ليبيا

ملايين اليورو للاعبين.. وشعب يبحث عن لقمة العيش: كيف يحوّل المال العام في ليبيا إلى ساحة للتبذير في ظل حكومة منتهية الولاية؟

صفقات بملايين اليوروات تتناقض مع أزمة السيولة وانهيار الخدمات الأساسية.. والمواطن الليبي المكلوم يدفع الفاتورة.

ليبيا 24

اتهامات بتوظيف الرياضة لشراء الذمم وتلميع صورة حكومة تجاوزتها المراحل السياسية وسط صمت رقابي مطبق.

في مشهد يثير السخرية والغضب معاً، تتسابق الأندية الليبية في سوق الانتقالات الصيفية بإنفاق مالي غير مسبوق، مستقطبة نجوم الكرة العالمية بملايين اليوروات، بينما يغرق الشعب الليبي المكلوم في أزمات معيشية واقتصادية وأمنية طاحنة.

هذا التباين الصارخ بين “مجد الكرة” المزعوم وواقع الحال، يضع علامات استفهام كبيرة حول مصادر هذه الأموال، وجدوى هذا الإنفاق في ظل حكومة منتهية الولاية يرفض الشارع الليبي شرعيتها واستمرارها في إهدار المال العام.

هدر للمال العام تحت غطاء الرياضة

تتحدث التقارير الصحفية الدولية، ومنها صحيفة “ماكسي فوت” الفرنسية، عن أرقام تثير الذهول، وتؤكد حجم التبذير الحاصل. فالمغربي سفيان بوفال يحصل مع نادي الاتحاد على أكثر من أربعة ملايين يورو سنوياً، فيما يتقاضى فيستون ماييلي مع الأهلي طرابلس نحو أربعة ملايين وثلاثمائة ألف يورو.

أما صفقة البوروندي جان كلود، فقد بلغت قيمتها نحو خمسة ملايين ومائتي ألف يورو، مقابل مليون وسبعمائة ألف يورو للجزائري محمد أمين توغاي من الترجي، براتب سنوي قدره ثلاثة ملايين يورو.

وفي الأهلي بنغازي، بلغت قيمة الشرط الجزائي لضم التونسي فراس شواط نحو خمسمائة وعشرين ألف يورو، براتب مليون يورو في موسمه الأول ومليون ومائة ألف في الثاني.

كما قدرت صفقة علي يوسف مع الاتحاد بنحو ثمانية ملايين وثلاثمائة ألف يورو شاملة راتب عامين، فيما بلغ عرض النادي للمهاجم الفرنسي أنتوني مارسيال قرابة عشرة ملايين يورو.

هذه المبالغ الطائلة، التي تُدفع في بلد يعاني من انقسام سياسي واقتصادي حاد، تمثل صفعة قوية لكل مواطن ليبي ينتظر بصيص أمل في تحسين الخدمات الأساسية من كهرباء وصحة وتعليم.

المواطن المكلوم بين لهيب الأسعار ورفاهية النجوم

يطرح هذا الإنفاق القياسي تساؤلات جوهرية حول أولويات الدولة. ففي الوقت الذي تعجز فيه الحكومة المنتهية ولايتها عن تأمين رواتب الموظفين في مواعيدها، وتتفاقم فيه أزمة السيولة، ويعاني المواطن الليبي من ارتفاع جنوني في الأسعار ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، نجد أن ملايين اليوروات تُضخ في جيوب وكلاء اللاعبين والنجوم الأجانب.

إن راتب لاعب واحد في الدوري الليبي قد يعادل ميزانية مستشفى كامل، أو كلفة إعادة تأهيل مدارس مهدمة. هذا التناقض الصارخ يثير حفيظة الشارع الليبي، الذي يرى في هذه الصفقات استفزازاً صارخاً لمشاعره، وتجاهلاً متعمداً لمعاناته اليومية.

فالشعب الذي قدم التضحيات الجسام، يجد نفسه اليوم متفرجاً على “كرنفال” رياضي باهظ، بينما هو يبحث عن أبسط مقومات الحياة الكريمة.

البعد السياسي: توظيف الرياضة لتضخيم النفوذ وشراء الولاءات

من منظور سياسي، لا يمكن فصل هذا الإنفاق الرياضي الضخم عن السياق العام للفشل السياسي في ليبيا. فالحكومة المنتهية ولايتها، والتي فقدت شرعيتها منذ انتهاء مرحلتها الانتقالية، تبدو وكأنها تستخدم هذه الصفقات كأداة لتضخيم نفوذها، وتلميع صورتها، وصرف أنظار الرأي العام عن استحقاقاتها السياسية والاقتصادية الفاشلة.

إن ضخ أموال طائلة في سوق الانتقالات، في ظل غياب الرقابة المالية والمحاسبة، يفتح الباب على مصراعيه لتساؤلات مشروعة حول مصادر هذه التمويلات، وما إذا كانت تُستخدم لغسيل الأموال أو لشراء الولاءات السياسية.

إن تحويل الأندية الرياضية إلى أدوات في يد حكومة منتهية الولاية، يعد انتهاكاً صارخاً لمبادئ الرياضة النظيفة، واستهتاراً بمقدرات الشعب الليبي الذي يطالب بتغيير شامل.

البعد التنظيمي: تحذيرات الاتحاد بين المناداة بالإصلاح وفقدان السيطرة
في خضم هذا الإنفاق غير المسبوق، وجه الاتحاد الليبي لكرة القدم تحذيراً صارماً للأندية بشأن ديونها والتزاماتها المالية، مطالباً إياها بتسوية أوضاعها المالية وتسديد المستحقات المتعلقة بالموسم الماضي أو بتسجيل اللاعبين الجدد للموسم 2026-2027. وهدد الاتحاد بفرض عقوبات قد تصل إلى الحرمان من المشاركة في المسابقات المحلية.

لكن هذه التحذيرات تبدو وكأنها محاولة يائسة لترميم منظومة مالية منهارة، في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية لمحاسبة المتسببين في هذا الهدر.

فالاتحاد الليبي نفسه جزء من المنظومة، ويحتاج إلى إصلاحات جذرية لضمان الشفافية والحوكمة الرشيدة.

كما أن عدم إعلان الاتحاد حتى الآن عن النظام النهائي للدوري وعدد الفرق المشاركة، يزيد من حالة الغموض والارتباك، ويعكس عمق الأزمة التي تعيشها الرياضة الليبية.

إن ما يحدث في سوق الانتقالات الليبي ليس مجرد ظاهرة رياضية، بل هو انعكاس مرآوي لأزمة سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة. فبينما تتنافس الأندية على ضم النجوم بملايين اليوروات، يدفع المواطن الليبي المكلوم ثمن هذا التبذير من قوته وقوته.

إن استمرار هذا النهج في ظل حكومة منتهية الولاية، يعد جريمة بحق الشعب الليبي، ومحاولة بائسة لتزييف الوعي وصرف الأنظار عن المطالب المحقة في الحرية والعدالة والتنمية.

آن الأوان لوضع حد لهذا العبث، ومحاسبة كل من تورط في إهدار المال العام، لتظل الرياضة أداة توحيد وفرح، لا وسيلة للتضليل والإفقار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى