طرابلس تحتضن تاريخاً.. اتفاق “4+4” يلملم شتات المؤسسات ويرسم خارطة طريق لانتخابات توحد الليبيين
العرفي يؤكد أن الاتفاق النهائي للجنة "4+4" يحسم خلافات المفوضية ويفتح الباب أمام الانتخابات تحت مظلة سلطة تنفيذية موحدة

ليبيا 24
طرابلس تشهد توقيع اتفاق المجموعة المصغرة الذي يضع حجر الأساس لإنهاء الانقسام وإعادة بناء الدولة
في خطوة توصف بأنها الأهم منذ سنوات، وقّعت الأطراف الليبية المشاركة في “الاجتماع المصغر” (4+4)، الأحد في طرابلس، على الوثيقة النهائية للاتفاق الذي يرعاه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في مشهد حمل رسالة أمل للشعب الليبي المكلوم بأن أيام الانقسام قد تكون في طريقها إلى الزوال.
الاتفاق الذي جرى التوقيع عليه بحضور المبعوثة الأممية هانا تيتيه وعدد من السفراء والشخصيات السياسية, يمثل تتويجاً لجهود حثيثة استمرت لأشهر، ويأتي بعد تعذر توصل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى توافق بشأن تعديل القوانين الانتخابية وتعيين مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. ويتضمن الاتفاق حزمة متكاملة من الإجراءات التي تهدف إلى معالجة جذور الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من عقد.
توحيد المؤسسات.. خطوة في الاتجاه الصحيح
في تصريح صحفي، اعتبر عضو مجلس النواب عبدالمنعم العرفي أن توقيع الاتفاق النهائي للمجموعة المصغرة “يمثّل خطوة في الاتجاه الصحيح نحو توحيد مؤسسات الدولة”.
وأشار العرفي إلى أن “المرحلة المقبلة تتطلب استكمال جهود توحيد باقي المؤسسات وإنهاء حالة الانقسام القائمة”، في إشارة واضحة إلى أن هذا الاتفاق هو البداية وليس النهاية في مسار المصالحة الوطنية.
وينص الاتفاق، الذي وُصف بأنه “خطوة تاريخية”، على إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً، على أن تجرى في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، تشمل المؤسسات السيادية كالمصرف المركزي وديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية.
مفوضية الانتخابات.. قلب الاتفاق النابض
أوضح العرفي أن “الاتفاق يسهم في إنهاء جزء كبير من الخلافات القائمة، خاصة فيما يتعلق بملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات”، موضحاً أن “مجلس النواب كان قد سمّى أعضاء مجلس إدارة المفوضية، بينما بقي الخلاف حول منصبي رئيس المفوضية ونائبه، قبل أن يتم حسم هذه المسألة بالتوافق”.
ويُعد هذا البند من أكثر البنود حساسية، إذ أن المفوضية هي بوابة أي عملية انتخابية نزيهة.
وبموجب الاتفاق، تمت التوصية بتعيين ضو إبراهيم الهامي عطية رئيساً للمجلس، وسناء الشتيوي نائبة للرئيس، إلى جانب تسمية ستة أعضاء جدد؛ ثلاثة عن مجلس النواب (علي الطاهر عبدالجواد، وهيثم علي الطابولي، وعلي أبوصلاح) وثلاثة عن المجلس الأعلى للدولة (سناء الليشاني، وبيدوي محمد بيدوي، وعلي مفتاح المبروك).
واعتبر العرفي أن “حسم هذه النقطة يمثل أهمية كبيرة، سواء من الناحية الانتخابية أو فيما يتعلق بالاستعدادات اللوجستية، إلى جانب الإشراف على العملية الانتخابية وإعلان نتائجها”، معتبراً أن “التوافق بشأن هذه الملفات من شأنه أن يدفع بالمسار الانتخابي إلى الأمام”. فالمفوضية المستقلة والقوية هي الضامن الأساسي لنزاهة الانتخابات وقبول نتائجها من قبل جميع الأطراف.
تعديلات جوهرية تعزز فرص نجاح الانتخابات
لم يقتصر الاتفاق على الجانب التنظيمي، بل تعداه إلى إدخال تعديلات جوهرية على القوانين الانتخابية التي طالما شكلت عقبة أمام إنجاز الاستحقاق الوطني. وفي هذا السياق، أشار العرفي إلى أن “الاتفاق تناول كذلك عدداً من المسائل المهمة، من بينها ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية، إضافة إلى مسألة الجولة الأولى من الانتخابات”، مؤكداً أن “مختلف الإشكاليات المطروحة جرى التعامل معها من خلال التوافق بين الأطراف”.
وبحسب وثيقة الاتفاق، تم اعتماد القانون رقم 28 لسنة 2023 أساساً لإجراء الانتخابات الرئاسية، مع إدخال تعديلات تسمح لمزدوجي الجنسية بالترشح، على أن يتخلى الفائز عن جنسيته غير الليبية قبل أداء اليمين الدستورية.
كما تم السماح للعسكريين بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية، ناخبين ومرشحين، وفق أطر قانونية وتنظيمية تضمن حياد المؤسسة العسكرية. وجاء في الاتفاق أيضاً إلغاء الجولة الثانية الإلزامية في حال حصول أحد المرشحين على الأغلبية المطلقة (50% + 1).
أما بالنسبة للانتخابات التشريعية، فقد تم اعتماد القانون رقم 10 لسنة 2014 إطاراً وأساساً لإجرائها، مع منح البرلمان المنتخب صلاحية معالجة قضايا الدستور الدائم. كما تم تحديد عدد التزكيات المطلوبة للترشح للرئاسة بـ20 ألف تزكية من الناخبين المسجلين في مختلف أنحاء ليبيا، مع فصل نتائج الانتخابات الرئاسية عن التشريعية بحيث لا يؤدي تعثر الأولى إلى إفشال الثانية.
المواطن الليبي في قلب المعادلة
في جانب مهم من تصريحاته، لم يغفل العرفي البعد الإنساني لهذا الاتفاق، مؤكداً أن “مجلس النواب منفتح على جميع المبادرات، التي يمكن أن تفضي إلى حلول عملية تنهي حالة الانقسام”، لافتاً إلى أن “استمرار هذه الخلافات انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطن الليبي، الذي يعاني من تداعيات الانقسام وعدم توفير أبسط متطلباته واحتياجاته”.
وهذه الكلمات تحمل في طياتها اعترافاً صريحاً بأن المواطن الليبي هو المتضرر الأكبر من استمرار الأزمة، وأن أي اتفاق لا يمكن أن ينجح ما لم ينعكس إيجاباً على واقعه المعيشي.
فالانقسام المؤسسي لم يكن مجرد أزمة سياسية، بل تحول إلى واقع مرير يعيشه الليبيون يومياً في انقطاع الخدمات وتدهور الأوضاع المعيشية وغياب الأمن والاستقرار. ومن هنا، فإن تطلعات الليبيين تتجه نحو اتفاق يترجم على الأرض إلى تحسين ملموس في حياتهم اليومية.
التحديات وآفاق المستقبل
مع كل هذا التفاؤل، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ستنجح الأطراف في ترجمة هذا الاتفاق على أرض الواقع؟ في هذا السياق، شدد العرفي على أن “السؤال الأهم في المرحلة المقبلة يتعلق بمدى جدية الأطراف في تطبيق بنود الاتفاق على أرض الواقع، وما إذا كانت ستظهر أي مماطلات أو خلافات جديدة في وجهات النظر”، مؤكداً أن هذه المسائل ستتضح مع بدء تنفيذ الخطوات المتفق عليها.
ويأتي هذا التحدي في وقت رحبت فيه القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية برئاسة المشير خليفة حفتر بالاتفاق، معتبرة أنه يمثل خطوة مهمة نحو إنهاء حالة الانسداد السياسي في البلاد.
كما نالت المبادرة ترحيباً دولياً واسعاً، حيث أشادت بعثة الأمم المتحدة بالجهود الكبيرة التي بذلتها وفود الحوار المصغر.
واختتم العرفي تصريحاته بتأكيد أن “الاتفاق، رغم التحديات التي قد تواجه تنفيذه، يظل خطوة في الاتجاه الصحيح، خصوصاً فيما يتعلق بإنهاء حالة انقسام المؤسسات وتعزيز فرص الوصول إلى توافقات أوسع تمهّد لإنهاء الأزمة السياسية في البلاد”.
في المحصلة، يبقى الاتفاق النهائي للمجموعة المصغرة (4+4) محطة فارقة في تاريخ ليبيا المعاصر، فهو ليس مجرد وثيقة سياسية، بل أمل يحدو الملايين من الليبيين في إنهاء سنوات المعاناة والانقسام، وبناء دولة المؤسسات والقانون التي طالما حلموا بها.



