لم يعد السؤال عن نجاعة السياسات النقدية فقط، بل عن سلامة الآلية التي تُنتج هذه السياسات، وعن غياب المحاسبة التي تجعل من يتخذ القرارات في منأى عن تبعاتها الكارثية على حياة الملايين.
العصر الذهبي: حين كانت المسؤولية لا تتجزأ ولا تُفوض
يستهل الدكتور أبوسنينة رحلته في استكشاف آلية القرار بالمصرف المركزي، بالعودة إلى “العصر الذهبي” للمؤسسة، ليرسم لوحة ناصعة للانضباط المؤسسي الذي كان سائداً. يصف أبوسنينة مصرفاً مركزياً كان “مؤسسة مالية منضبطة، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تتخذ فيها القرارات وفقاً لتراتبية مؤسسية، لا مجال فيها للاستحواذ على القرار أو الإقصاء، أو التأثيرات الخارجية”.
وكانت القاعدة الذهبية التي تحكم العمل هي أن “القرارات غير الصائبة، إن وجدت، كان يتحمل مسؤوليتها ويدفع ثمنها من قام بها، دون الإخلال بمسؤولية من فوّض بصلاحيات اتخاذها، في حدود السلطات المفوضة له، دون الإخلال بمبدأ أن المسؤولية لا تتجزأ ولا تفوض”.
يستشهد أبوسنينة بحادثتين فارقتين لتجسيد هذا المبدأ. في الأولى، حين وجهت الرقابة الإدارية طلب حضور لأحد المدراء للتحقيق، تدخل المحافظ ليؤكد أنه المسؤول الأول، وأن الموظف يخضع لإدارة المصرف في أي تحقيق داخلي، راداً بذلك أي محاولة لتجاوز السلطات أو تفتيت وحدة القرار المؤسسي.
وفي الثانية، حين وقعت مخالفة جسمية في أحد الفروع، ورغم وضوح الجريمة واعتراف الموظف بها، لم يتنصل المحافظ من مسؤوليته، بل أعلن بكل شجاعة أنه المسؤول وتحمّل التبعات.
هذه الصورة، التي يقدمها أبوسنينة، ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل هي معيار نقدي لاذع للحاضر الذي أصبحت فيه المؤسسة مجرد غنيمة تُتداول بين الأطراف المتنازعة.
انقسام الجسد الواحد: كيف أصبح القرار النقدي رهينة الصراع السياسي؟
مع انطلاق عام 2011، ثم تعمق الانقسام بعد 2014، تحول المصرف المركزي إلى نسختين متناحرتين، كل منهما تدعي الشرعية.
وهنا يكشف الدكتور أبوسنينة عن التحول الجوهري في آلية القرار، حيث تآكلت “وحدة القرار النقدي وسلسلة المسؤولية والمساءلة”، كما سيصفها الدكتور القماطي لاحقاً.
فلم يعد القرار يخضع لتلك التراتبية المحكمة، بل أصبح رهينة للانقسام الجغرافي والسياسي، وللعلاقة المتوترة مع وزارة المالية التي كانت تمارس ضغوطاً هائلة على المصرف لتوفير السيولة، محملة إياه تبعات قرارات تمويل العجز التي تتخذ خارج إطار القانون.
يقر أبوسنينة بأن المصرف المركزي، في كثير من الأحيان، “يجد نفسه مضطراً لاتخاذ بعض القرارات التي تستوجبها علاقته بوزارة المالية ومسؤولياته عن توفير السيولة، إلا أن تبعات هذه القرارات في كثير من الأحيان تعود على المصرف المركزي منفرداً، عندما تكون بالمخالفة لأحكام قانون المصارف”.
هذه الجملة تحمل في طياتها إدانة صريحة لوضع أصبحت فيه المؤسسة السيادية مضطرة للانحناء لإرادة سلطة تنفيذية منتهية الولاية، تدفعها نحو الهاوية، ثم تتركها وحدها تتحمل وزر الانفلات النقدي والتضخم الذي يطحن المواطن.
حوكمة مفقودة ومساءلة غائبة: القماطي يدق ناقوس الخطر
يتدخل الدكتور حلمي القماطي ليضع النقاط على الحروف، مؤكداً أن طرح أبوسنينة “يضع النقاش في إطاره الصحيح”، لأن جوهر المشكلة لا يرتبط فقط بنوعية القرارات، بل بمنظومة الحوكمة التي تنتج القرار وتحدد المسؤولية عنه.
يوضح القماطي فارقاً جوهرياً قد يغيب عن الكثيرين: “استقلالية المصرف المركزي لا تعني استقلال المحافظ عن مجلس الإدارة أو عن القانون، وإنما تعني استقلال المؤسسة في ممارسة اختصاصاتها ضمن إطار قانوني ومؤسسي واضح”.
هذه النقطة بالغة الأهمية، ففي غياب هذا الإطار الواضح، يصبح “استقلال” المحافظ مجرد ستار يخفي تحكمه الفردي بالقرارات، أو خضوعه للضغوط السياسية، دون أن يكون هناك مجلس إدارة قوي يمارس رقابته أو قانون يحاسبه.
ويذهب القماطي إلى أن الانقسام الذي شهده المصرف بعد 2014 “لم يكن مجرد انقسام جغرافي، بل أضعف وحدة القرار النقدي وسلسلة المسؤولية والمساءلة واتساق أدوات السياسة النقدية، وجعل العلاقة بين السياسة النقدية والمالية أكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل هيمنة الإنفاق العام والاعتماد على الإيرادات النفطية”.
وهنا يطرح القماطي السؤال الأكثر إلحاحاً: “ليس فقط من اتخذ القرار؟ بل هل اتخذ القرار وفق الاختصاص وبناءً على مؤشرات اقتصادية ومن خلال مؤسسات الحوكمة المعتمدة، وهل يمكن تحديد المسؤولية عنه ومساءلته؟”.
هذا السؤال، الذي ينتظر إجابة في الأجزاء القادمة من تحليل أبوسنينة، هو بالضبط ما يخشاه النظام القائم، لأنه يكشف عن الفراغ القانوني والأخلاقي الذي تتحرك فيه مؤسسات الدولة اليوم.
واقعية اقتصادية قيمية: منهج جديد أم اعتراف بالفشل؟
في سياق النقاش، يقدم الدكتور أبوسنينة مفهوماً جديداً يعتبره الأنسب للحالة الليبية، وهو “الواقعية الاقتصادية القيمية”.
يرى أن الاعتماد على الفكر الاقتصادي التقليدي ونظرياته، وإسقاطها على واقع الاقتصاد الليبي المعقد، “لن يكون كافياً، وفي كثير من الأحيان غير مناسب لعدم توفر اشتراطاتها”.
فالتوصية باتخاذ إجراءات محددة في تجاهل تام للواقع والقيم التي تحكمه “قد يفضي إلى نتائج عكسية وقد يزداد الأمر تعقيداً”.
الواقعية الاقتصادية القيمية، كما يشرحها، تجمع بين عنصرين: الأول هو تحليل الاقتصاد كما هو قائماً بناءً على الحقائق والقيود والبيانات والحوافز، وليس على الأمنيات أو الشعارات.
والثاني هو أن السياسات الاقتصادية لا تُقيّم فقط بمدى كفاءتها، بل أيضاً بمدى توافقها مع قيم المجتمع مثل العدالة، والكرامة الإنسانية، والاستقرار، والتكافل. بعبارة أخرى، هي دعوة للاعتراف بأن تطبيق سياسات تقشفية أو تحريرية مستوردة، دون النظر إلى خصوصية المجتمع الليبي وقيمه الاجتماعية، هو وصفة أكيدة للفشل وإدامة الأزمة.
هذا الطرح، الذي يبدو أكاديمياً، يحمل في جوهره نقداً سياسياً حاداً. فهو يؤكد أن الهدف في المرحلة الحالية يجب أن يكون “التخفيف من حدة الأزمة، وتلافي احتمالات الانهيار، إلى حين انتهاء الانقسام السياسي وتوحيد المؤسسات السيادية”.
أي أن أي إصلاح حقيقي يستحيل تحقيقه في ظل الانقسام القائم، وأن كل ما يمكن فعله حالياً هو تضميد الجراح ومنع الأسوأ، وهذا في حد ذاته اعتراف بأن النظام الحالي، بقيادة حكومة الدبيبة، غير قادر على تقديم حلول جذرية، بل هو جزء من المشكلة التي تعمق الأزمة.
حكومة الدبيبة واستمرار النهب المؤسسي
في خضم هذا النقاش التقني الدقيق، يبرز السؤال السياسي الأكبر: أين هي حكومة الدبيبة من كل هذا؟ فالمصرف المركزي، كما يصفه أبوسنينة والقماطي، يعاني من انقسام مؤسسي وتردي في الحوكمة وغياب للمساءلة.
هذه الظروف ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج لسياسة متعمدة تهدف إلى إبقاء المؤسسات السيادية في حالة من الضعف والانقسام، لتكون أكثر قابلية للاختراق من قبل شبكات المصالح التي تستفيد من فجوة سعر الصرف، ومن عقود التوريد والصيانة الضخمة، ومن غياب أي رقابة فعلية على الإنفاق العام.
إن إصرار حكومة الدبيبة على الإنفاق في غياب ميزانية عامة موحدة، والتمويل بالعجز عبر خلق النقود، هو ما يخلق الطلب المفرط على الدولار، ويوسع فجوة السعر بين الرسمي والموازي، ويغذي المضاربة والريع.
وفي غياب مجلس إدارة قوي وقانون نافذ، يجد المحافظ نفسه، سواء أراد أم لم يرد، مضطراً للاستجابة لهذا الإنفاق، محملاً وحده تبعات قرارات تمويل العجز التي ترهق كاهل الاقتصاد وتزيد من معاناة المواطن الذي يرى قيمة مدخراته تتبخر يومياً.
المواطن يدفع الثمن بين غياب الحوكمة وفوضى القرار
ما يقدمه الدكتوران أبوسنينة والقماطي هو تشريح دقيق لمرض عضال أصاب جوهر الدولة الليبية، وهو مؤسسة إدارة النقود والسياسة النقدية يؤكدان أن الأزمة ليست مجرد أزمة سياسات أو أرقام، بل هي أزمة حوكمة ومساءلة في المقام الأول.
فحتى السياسات النقدية الأكثر كفاءة في العالم تفشل إذا تم تنفيذها في بيئة تنعدم فيها الشفافية، وتغيب فيها سلسلة المسؤولية، وتحتكر فيها القرارات الفردية على حساب المؤسسات.
واقع المواطن الليبي اليوم، الذي يعاني من ارتفاع الجنوني للأسعار وانخفاض مدخراته، هو الثمن الباهظ لهذا الفراغ المؤسسي. فالدينار ينهار، والدولار يعلو، والأسواق تشتعل، بينما يتناطح المسؤولون في صراعاتهم على المناصب والريع.
وإنقاذ ما تبقى من اقتصاد هذا البلد يبدأ باستعادة هيبة المؤسسة المصرفية، وإعادة بناء منظومة حوكمة تجعل القرارات شفافة، والمسؤولية واضحة، والمحاسبة حتمية.
وحتى ذلك الحين، سيظل المواطن الليبي هو الضحية الأكبر في معركة قرار ضائع بين أطراف لا تهمها إلا مصالحها الضيقة.



