فضيحة “المحاصصة” تطال حقوق المرأة: قرارات مصيرية تُباع في الكواليس و”التراتبية الإدارية” في خبر كان
الخرق المؤسسي يضرب قلب الحوار: ملفات النساء الليبيات بين محاصصة الدبيبة وتزييف المواقع
ليبيا 24
الشويهدي تطالب بمرجعية مؤسسية ملزمة وتندد بحملات التزييف ضد قانون العنف ضد المرأة
عندما تتحول قضايا المرأة إلى “غنيمة” في صراع النفوذ
في مشهد سياسي لا يزال يراوح مكانه بين وعود التسوية وعمق الأزمة، يبرز صوت نسوي حقوقي من داخل غرف الحوار، لا ليُجمّل الواقع، بل ليكشف عن خلل بنيوي يضرب صميم العمل المؤسسي في ليبيا. ففي وقت تتوالى فيه دعوات المجتمع الدولي لتسريع المسار السياسي وإجراء الانتخابات، يبدو أن ملفات حقوق النساء، وهي من أكثر الملفات حساسية وأهمية، تُدار وفق منطق لا علاقة له لا بالكفاءة ولا بالسياسات المدروسة.
تصريح مسؤولية لا مجاملة سياسية
عضو لجنة الحوار المهيكل، الحقوقية آسيا الشويهدي، خرجت عن صمت النخبة المشاركة في المسارات الأممية لتضع النقاط على الحروف، محذرة من “غياب الأسس الإدارية والمؤسساتية في إدارة ملفات حقوق المرأة”.
الشويهدي، وهي ناشطة معروفة بملف المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، لم تُخفِ “بالغ قلقها” من “آلية اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بملفات حقوق النساء المتراكمة”، مؤكدة أن هذه الملفات “باتت تُدار بناءً على تسويات شخصية وموجات إقناع فردية تهدف إلى تقاسم المناصب والمحاصصة، بعيداً عن أي أسس إدارية أو سياسات مدروسة”.
هذا التصريح ليس مجرد ملاحظة عابرة، بل هو رصد دقيق لظاهرة باتت مألوفة في المشهد الليبي: تحويل القضايا الحقوقية إلى أوراق مساومة في لعبة تقاسم النفوذ. والنتيجة، كما تقول الشويهدي، ليست فقط إهدار الوقت، بل تقويض العمل المؤسسي الممنهج برمته.
اللقاءات الرسمية ليست مناسبات اجتماعية
في تحليل يلامس جوهر أزمة الحوكمة في ليبيا، تشدد الشويهدي على أن “إدارة الشأن العام وعقد اللقاءات الرسمية ليست مناسبات اجتماعية، بل هي مسؤولية وطنية تتطلب الالتزام بالتراتبية الإدارية”.
وتذهب إلى أبعد من ذلك لتؤكد أن “أي ممثل يجلس على طاولة المفاوضات ملزم قانوناً وأخلاقاً بالرجوع إلى الجسم المؤسسي الذي يمثله والتشاور مع قياداته”.
هذه الكلمات تحمل في طياتها انتقاداً ضمنياً لممارسات “الدعوات الفردية” و”القرارات المصيرية” التي تُتخذ وتُنشر بشكل منفرد دون تنسيق مسبق. وفي بلد يعاني من ازدواجية السلطة وانتشار السلاح خارج إطار القانون، كما تشير تحليلات سياسية، يصبح هذا الالتزام المؤسسي ضرورة وجودية لا رفاهية إدارية.
فحكومة منتهية الولاية، تتخذ من العاصمة مقراً لها، وتُوصف بأنها “كيان منعزل يسعى لشرعنة بقائه عبر أدوات المال العام والتوظيف السياسي للإنفاق الحكومي”، لا يمكن أن تنتج سياسات حقوقية مستدامة.
حين يصبح التزييف سلاحاً ضد الحقوق
لم تقتصر تحذيرات الشويهدي على الخلل الإداري، بل امتدت إلى ملف شديد الحساسية: مشروع قانون العنف ضد المرأة. وهنا يتحول الخطاب من التحذير إلى التنديد الصريح.
تقول الشويهدي: “لكل من تناول مشروع قانون العنف ضد المرأة بالتزييف أو التحريف… المصداقية تقتضي إدراج النص الواضح بالرقم، المادة، والبند، والإشارة إليه بكل شفافية وصدق”.
وتضيف بحسرة واضحة: “إن صدور الأكاذيب والافتراءات من مؤسسة أو موقع يُفترض أن يكون مرجعية موثوقة لليبيين هو أمر مؤسف ومحبط للغاية، ولا يساهم إلا في إشعال الفتن. هذا المسلك مرفوض تماماً، ديناً ودنياً، وأخلاقاً”.
هذا الموقف يعكس معركة أوسع تدور في ليبيا حول هذا القانون. فمشروع قانون حماية المرأة من العنف، المطروح منذ نوفمبر 2023 وينتظر إقراره من البرلمان، يُوصف بأنه “خطوة محورية هامة نحو الاعتراف بجرائم العنف بحق النساء والفتيات في ليبيا ومكافحتها”.
لكنه يواجه حملات تشويه من أطراف لا تريد له أن يرى النور. وفي هذا السياق، تصبح كلمات الشويهدي ليست دفاعاً عن نص قانوني فحسب، بل دفاعاً عن حق النساء الليبيات في الحماية والكرامة.
نساء ليبيا بين العنف البنيوي والوعود المعلقة
لا يمكن فصل تصريحات الشويهدي عن السياق الأوسع لواقع المرأة الليبية. فالأمم المتحدة تؤكد أن النساء الليبيات “يواجهن ممارسات تمييزية ويواجهن صعوبات في الوصول إلى الموارد التي من شأنها مساعدتهن على تحقيق طموحاتهن”.
وتشير المنظمة الدولية إلى أن “النساء اللواتي يدخلن الأدوار العامة غالباً ما يواجهن الترهيب والتحرش والتهديدات لسلامتهن، سواء بشكل شخصي أو عبر الإنترنت”.
هذا الواقع يجعل من العبث الحديث عن “تمكين المرأة” بينما تُدار ملفاتها بالمحاصصة، وتُقوّض المؤسسات التي يُفترض أن تحميها. فحكومة منتهية الولاية، لا تملك شرعية قانونية ولا أخلاقية، لا يمكن أن تكون شريكاً موثوقاً في بناء نظام حماية حقيقي للمرأة.
المسؤولية تقع على الجميع
تصريحات الشويهدي ليست مجرد شكوى، بل هي دعوة إلى العودة إلى العقل المؤسسي. ففي بلد يتصارع فيه الجميع على “الشرعية” و”التمثيل”، يبقى المواطن الليبي، والمرأة الليبية على وجه الخصوص، الضحية الأولى لهذا العبث.
حقوق النساء ليست ورقة تفاوضية تُقدَّم وتُؤخَّر وفقاً لمزاج القوى السياسية. وهي ليست ملفاً يمكن أن يُدار بالمحاصصة، أو أن يُشوَّه بالتزييف من أجل خدمة أجندات ضيقة.
كما تقول الشويهدي: “إدارة الشأن العام ليست مناسبة اجتماعية”. وكلماتها، الصادرة من قلب الحوار، تشكل صرخة تحذيرية في وجه من يعتقدون أن حقوق المرأة الليبية يمكن أن تكون جزءاً من تسوية مظلمة.
فالمسؤولية الوطنية، قبل أي شيء آخر، تقتضي احترام المؤسسات، والالتزام بالشفافية، ووضع مصلحة المواطن، لا مصلحة النخبة، في مقدمة الأولويات.



