اتفاق 4+4 يفتح بوابة التاريخ… والليبيون على موعد مع انتخابات تغلق ملف المراحل الانتقالية
توافق ليبي تاريخي يخرج البلاد من عنق الزجاجة ويمهد الطريق لانتخابات رئاسية وتشريعية تعيد الشرعية للشعب

ليبيا 24
ليبيا تخرج من عنق الزجاجة.. اتفاق 4+4 يفتح آفاق جديدة لإنهاء الأزمة وبناء الدولة
في مشهد سياسي حمل دلالات عميقة على حجم التحول الذي تشهده الساحة الليبية، جرى التوقيع على اتفاق لجنة “4+4” ليعلن الليبيون تمسكهم بالخيار التوافقي كسبيل وحيد للخروج من نفق الانسداد السياسي الطويل. هذا الاتفاق الذي وصفه مراقبون بالتاريخي، يأتي بعد سنوات من الجمود والتعثر التي عانى منها المسار السياسي في البلاد، ليرسم ملامح مرحلة جديدة عنوانها الأساسي إنهاء المراحل الانتقالية والوصول إلى صناديق الاقتراع.
إرادة وطنية تتوج بخطوة مفصلية
في أول رد فعل على التوقيع، أكد عضو مجلس النواب محمد عامر العباني أن مخرجات لجنة 4+4 “تقود إلى الخروج من عنق الزجاجة والوصول إلى إجراء انتخابات تُنهي الأزمة السياسية وتساهم في حرق المراحل الانتقالية”.
هذا التقييم الذي يعكس قراءة سياسية عميقة لأبعاد الاتفاق، يضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بحجم التحدي الذي يواجه الليبيين في المرحلة المقبلة، حيث لم يعد هناك مجال للتراجع أو المماطلة بعد أن تم الاتفاق على القوانين الانتخابية التي ظلت عثرة في طريق الاستحقاق الدستوري.
وفي هذا السياق، رأت عضو مجلس النواب ربيعة أبوراس أن “الدعم الدولي لمخرجات 4+4 يمنح الأطراف حافزاً للانتقال من التفاهم إلى التنفيذ”، مشيرة إلى أن “هذا الدعم يعكس تحولاً مهماً في المشهد الليبي ويسهم في تثبيت المسار”.
وأوضحت أبوراس أن “تعدد المسارات لم يعد يخدم الوصول إلى حل”، مما يؤكد أن المجتمع الدولي بات يدرك ضرورة توحيد الجهود خلف مسار واحد قادر على تحقيق اختراق حقيقي في الأزمة الليبية.
ولفتت أبوراس إلى أن “الأطراف الليبية تتحرك بجدية نحو التوافق وتجاوز انتظار الحلول من الخارج، ما وفر للمجتمع الدولي مساراً ليبيّاً يمكن البناء عليه ودعمه”.
وفي تأكيد على استقلالية القرار الوطني، شددت على أن “الدعم الدولي عامل مساعد وليس بديلاً عن الإرادة الليبية”، محذرة من أن “التحدي الآن هو تحويل الزخم إلى خطوات عملية عبر إعلان التوافقات بشفافية، ووضع آليات واضحة لتنفيذها وتوسيع دائرة المشاركة”.
دعم واسع يمتد ليشمل مختلف الأطياف
وفي تطور يعكس حالة التوافق التي رافقت التوقيع، بارك المرشح الرئاسي السابق سليمان البيوضي هذا الاتفاق، داعياً البعثة الأممية والمجتمع الدولي إلى “دعم حوار سياسي يمثل كل القوى السياسية ويفضي لتطبيق اتفاق 6+6 واللجنة الاستشارية والحوار المهيكل بتشكيل حكومة جديدة توحد البلاد وتمثل الجميع وتهيئ الظروف لإجراء الانتخابات الوطنية بعيداً عن سلطات الأمر الواقع القائمة حالياً”.
واعتبر البيوضي أن هذه السلطات “تآكلت بتفشي الفساد والفوضى وفقدت كل أسباب بقائها السياسية والأخلاقية”، مما يضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية لإحداث تغيير جذري في بنية الحكم.
من جانبه، أكد عضو مجلس النواب زايد هدية أن “اعتماد نظام الانتخاب الفردي لا يعني إقصاء الأحزاب أو حرمانها من المشاركة السياسية”، موضحاً أن “أعضاء وقيادات الأحزاب لهم كامل الحق في الترشح والمشاركة في الانتخابات بالنظام الفردي”. وأشار هدية إلى أن “الفرق يتمثل في طريقة الترشح والانتخاب وبين دور الحزب السياسي”، مؤكداً أن اعتماد هذا النظام يأتي “كترتيب مؤقت تفرضه الظروف السياسية والأمنية وحساسية المرحلة”، وأن الهدف الأساسي هو “الحفاظ على حق المواطن في الاختيار وإنجاز الاستحقاق الانتخابي وتجنب الخلافات التي قد تعطل الانتخابات”.
مواقف وطنية تجمع بين الترحيب والتحفظ
وفي مشهد يعكس تنوع المشهد السياسي الليبي، رحب عضو مجلس النواب الصالحين عبد النبي بالاتفاق، معتبراً أنه “خطوة مهمة لكسر حالة الجمود السياسي ووضع ليبيا على الطريق الصحيح نحو إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية وإنهاء المراحل الانتقالية”.
وأشاد عبد النبي بـ”الدعم والمواقف الوطنية الواضحة للمشير خليفة حفتر، ونائب القائد العام الفريق أول ركن صدام خليفة حفتر، وما بذلته القيادة العامة من جهود مسؤولة لتقريب وجهات النظر ودعم كل مسار يقود إلى توحيد مؤسسات الدولة وتحقيق إرادة الشعب الليبي”.
وشدد على أن “مصلحة ليبيا ووحدتها يجب أن تكون فوق كل اعتبار، والمرحلة الحالية تتطلب تغليب المصلحة الوطنية وإنهاء المراحل الانتقالية”، داعياً إلى “تحمل المسؤوليات التاريخية والمضي دون تأخير نحو الانتخابات”، معتبراً أن “حان وقت التنفيذ، ولم يعد هناك مجال للمماطلة أو اختلاق الذرائع”.
وفي سياق متصل، رحب حزب ليبيا الكرامة بالاتفاق، معتبراً أنه “يمثل خطوة سياسية مهمة ومفصلية لكسر الجمود وفتح الطريق أمام مسار وطني أكثر جدية لمعالجة الأزمة”.
ومع ذلك، سجل الحزب “تحفظه على آلية مشاركة الأحزاب في الانتخابات التشريعية والرئاسية واقتصار ترشح أعضائها على صفة الأفراد”، مما يعكس وجود نقاط تحتاج إلى مزيد من النقاش والتوافق. ودعا الحزب إلى “آليات تنفيذ محددة وجداول زمنية واضحة تمنع الدخول في مرحلة انتقالية جديدة مفتوحة المدة”، مؤكداً أن “الانتخابات الوطنية الحرة والنزيهة والشفافة هي المخرج الحقيقي من الأزمة”.
البعد الدستوري محور أساسي في المعادلة
في قراءة عميقة للجوانب الدستورية، أكد عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، عمر النعاس، دعمه “لأي اتفاق من شأنه إنقاذ ليبيا وإخراجها من المرحلة الانتقالية”، مشدداً على “ضرورة أن يقود المسار السياسي إلى استقرار دستوري حقيقي وتمكين الشعب الليبي من ممارسة حقه في الاستفتاء على مشروع الدستور”.
وأوضح النعاس أن مشروع الدستور الذي أقرته الهيئة التأسيسية المنتخبة من الشعب أصبح جاهزاً منذ عام 2017، داعياً إلى تمكين الليبيين من الاستفتاء عليه ليقول الشعب كلمته بشأنه بـ”نعم” أو “لا”.
ووصف النعاس مشروع الدستور بأنه “أساس لقيام دولة ليبية حرة وموحدة ومستقلة وذات سيادة، تستمد هيبتها من إرادة الشعب، وتضمن لأبنائه حياة حرة وكريمة، إلى جانب توفير الخدمات الأساسية للمواطنين”. وأعرب عن تطلعه إلى قيام “دولة الدستور والمؤسسات” في ليبيا، مؤكداً أن “تحقيق ذلك يتطلب عزيمة المخلصين من أبناء الوطن”.
بين التفاهم والتنفيذ… تحديات المرحلة المقبلة
وفي مقاربة واقعية، أكد عضو الحوار المهيكل أشرف بودوارة أن “القيمة الحقيقية لاتفاق لجنة 4+4 تكمن في تنفيذه وتحويله إلى خطوات عملية تنهي الانسداد السياسي وتوحّد مؤسسات الدولة وتمهّد الطريق أمام انتخابات حرة ونزيهة”. وحذر بودوارة من “تحول الاتفاق إلى وثيقة جديدة تضاف إلى أرشيف التوافقات السابقة”، داعياً إلى “البدء فوراً في التنفيذ والمتابعة والمساءلة”.
وشدد على أن “تنفيذ الاتفاق يجب أن يسهم في إنهاء الانسداد السياسي وتوحيد مؤسسات الدولة”، وأن “الاتفاق ينبغي أن يفتح الطريق أمام انتخابات حرة ونزيهة تنهي المراحل الانتقالية وتعيد القرار إلى الشعب الليبي”.
مبادرات وطنية تؤكد الإجماع على ضرورة التغيير
وفي سياق يعكس توافقاً وطنياً واسعاً، رحبت مبادرة القوى الوطنية الليبية بالاتفاق، معتبرة أنه “خطوة مهمة نحو إنهاء حالة الانسداد السياسي وإعادة المسار الليبي إلى طريق واضح يقود إلى الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة”.
وأشادت المبادرة بالبنود التي جرى التوافق عليها، خاصة “المتعلقة بإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومراجعة الإطار القانوني للانتخابات”، مشيرة إلى أن هذه البنود “من شأنها الإسهام في تهيئة الظروف المناسبة لإنهاء المراحل الانتقالية المتعاقبة”.
وثمنت المبادرة “جهود الولايات المتحدة الأمريكية ودعمها للحوار بين الأطراف الليبية”، وشددت على “ضرورة الإسراع في تشكيل سلطة تنفيذية جديدة وموحدة تكون قادرة على تنفيذ بنود الاتفاق وقيادة المرحلة المقبلة”.
وأكدت أن “المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من سنوات الاتفاقات المؤجلة إلى مرحلة الحسم والتنفيذ، ومن إدارة الأزمات إلى بناء مؤسسات حقيقية، ومن حالة الانقسام إلى دولة موحدة”.
الإجماع البلدي يعكس إرادة شعبية نحو الاستقرار
في تطور لافت، أعلنت بلديات سبها والأبيار ووادي عتبة وأوجلة وبنغازي دعمها لمخرجات وتوقيع لجنة 4+4، مؤكدة أن “وحدة ليبيا واستقرارها وسيادتها، وبناء مؤسسات الدولة على أسس شرعية ودستورية، تمثل ثوابت وطنية راسخة”.
ودعت هذه البلديات إلى “البدء في تنفيذ المخرجات دون تعطيل أو تأخير”، و”توحيد مؤسسات الدولة وترسيخ مبدأ التداول السلمي على السلطة”.
وأكدت البلديات أن “التوافق الذي جمع ممثلين عن مختلف الأطراف الليبية يؤكد إمكانية الوصول إلى حلول سياسية متى توفرت الإرادة الوطنية وتقدمت المصلحة العامة على الحسابات الضيقة”.
وأعربت عن استعدادها “للاضطلاع بدورها في دعم الاستقرار على المستوى المحلي، والعمل على تهيئة الظروف المناسبة لإنجاح العملية الانتخابية”.
خلاصة المرحلة… بين التفاؤل والحذر
في قراءة شاملة للمشهد، يمكن القول إن اتفاق 4+4 يمثل محطة مفصلية في تاريخ ليبيا الحديث، حيث يجمع بين ترحيب سياسي واسع ودعم دولي واضح، مع وجود تحفظات محدودة حول بعض الآليات التنفيذية.
ويبقى التحدي الأكبر في قدرة الأطراف على تحويل هذا الزخم التوافقي إلى خطوات عملية على الأرض، من خلال تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وإعداد جدول زمني واضح للانتخابات، ووضع آليات متابعة ومساءلة تمنع تكرار سيناريو الاتفاقات السابقة التي ظلت حبيسة الأدراج.
ومع إدراك الجميع أن الطريق لا يزال طويلاً، وأن هناك عقبات أمنية واقتصادية واجتماعية تنتظر الحل، فإن الاتفاق يمنح الليبيين أملاً حقيقياً في إمكانية تجاوز الأزمة، وفتح صفحة جديدة في تاريخ بلدهم، عنوانها الرئيسي بناء دولة المؤسسات والقانون، وإنهاء معاناة شعب ظل سنوات طويلة ينتظر تحقيق طموحاته في الحرية والكرامة والاستقرار.



