بين هيبة المعلم وكرامة الطفل.. حقوقيون وخبراء يطالبون بتجريم الإيذاء وبمنظومة حماية بدل ثقافة العقاب
القضية ليست في المكان.. طفل ليبي يُضرب: من يحمي الطفولة حين تغيب الدولة والقانون؟
ليبيا 24
مقطع مصور لواقعة ضرب طفل يشعل تفاعلاً واسعاً ويفتح ملف العنف ضد الأطفال وغياب الرقابة المؤسسية
مقطع مصور متداول عبر منصات التواصل الاجتماعي، يوثق تعرض أحد الأطفال للضرب داخل أحد مراكز التعليم في ليبيا، أعاد إلى الواجهة ملفاً أوسع من واقعة منفردة: ملف العنف ضد الأطفال، وحدود العقاب، ومسؤولية مؤسسات الدولة التي تبدو غائبة عن المشهد.
واللافت أن التفاعل مع الواقعة تجاوز حدود الإدانة العابرة، ليطرح أسئلة جوهرية: لماذا يتكرر هذا المشهد؟ ومن يحمي الطفل؟ ولماذا يتحول مكان مخصص للتعلم والتربية إلى مساحة للخوف؟
الأوقاف تتحرك.. والمشكلة أعمق من واقعة
أكدت الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية رفضها التام لأي شكل من أشكال العنف أو الضرب المبرح وسوء معاملة الطلاب، مشيرة إلى أنها سبق أن عممت بضرورة الالتزام بالرفق واللين وحسن التربية، وأن ثبوت مخالفة التعليمات سيترتب عليه إجراءات إدارية وقانونية بحق المسؤولين عنها، مع التشديد على استمرار الرقابة.
لكن هذه المواقف، بحسب قراءات عديدة، لا تكفي وحدها. فالمشكلة — كما يرى متابعون — ليست في المكان ولا في المادة التي تُدرَّس، بل في ثقافة راسخة تربط التربية بالعقاب، وفي منظومة حماية غائبة تترك الطفل بلا سند حقيقي.
مرجعية دينية: الرفق أصل والقسوة انحراف
من جانبه، أكد الشيخ إبراهيم بالأشهر، عضو لجنة الإفتاء في الهيئة العامة للأوقاف، أن الأصل في تعامل المعلم مع تلاميذه أن يكون قائماً على التوجيه الحسن والترفق، محذراً من “الطريقة العتيقة” القائمة على القسوة والترهيب، ومشدداً على أن اللائحة المنظمة تمنع الضرب، وأن التأديب — حيث جازه بعض العلماء — مشروط بألا يكون مبرحاً ولا يترك ضرراً ولا أذى.
من يعيد إنتاج العنف؟
وتضع الدكتورة ريم البركي، الباحثة في شؤون الأمن والهجرة، الواقعة ضمن سياق أوسع، محذرة من أن الطفل الذي يتعرض للضرب والإهانة قد يحمل آثار التجربة إلى مراحل لاحقة من حياته.
وترى أن تجاوز حدود التربية يحوّل الممارسة إلى وسيلة لإخضاع الطفل وإشعاره بالمهانة والخوف، وأن جيلاً يتلقى العنف في سنوات تكوينه يمكن أن يعيد إنتاج السلوك ذاته عندما ينتقل لاحقاً إلى مواقع المسؤولية أو السلطة.
وتستحضر البركي تجربة جيل التسعينات الذي تربى على “الفلكة”، معتبرة أن آثار تلك المرحلة لم تتوقف عند حدود الطفولة، بل امتدت إلى تكوين شخصيات حملت ذاكرة الألم والخضوع، وأن المفارقة تكمن في أن المجتمع يعيد إنتاج الممارسة نفسها مع أطفال جدد بدلاً من تحويل التجربة إلى درس يوقف تكرارها. وتصف ذلك بأنه “عبثية ليبية” تعكس غياب معالجة اجتماعية ومؤسسية قادرة على تفكيك جذور المشكلة.
حين يغيب القانون.. تُستدعى العدالة البديلة
الأكثر حساسية في الطرح يتعلق برد الفعل على الاعتداء. فحين يشعر الأفراد بأن القانون غير حاضر أو غير قادر على التعامل الحاسم مع الاعتداء، يصبح احتمال اللجوء إلى أشكال فردية أو عائلية من الرد أكبر.
وهنا تتحول قضية الطفل من شأن تربوي ضيق إلى قضية أمن مجتمعي؛ لأن غياب المسار المؤسسي للعدالة قد يدفع المجتمع إلى إعادة إنتاج منطق القوة في مواجهة القوة، وهي معادلة خطيرة في بلد يبحث عن استقراره منذ أكثر من عقد.
الدولة والأسرة والإعلام.. غياب جماعي
من منظور سياسي واجتماعي، ترى الناشطة نادية الراشد أن ليبيا تمر بمراحل صعبة من كل التفاصيل السياسية والأمنية والاقتصادية، مما أثر على الوضع الاجتماعي في الأسرة والمجتمع، وبالأخص على الأطفال.
وتعتبر أن الضغوطات والعوامل النفسية دفعت إلى استخدام أدوات لا تجوز تربوياً ولا أخلاقياً، في ظل غياب قوانين ملزمة، وغياب الدولة عن الرقابة، وتراجع الاهتمام الأسري والاحتواء.
وتشدد على أن غياب الوعي المجتمعي مسؤولية مشتركة: الدولة بمؤسساتها التعليمية، والإعلام البعيد عن المهنية، ومنظمات المجتمع المدني الغائبة عن دورها في التوعية والتدريب والإرشاد. وتخلص إلى أن ما حدث يحتاج إلى تكاثف جهود ورغبة جدية، فالأسرة — كما تقول — هي العامل الأول والأخير في تربية الأطفال لأنها أساس بناء المجتمع.
الطفل أمانة.. والمحاسبة شرط
من جهتها، استنكرت الحقوقية رفيعة البرناوي، رئيس مجلس إدارة منظمة الرونق للمرأة والطفل، أي اعتداء أو عنف يُمارس ضد الأطفال، مهما كانت المبررات، مؤكدة أن الأمر يصبح أكثر خطورة عندما يحدث في أماكن يفترض أن تكون للأمان والتربية.
وطالبت بالتحقيق في الواقعة والتحقق من ملابساتها ومحاسبة المسؤول عنها وفقاً للقانون في حال ثبوتها، إلى جانب تعزيز حماية الأطفال وضمان بيئة تعليمية آمنة تحفظ كرامتهم وحقوقهم، مؤكدة أن التعامل مع الأطفال يتطلب الالتزام بالضوابط التربوية والإنسانية، وعدم السماح بأي ممارسات قد تعرضهم للأذى.
من ثقافة العقاب إلى ثقافة التحفيز
وترى الأكاديمية جميلة بن عيسى أن الظاهرة قضية اجتماعية وتربوية تستحق معالجة جادة، مؤكدة أن الطفل يذهب إلى أماكن التعلم من أجل التربية والتلقي، وليس للتعرض للعنف أو الإساءة.
ودعت إلى الانتقال من ثقافة العقاب البدني إلى أساليب قائمة على الحوار والتشجيع، مع توفير آليات واضحة للرقابة والتدخل عند أي إساءة. وحذرت من أن استخدام العنف والتخويف قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يرتبط التعلم في ذهن الطفل بالخوف بدلاً من الطمأنينة والرغبة، ما يؤثر في ثقته بنفسه وبالمحيطين به، وقد يدفعه إلى العزوف عن مواصلة التعلم.
وأكدت أهمية تدريب المعلمين على أساليب تربوية غير عنيفة، ووضع آليات فعالة لتلقي الشكاوى، مشيرة إلى أن الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها ليبيا تؤكد حماية الطفل من جميع أشكال العنف والإساءة، وأن العنف يضر بإحساس الطفل بذاته وتقديره لنفسه ونموه.
هيبة المعلم.. وكرامة الطفل
في هذا السياق، من الضروري التأكيد أن الدفاع عن كرامة الطفل لا يعني أبداً المساس بهيبة المعلم. فالمعلمون في ليبيا يحملون أعباءً هائلة في ظروف صعبة، ورواتب متأخرة، وبيئة عمل مضطربة، وكثير منهم يقدمون رسالة تربوية نبيلة تستحق التقدير والدعم.
لكن هيبة المعلم تُبنى بالعلم والقدوة والاحترام المتبادل، لا بالخوف. والعلاقة بين المعلم والطالب يجب أن تكون علاقة تعليم لا علاقة قهر، وعلاقة إرشاد لا علاقة انتقام. فمن يحمل الرسالة يجب أن يكون أول المدافعين عن من يحمل الأمانة. التعليم رسالة، لا أداة ردع.
غياب التشريعات.. ومسؤولية حكومة انتهت ولايتها
هنا يبرز سؤال المسؤولية الكبرى. فحكومة منتهية الولاية، غارقة في صراعاتها السياسية وتشبثها بالمناصب، لم تقدم لليبيين تشريعات حاسمة تحمي الطفولة، ولم تبنِ مؤسسات رقابية قادرة على الوصول إلى كل مكان يُعلَّم فيه الأطفال، ولم تضمن قضاءً عادلاً وسريعاً يعيد الحق لأصحابه.
المواطن الليبي المكلوم، الذي ينتظر منذ سنوات دولة تحميه وتحمي أطفاله، يجد نفسه مضطراً للدفاع عن طفله بنفسه لأن المؤسسات لم تقف إلى جانبه. وهذا خلل جوهري، فالعدالة التي يقوم بها الأفراد بالنيابة عن الدولة ليست عدالة، بل مؤشر على انهيارها.
والحديث عن حماية الطفولة يبقى كلاماً نظرياً ما لم يقترن بقوانين رادعة، وقضاء فعّال، وآليات رقابة تمتد إلى كل مؤسسة تعليمية، والتزام حقيقي من الدولة بمستقبل أبنائها.
الطفولة قضية أمن إنساني
في المحصلة، فالطفل ليس طرفاً هامشياً في الأزمة، بل أحد المؤشرات المبكرة على طبيعة المجتمع الذي سيكبر داخله. فالطفل الذي يتعلم أن القوة تمنح صاحبها حق الإيذاء قد يحمل هذه القاعدة معه إلى مراحل لاحقة، بينما الطفل الذي يجد حماية قانونية واجتماعية يتعلم أن السلطة مقيدة وأن الكرامة ليست امتيازاً يمنحه الأقوى للأضعف.
المواجهة لا تتطلب فقط إدانة الاعتداء بعد وقوعه، وإنما بناء منظومة تمنعه، وتحاسب مرتكبيه، وتعالج آثاره، وتعيد تعريف العلاقة بين التربية والانضباط والكرامة. وفي هذا السياق، تظل الرسالة الأساسية مرتبطة بكسر الحلقة التي تجعل الطفل ضحية للعنف اليوم، ثم طرفاً محتملاً في إعادة إنتاجه غداً؛ وهي معادلة تجعل حماية الطفولة جزءاً من حماية المجتمع نفسه، في ليبيا التي تستحق أن ينشأ أطفالها على الكرامة لا على الخوف.



