ليبيا

حين يُضرب الطفل باسم التربية.. ريم البركي تفتح ملف العنف المسكوت عنه في ليبيا

العنف المدرسي يعيد إنتاج الخوف ويهدد أجيال ليبيا الجديدة

ليبيا 24

ريم البركي تربط ضرب الأطفال بأزمة الحماية والعدالة المجتمعية

حين تصبح الطفولة ساحة للعقاب.. قراءة في العنف ضد الأطفال من منظور أمني واجتماعي

في مجتمع تتداخل فيه الأزمات الأمنية مع التحولات الاجتماعية وتراجع أدوار مؤسسات الحماية، لا تبدو ظاهرة العنف ضد الأطفال داخل المدارس والكتاتيب والمساجد مسألة تربوية محدودة، بقدر ما تكشف عن خلل أوسع في علاقة المجتمع بالطفولة والسلطة والانضباط.

ومن هذا المنطلق، تطرح الدكتورة ريم البركي، الباحثة في شؤون الأمن والهجرة، قراءة تتجاوز توصيف الاعتداء باعتباره واقعة منفردة، لتضعه ضمن سياق اجتماعي ونفسي وقانوني أكثر تعقيداً، محذرة من أن الطفل الذي يتعرض للضرب والإهانة قد يحمل آثار التجربة إلى مراحل لاحقة من حياته.

من التأديب إلى إنتاج الخضوع

ترى البركي أن استخدام وسائل مثل «الفلكة» أو ضرب الطفل على قدميه بصورة تؤدي إلى إصابته وتشوههما لا يمكن اختزاله في مفهوم التأديب. ففي تقديرها، تتحول الممارسة عندما تتجاوز حدود التربية إلى وسيلة لإخضاع الطفل وإشعاره بالمهانة والخوف.

وتربط البركي بين هذه التجارب وبين ما قد يترتب عليها من آثار نفسية وسلوكية طويلة الأمد، معتبرة أن جيلاً يتلقى العنف في سنوات تكوينه يمكن أن يعيد إنتاج السلوك ذاته عندما ينتقل لاحقاً إلى مواقع المسؤولية أو السلطة.

وتذهب في قراءتها إلى أن بعض من تعرضوا لهذا النمط من التربية قد يحملون اضطرابات نفسية دفينة تؤثر في قدرتهم على بناء علاقات سوية أو ممارسة السلطة بصورة متوازنة.

الدين بين الحماية وسوء الاستخدام

ويحتل الخطاب الديني جانباً مهماً من رؤية البركي، خصوصاً عندما يجري استدعاء النصوص الدينية في سياق الدفاع عن ممارسات تتعلق بتربية الأطفال أو تبريرها.

وفي معرض حديثها عن واقعة اعتداء على طفل داخل مسجد، تشير البركي إلى استخدام أحد المعلقين آية «لا إكراه في الدين» في الدفاع عن الطفل، معتبرة أن الاستدلال بهذه الآية في ذلك السياق يكشف، من وجهة نظرها، عن خلل في فهم النصوص ومقاصدها وسياقاتها الفقهية والقانونية، وترى أن إخراجها من سياقها يمكن أن يتحول من وسيلة للفهم والإصلاح إلى جزء من الإشكال الاجتماعي نفسه.

حين يغيب القانون تظهر العدالة البديلة

الأكثر حساسية في طرح البركي يتعلق بمسألة رد الفعل على الاعتداء. فهي لا تخفي موقفاً شديد الواقعية تجاه ما يمكن أن تفعله الأسرة إذا تعرض أحد أطفالها لاعتداء مماثل، وتقول بوضوح إنها، لو تعرض طفل من أسرتها لمثل هذا الاعتداء، ستقتص له علناً وستذل المعتدي قبل أن تتراجع تحت ضغط اجتماعي.

ويكشف هذا الموقف، كما يمكن قراءة طرحها، عن أزمة أوسع تتعلق بالثقة في قدرة المؤسسات الرسمية على توفير الحماية والعدالة. فحين يشعر الأفراد بأن القانون غير حاضر أو غير قادر على التعامل الحاسم مع الاعتداء، يصبح احتمال اللجوء إلى أشكال فردية أو عائلية من الرد أكبر.

وهنا تتحول قضية الطفل من شأن تربوي ضيق إلى قضية أمن مجتمعي؛ لأن غياب المسار المؤسسي للعدالة قد يدفع المجتمع إلى إعادة إنتاج منطق القوة في مواجهة القوة.

جيل التسعينات.. ذاكرة لم تُغلق

وتستحضر البركي تجربة جيل التسعينات الذي تربى، بحسب توصيفها، على «الفلكة»، معتبرة أن آثار تلك المرحلة لم تتوقف عند حدود الطفولة، بل امتدت إلى تكوين شخصيات حملت معها ذاكرة الألم والخضوع.

وترى أن المفارقة تكمن في أن المجتمع، بدلاً من تحويل تلك التجربة إلى درس يوقف تكرارها، يعيد إنتاج الممارسة نفسها مع أطفال جدد. وتصف هذا التكرار بأنه «عبثية ليبية»، في إشارة إلى دائرة اجتماعية تعيد إنتاج الخطأ رغم معرفة نتائجه.

وبالنسبة إلى البركي، فإن استمرار هذه الدائرة لا يمثل قدراً محتوماً، وإنما يعكس غياب معالجة اجتماعية ومؤسسية قادرة على تفكيك جذور المشكلة.

حماية الطفل تبدأ من المؤسسة

وتقود هذه القراءة إلى مجموعة من المسارات التي تطرحها البركي لمعالجة الظاهرة، في مقدمتها تجريم أشكال العنف ضد الأطفال داخل المدارس والكتاتيب والمساجد، وربط التجريم بعقوبات رادعة لا تتأثر بالضغوط الاجتماعية أو القبلية.

كما تبرز الحاجة، وفق هذا التصور، إلى برامج متخصصة لمعالجة الآثار النفسية التي خلفها العنف على أجيال سابقة، بدلاً من الاكتفاء بحملات توعية عامة لا تتعامل مع جذور المشكلة.

أما المسار الثالث فيتعلق بالمؤسسات التعليمية والدينية والخطاب المرتبط بها، بحيث تصبح عملية التربية قائمة على الكرامة والانضباط المسؤول، لا على الخوف والإهانة، مع إعادة النظر في التفسيرات التي يمكن أن تستخدم لتبرير القهر أو العنف.

الطفولة بوصفها قضية أمن إنساني

في المحصلة، تضع البركي قضية العنف ضد الأطفال داخل إطار أوسع من حدود المدرسة أو المسجد أو الأسرة. فالطفل، في هذه القراءة، ليس طرفاً هامشياً في الأزمة الاجتماعية، وإنما أحد المؤشرات المبكرة على طبيعة المجتمع الذي سيكبر داخله.

فالطفل الذي يتعلم أن القوة تمنح صاحبها حق الإيذاء قد يحمل هذه القاعدة معه إلى مراحل لاحقة، بينما الطفل الذي يجد حماية قانونية واجتماعية يتعلم أن السلطة مقيدة وأن الكرامة ليست امتيازاً يمنحه الأقوى للأضعف.

ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى قضية العنف ضد الأطفال باعتبارها قضية حماية اجتماعية وأمن إنساني في آن واحد. فالمواجهة لا تتطلب فقط إدانة الاعتداء بعد وقوعه، وإنما بناء منظومة تمنع وقوعه، وتحاسب مرتكبيه، وتعالج آثاره، وتعيد تعريف العلاقة بين التربية والانضباط والكرامة.

وفي هذا السياق، تظل رسالة البركي الأساسية مرتبطة بكسر الحلقة التي تجعل الطفل ضحية للعنف اليوم، ثم طرفاً محتملاً في إعادة إنتاجه غداً؛ وهي معادلة تجعل حماية الطفولة جزءاً من حماية المجتمع نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى