خبير اقتصادي يكشف قنوات انهيار الدينار.. ويؤكد: الإصلاح لا ينتظر اتفاق السياسيين
خبير اقتصادي يكشف قنوات انهيار الدينار.. ويؤكد: الإصلاح لا ينتظر اتفاق السياسيين

ليبيا 24
في مشهد ليبي يموج بالتناقضات حيث تتعدد مراكز القرار وتتشعب مصادر الإنفاق، يظل المواطن الليبي وحده الطرف الأضعف في معادلة لا تبدو معقدة بقدر ما هي منهكة. فبينما تنشغل الساحة السياسية بصراعات النفوذ والشرعية، يواصل الدينار الليبي رحلة انحداره التدريجي، حاملاً معه القوة الشرائية لشعب يئن تحت وطأة غلاء معيشي غير مسبوق.
في هذا السياق، أثار عضو مجلس الدولة سعيد ونيس، عبر منشور له على منصة فيسبوك، سؤالاً جوهرياً حول مدى مساهمة المعضلات الرئيسية في المعادلة الاقتصادية الليبية -الانقسام المؤسسي، والفساد المالي والإداري، والتهريب، والتصدير العشوائي- في زيادة الضغوط على سوق الصرف وتراجع قيمة العملة الوطنية، ليأتي الرد من رجل الأعمال والخبير الاقتصادي حسني بي بتشخيص عميق يكشف الآليات الخفية التي تنقل بها هذه الاختلالات إلى سعر الصرف، وهو تشخيص يضع النقاط على الحروف في أزمة من صنع سياسات أقرب إلى العبث منها إلى التخطيط.
الانقسام المؤسسي.. إنفاق بلا سقف ومورد واحد يتعرض للنزيف
في قراءة اقتصادية بعيدة عن المزايدات السياسية، يرى حسني بي أن جوهر المشكلة لا يكمن في الانقسام كعنوان سياسي، بل في تحوله إلى تعدد غير منضبط لمراكز خلق الالتزامات المالية.
ويوضح بي أن أخطر أثر للانقسام المؤسسي هو وجود أكثر من مركز للقرار والإنفاق، بينما يظل مصدر الإيراد الحقيقي واحداً تقريباً وهو النفط والغاز. وهنا تبدأ الحلقة المفرغة: إنفاق أكبر يولد دينارات أكثر في الاقتصاد، مما يخلق طلباً أكبر على السلع المستوردة والدولار، ليزداد الضغط على ميزان المدفوعات والاحتياطيات، وتتسع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وتنخفض القوة الشرائية للدينار.
وهذا الواقع يطرح تساؤلاً محرجاً عن حكومة عبد الحميد الدبيبة، التي رغم انتهاء ولايتها وفق كافة المعايير القانونية والدستورية، ما زالت تتخذ منصبها غطاءً لسياسات إنفاق عشوائية.
فبدلاً من توحيد المؤسسات وترشيد الصرف، نجد أن كل جهة تستطيع إنشاء التزامات أو مرتبات أو مشروعات، لكنها في النهاية تطالب بالنصيب نفسه من الإيراد النفطي والنقد الأجنبي. إنه نموذج للفوضى الممنهجة التي تخدم مصالح ضيقة على حساب معاناة شعب بأكمله، حيث يتحول الانقسام السياسي إلى أداة لنهب المال العام تحت غطاء الإنفاق الحكومي.
الفساد.. من قضية أخلاقية إلى مشكلة نقدية تعصف بالدينار
يتجاوز حسني بي في تحليله النظرة الأخلاقية للفساد ليضعه في قلب المعادلة النقدية. فالإفساد، في تقديره، لا يخفض قيمة الدينار بشكل مباشر، بل يتحول إلى مشكلة خطيرة لسعر الصرف عندما يحول الإنفاق العام إلى طلب على النقد الأجنبي دون أن يقابله إنتاج حقيقي.
ويرسم بي فاصلاً دقيقاً بين إنفاق مليار دينار على مشروع إنتاجي يرفع من قدرات الدولة في الكهرباء أو المياه، وبين إنفاق نفس المبلغ في عقود مبالغ فيها أو مشروعات وهمية أو مشتريات لا تضيف أصلاً إنتاجياً.
فالأول يخلق قيمة وإنتاجية مستقبلية، بينما الثاني لا يخلق سوى سيولة وطلباً على الدولار دون خلق عرض مقابل من السلع والخدمات، وهنا يكمن المكمن الحقيقي للكارثة.
وهنا يبرز الدور التخريبي لحكومة الدبيبة التي حولت الميزانية العامة إلى فيض من الإنفاق الاستهلاكي غير المنتج، من مرتبات ودعم لا يصل إلى مستحقيه، إلى عقود مشبوهة تذهب أموالها في الغالب إلى جيوب الوسطاء والمقاولين الوهميين.
فالمواطن الليبي يدفع ثمن هذه السياسات مرتين: مرة من خلال التضخم الذي يأكل مدخراته، ومرة من خلال تردي الخدمات الأساسية التي كان من المفترض أن تتحسن بهذا الإنفاق الضخم. إنه نموذج للفساد المؤسسي الذي يتغذى على دماء الاقتصاد وقوت المواطنين.
التهريب والتصدير العشوائي.. ثنائية النهب الممنهج للموارد
في مقاربة مختلفة وجريئة، يرى حسني بي أن التهريب ليس مجرد ظاهرة أمنية يمكن وقفها بالقوة، بل هو نتيجة حتمية لتشوهات سياسية واقتصادية عميقة. فعندما تبيع ليبيا لتر الوقود بجزء ضئيل من قيمته الاقتصادية الحقيقية خارج الحدود، فإنها تخلق بنفسها هامش ربح استثنائياً للمهرّبين، محولة إياهم إلى مستثمرين في الريع بدلاً من أن يكونوا منتجين.
وهنا يوجه بي انتقاداً لاذعاً للسياسات الاقتصادية القائمة التي تجعل تهريب الوقود أكثر ربحية من إنشاء مشروع إنتاجي، مما يدفع الناس للاستجابة للحافز الذي صنعته الدولة نفسها.
أما التصدير غير المنظم، فيرى فيه بي خسارة مضاعفة للاقتصاد الوطني، إذ تفقد الدولة المورد أو الدولار الذي أنفقته لإنتاج الوقود، وتخلق في الوقت نفسه ريعاً خاصاً من المال العام.
لكنه يحذر من الخلط بين التصدير في حد ذاته والتصدير غير المنظم، مؤكداً أن ليبيا بحاجة ماسة إلى زيادة صادراتها غير النفطية، لكن بشرط أن تعود حصيلتها من النقد الأجنبي إلى النظام الاقتصادي والمصرفي الليبي.
ويطرح سؤالاً مصيرياً: كيف يمكن للتاجر أن يقبل ببيع إيراده من الدولار بسعر يقل عن قيمته العادلة بـ 30%، إن لم يكن النظام نفسه هو الذي يدفعه للتهرب من القنوات الرسمية؟
تعدد أسعار الصرف.. صناعة الريع باسم السياسة النقدية
في واحدة من أخطر الإشارات التي تضمنها تحليل حسني بي، يفضح الآلية التي تتبعها السياسة النقدية الليبية في صناعة الطلب على الدولار بنفسها.
فإذا كان الدولار الرسمي أرخص من الموازي بـ 30% أو 40%، فإن الحصول عليه يصبح استثماراً قائماً بذاته، وهنا تتحول السياسة النقدية من محاولة تلبية طلب اقتصادي حقيقي إلى خلق طلب للمراجحة والريع.
ويسأل بي بمنطق اقتصادي محض: إذا أعطيت ملايين المواطنين الحق في شراء الدولار بسعر يستطيعون بيعه بعده مباشرة بربح كبير، فأين يكمن الخطأ؟ إنه اعتراف ضمني بأن النظام الحالي يغذي الفساد ويحفز المضاربة على حساب الإنتاج الحقيقي، في مشهد يعكس بوضوح فشل حكومة الدبيبة في إدارة الملف النقدي.
القوة الشرائية.. المواطن الليبي يدفع الفاتورة
ينتقل بي في تحليله إلى الحلقة الأخيرة والأكثر إيلاماً، ألا وهي القوة الشرائية للمواطن. فعندما يفقد الدينار قيمته أمام الدولار، ترتفع تكلفة الواردات، وبما أن ليبيا تعتمد بشكل كبير على الاستيراد في الغذاء والدواء والمواد الخام، ينتقل انخفاض قيمة الدينار بسرعة إلى الأسعار المحلية.
وهنا يكمن الخداع الأكبر، حيث قد يحصل المواطن على زيادة اسمية في مرتبه، لكنه يصبح أفقر بالقيمة الحقيقية، لأن الدخل الحقيقي يقاس بكمية السلع والخدمات التي يستطيع شراءها، وليس بعدد الأصفار في الراتب.
الإصلاح الاقتصادي.. ضرورة لا تنتظر حلولاً سياسية
في ختام تحليله، يطرح حسني بي رؤية مختلفة تماماً عن النظرة السائدة التي تربط أي إصلاح اقتصادي بالحل السياسي الشامل. فهو يرى أن الاقتصاد لا ينتظر السياسة، وأنه يمكن، بل يجب، اتخاذ إجراءات اقتصادية جريئة حتى في ظل الانقسام، كوضع سقف موحد وشفاف للإنفاق العام، وربط أي إنفاق إضافي بمصدر تمويل حقيقي، ونشر كل الإيرادات والمصروفات من جميع الجهات، ومنع التمويل النقدي للعجز.
كما يدعو إلى إصلاح جذري لدعم المحروقات والطاقة، وتحويل الدعم تدريجياً من السلعة إلى المواطن، وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي حتى يختفي ريع العملة، وتنظيم العمالة الأجنبية وتحويلاتها، وإدخال التجارة والتصدير والعقارات والنشاط غير الرسمي إلى الدورة المصرفية.
ويؤكد بي على قاعدة مالية ملزمة للجميع، مفادها أنه لا يجوز لأي جهة أن تنفق اليوم ثم تترك للمصرف المركزي غداً مهمة إيجاد الدولارات اللازمة للدفاع عن قيمة الدينارات التي أنفقتها.
إنها دعوة صريحة لوقف النهب الممنهج للمال العام، ووضع حد للفوضى المالية التي تتغذى على غياب المساءلة، والتي تستمر حكومة الدبيبة في تغذيتها يومياً.
في قراءة متأنية لتحليل حسني بي، يتكشف أن أزمة الدينار الليبي ليست نتيجة حتمية للانقسام السياسي، بل هي نتاج سياسات اقتصادية خاطئة صنعتها مراكز قرار متعددة، كل منها يسعى لخدمة مصالحه الضيقة على حساب المصلحة العامة.
فالفساد لم يعد مجرد قضية أخلاقية، بل أصبح أداة منهجية لنهب الثروة الوطنية، والتهريب لم يعد ظاهرة أمنية بقدر ما هو نتيجة حتمية لتشوهات الدعم، وتعدد أسعار الصرف لم يعد إجراءً نقدياً بقدر ما هو باب واسع للريع والمضاربة.
وإذا كان هناك من يستمع، فإن رسالة الخبير الاقتصادي واضحة: لا يمكن الاستمرار في انتظار المعجزات السياسية، فالإصلاح الاقتصادي ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل، وحماية القوة الشرائية للمواطن الليبي هي المسؤولية الأولى والأخيرة لأي حكومة تدعي الشرعية.
فإما أن تتخذ الإجراءات الجريئة لوقف النزيف، أو يستمر الدينار في الانحدار، حاملاً معه ما تبقى من آمال الليبيين في حياة كريمة.



