ليبيا

الدينار الليبي يدفع ثمن الانقسام وفوضى الميليشيات

ازدواجية الإنفاق والصراع السياسي يوسعان فجوة الصرف ويستنزفان القوة الشرائية

يواصل الدينار الليبي تراجعه في السوق الموازية، في انعكاس مباشر لتراكم أزمات سياسية وأمنية واقتصادية عمّقتها حالة الانقسام المؤسسي الممتدة منذ أكثر من عقد.
وبينما يتسع الفارق مع السعر الرسمي لمصرف ليبيا المركزي إلى نحو 2.76 دينار، يجد المواطن نفسه أمام ارتفاع متواصل في تكاليف المعيشة وتآكل متزايد في القوة الشرائية.

الانقسام المؤسسي يضاعف الضغوط على العملة

لا يمكن فصل تراجع الدينار عن الانقسام بين المؤسسات والسلطات المتنافسة في شرق البلاد وغربها، وما نتج عنه من ازدواجية في إدارة الموارد والإنفاق العام،حيث ان التوسع في الالتزامات المالية، يضعف قدرة السياسة النقدية على ضبط سوق النقد الأجنبي ويزيد الطلب على الدولار خارج القنوات الرسمية.
فوضى السلاح تضيف مخاطر إلى الاقتصاد

ولا تقتصر تداعيات الانقسام على الجانب المالي، إذ يؤدي استمرار التوترات الأمنية والاشتباكات بين الفصائل المسلحة إلى رفع مستوى المخاطر السياسية والاقتصادية، خصوصاً مع استهداف مرافق نفطية، وهي شريان الإيرادات الرئيسي للدولة.

وتزداد خطورة هذا الوضع في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط؛ فأي اضطراب في الإنتاج أو التصدير يهدد تدفقات النقد الأجنبي، ويضغط على احتياطيات العملة ويزيد حساسية السوق الموازية تجاه التطورات الأمنية والسياسية.

ومن هذه الزاوية، تتحول الميليشيات من عامل أمني إلى عامل اقتصادي مباشر، لأن استمرارها خارج إطار الدولة الموحدة يضعف قدرة المؤسسات على حماية المنشآت الحيوية وفرض قواعد موحدة للإنفاق والموارد.

السياسة النقدية تحت ضغط التجاذبات

وتكشف تصريحات خبراء الاقتصاد عن مشكلة أعمق تتمثل في تراجع استقلالية القرار الاقتصادي أمام الضغوط السياسية والأمنية حيث ويرى الخبير الاقتصادي عبد الحميد الفضيل أن جانباً من السياسة النقدية أصبح مرتهناً لضغوط وتعليمات سياسية وأمنية، بما يحد من قدرة المصرف المركزي على إدارة أدواته بعيداً عن التجاذبات.

وفي المقابل، يرى العضو السابق بمجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي محمد أبو سنينة أن التعامل الواقعي مع الأزمة هو الخيار الأكثر ملاءمة في المرحلة الحالية، بهدف الحد من تداعياتها وتفادي احتمالات الانهيار إلى حين إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات السيادية.

المواطن يدفع فاتورة تراجع الدينار

الأثر الأكثر وضوحاً لتراجع العملة لا يظهر فقط في سعر الدولار، بل في الأسواق وقدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم، فارتفاع الأسعار وتراجع قيمة الدينار أضعفا القيمة الفعلية للأجور، رغم ارتفاع قيمتها الاسمية مقارنة بما كانت عليه قبل 2011.

ويعكس ارتفاع أسعار السلع الأساسية حجم الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، إذ لم تعد زيادة المرتبات تعني بالضرورة تحسناً في مستوى المعيشة، في ظل استمرار التضخم وتراجع القوة الشرائية.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية… فالدولة قد ترفع الإنفاق على المرتبات لتخفيف الضغوط الاجتماعية، لكن ضخ مزيد من الإنفاق في اقتصاد منقسم ومن دون معالجة الاختلالات الهيكلية قد يؤدي إلى زيادة الطلب على النقد الأجنبي، ومن ثم مزيد من الضغط على الدينار.

ويظهر مسار الدينار أن تراجع العملة هو في جانب كبير منه نتيجة لاختلالات أوسع، وليس أزمة نقدية منفصلة، فكلما استمر الانقسام السياسي، وتعددت مراكز الإنفاق، وبقي السلاح خارج إطار الدولة، زادت صعوبة بناء سياسة مالية ونقدية متماسكة.

وبالتالي، فإن استعادة قوة الدينار لا تبدأ فقط من إجراءات سعر الصرف، وإنما من معالجة البيئة التي تنتج هذا التراجع من خلال توحيد المؤسسات، ضبط الإنفاق، حماية قطاع النفط، تحجيم الإنفاق الموازي، وإخضاع الموارد العامة لسلطة مالية موحدة.

وفي غياب هذه المعالجات، سيظل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة الصراع، يدفع كلفة الانقسام مرتين؛ مرة عبر تراجع قيمة العملة، ومرة عبر ارتفاع أسعار السلع والخدمات، بينما تتآكل تدريجياً الفوائد التي يفترض أن تحققها الثروة النفطية للاقتصاد والمجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى