الفقر في ليبيا.. نقص البيانات يعقّد تحديد الأسر الأكثر احتياجًا
مؤسسات إنسانية تلجأ إلى مؤشرات بديلة لرصد الهشاشة وتوجيه الدعم للمناطق النائية

في ظل التحولات الاقتصادية والمعيشية المتسارعة في ليبيا، تتزايد الحاجة إلى قراءة أكثر شمولًا لواقع الفقر والهشاشة، في وقت لا تزال فيه البيانات الرسمية المتاحة بشأن معدلات الفقر وخطوطه محدودة وغير كافية لتقديم صورة دقيقة عن حجم الظاهرة وتوزيعها جغرافيًا واجتماعيًا.
ولا يقتصر الفقر في الحالة الليبية على انخفاض الدخل، بل يرتبط بمجموعة متداخلة من العوامل، تشمل القدرة على الحصول على الغذاء والمياه والرعاية الصحية والتعليم والسكن والعمل، فضلًا عن مستوى الخدمات العامة وموقع الأسرة الجغرافي وقدرتها على مواجهة الأزمات والكوارث. ويجعل هذا التداخل عملية تحديد الفئات الأكثر احتياجًا أكثر تعقيدًا، خصوصًا في المناطق النائية والمعزولة.
غياب الأرقام الرسمية يفتح فجوة في تقدير حجم الفقر
ويبرز نقص البيانات باعتباره أحد أبرز التحديات أمام المؤسسات الإنسانية والاجتماعية، إذ إن غياب قاعدة بيانات وطنية شاملة ومحدثة عن الأسر ومستويات دخلها واحتياجاتها يجعل تحديد المستحقين للدعم عملية تحتاج إلى بحث ميداني وتحقق مستمر.
وقال المدير التنفيذي لمؤسسة خليفة الدولية للأعمال الإنسانية، محمد المجبري، إن تحديد الفئات الهشة وذوي الدخل المحدود كان من أصعب التحديات التي واجهت المؤسسة في ليبيا، موضحًا أن المؤسسة ركزت على الأسر الأكثر احتياجًا في ظل صعوبة تحديدها بصورة دقيقة.
وأشار إلى أن خط الفقر في ليبيا ومعدلاته لا تزال غير محددة رسميًا بصورة دقيقة وشاملة، لافتًا إلى أن المؤسسة أجرت دراسة هدفت إلى المساهمة في تحديد مستويات الفقر، من خلال تقديرات لخط الفقر المدقع وخط الفقر المطلق، وتطبيقها على أسرة مكونة من خمسة أفراد في طرابلس وبنغازي وسبها.
وبحسب الدراسة التي أشار إليها المجبري، قُدّر خط الفقر المدقع للأسرة المكونة من خمسة أفراد بنحو 1250 دينارًا ليبيًا شهريًا لتغطية الاحتياجات الأساسية من الغذاء والشراب، بينما بلغ تقدير خط الفقر المطلق نحو 2700 دينار، مع احتساب احتياجات إضافية مثل التعليم والعلاج.
الفقر يتجاوز حدود الدخل
وتكشف هذه التقديرات، وفق المعطيات المطروحة، عن إشكالية أوسع تتمثل في صعوبة اختزال الفقر في رقم واحد؛ فالدخل قد لا يعكس وحده قدرة الأسرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية، خصوصًا إذا كانت تقيم في منطقة تفتقر إلى المدارس أو المرافق الصحية أو مصادر المياه أو وسائل النقل.
وفي هذا السياق، قالت نوران العربي، مدير البرامج في مؤسسة خليفة الدولية للأعمال الإنسانية، إن الهشاشة مفهوم متعدد القطاعات، ولا يمكن قياسه من خلال مستوى الدخل فقط، بل يرتبط أيضًا بالعوامل الاجتماعية والصحية والموقع الجغرافي للأسرة.
وأوضحت أن المؤسسة صممت ما أطلقت عليه “مؤشر خليفة للهشاشة”، ويتضمن مجموعة من المؤشرات الصحية والاجتماعية مع تحديد أوزان لكل منها، بحيث تحصل الأسر التي تسجل مستويات مرتفعة من الهشاشة على أولوية في برامج الدعم.
ووفق العربي، استهدف المؤشر المناطق النائية والمعزولة بدرجة أكبر، وشملت عملية الرصد نطاقًا جغرافيًا واسعًا من أصل 143 بلدية في ليبيا، فيما غطى المؤشر حتى الآن أكثر من 70 بلدية.
المساعدات تكشف فجوات الخدمات الأساسية
وتنعكس مظاهر الهشاشة بصورة مباشرة في قطاعات الغذاء والمياه والصحة، ولا سيما في مناطق الجنوب والمناطق البعيدة عن مراكز الخدمات الرئيسية.
وقال المجبري إن مؤسسة خليفة تعمل من خلال خمسة برامج أساسية تستهدف الفئات المحتاجة، تشمل تسهيل الوصول إلى الخدمات الصحية، وتوفير المياه، وتوزيع المواد الغذائية والمساعدات الأساسية، إلى جانب برامج التمكين الاقتصادي والاستجابة للكوارث والأزمات.
وأوضح أن المؤسسة سيرت قوافل طبية إلى مدينة القطرون جنوب ليبيا، كما ساهمت في معالجة عدد من الآبار بهدف تحسين الحصول على المياه، في وقت تشكل فيه ندرة المياه أحد التحديات التي تواجه عددًا من مناطق الجنوب.
وتشمل المساعدات كذلك السلات الغذائية ومستلزمات الشتاء، بينما يستهدف برنامج التمكين الاقتصادي مساعدة الأسر على الانتقال تدريجيًا من الاعتماد على المساعدات إلى امتلاك مصادر دخل ومهارات تمكنها من تحسين أوضاعها الاقتصادية.
المناطق النائية أمام أعباء مضاعفة
وتزداد صعوبة مواجهة الفقر في المناطق التي تعاني أصلًا من ضعف الخدمات وبعدها عن المراكز الحضرية، إذ يمكن أن يؤدي الموقع الجغرافي إلى رفع تكلفة الوصول إلى الغذاء والعلاج والمياه والتعليم، فضلًا عن صعوبة إيصال المساعدات الإنسانية.
وأشار المجبري إلى أن المؤسسة تواجه تحديات لوجستية في بعض المناطق، من بينها نقص الوقود وارتفاع درجات الحرارة، وهي عوامل تزيد من صعوبة تنفيذ عمليات الدعم، خصوصًا في جنوب ليبيا.
كما لفت إلى أهمية الاستعداد للمناطق المعرضة بصورة متكررة للكوارث، مستشهدًا بتازربو التي شهدت حرائق في سنوات سابقة، ومدينة غات التي تعرضت لفيضانات، مؤكدًا الحاجة إلى خطط مسبقة تتيح سرعة الاستجابة عند وقوع الأزمات.
من المساعدات الطارئة إلى التمكين الاقتصادي
ولا تتوقف معالجة الهشاشة، وفق البرامج المشار إليها، عند تقديم المساعدات المباشرة، إذ يمثل التمكين الاقتصادي أحد المسارات المطروحة لتقليل اعتماد الأسر على الدعم.
ويشمل ذلك توفير مصادر دخل ثابتة وبرامج تدريب وتأهيل تساعد المستفيدين على اكتساب مهارات يمكن توظيفها لتحسين ظروفهم الاقتصادية. غير أن نجاح هذا المسار يرتبط بوجود بيئة اقتصادية قادرة على استيعاب هذه المهارات وخلق فرص عمل ومصادر دخل مستدامة.
ويؤكد ذلك أن مواجهة الفقر لا يمكن أن تعتمد على المساعدات وحدها، في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية والبطالة وضعف الخدمات، وهي عوامل قد تدفع أسرًا جديدة إلى دائرة الهشاشة حتى وإن لم تكن ضمن الفئات المستفيدة سابقًا.
“فريق المعلومات” لمواجهة أزمة البيانات
وفي محاولة لمعالجة فجوة المعلومات، أوضح المجبري أن المؤسسة شكلت فريقًا يضم باحثين لإجراء الدراسات، إلى جانب فرق للاتصالات والعمل الميداني للتحقق من صحة البيانات، تحت منظومة أطلق عليها اسم “فريق المعلومات”.
ويستهدف هذا النظام جمع البيانات والتحقق منها واستخدامها في تحديد الأسر والمناطق الأكثر احتياجًا، بما يسمح بتوجيه الموارد وفق أولويات أكثر وضوحًا.
وتبرز هنا أهمية البيانات باعتبارها جزءًا من الحل وليس مجرد أداة إحصائية؛ فغياب المعلومات الدقيقة لا يؤثر فقط في معرفة حجم الفقر، وإنما ينعكس أيضًا على كفاءة توزيع المساعدات وتحديد المناطق الأكثر احتياجًا وقياس أثر التدخلات الإنسانية.
المياه والغذاء في صدارة الاحتياجات
ومن جانبه، قال المواطن الليبي محمد القطعاني إن سكان بعض المناطق يواجهون صعوبات في الحصول على السلع والاحتياجات الأساسية، إلى جانب الحاجة الملحة إلى معالجة مشكلة نقص المياه.
وأشار إلى أن توفير المياه والسلع الأساسية يمثل أولوية بالنسبة للسكان، خاصة في المناطق محدودة الخدمات، مؤكدًا حاجة المواطنين إلى أشكال مختلفة من الدعم والمساندة لتلبية احتياجاتهم اليومية.
وفي المحصلة، تكشف أزمة الفقر في ليبيا عن فجوة مزدوجة: فجوة معيشية تتصل بالدخل والخدمات والقدرة على مواجهة الأزمات، وفجوة معلوماتية تجعل قياس حجم المشكلة وتحديد الفئات الأكثر احتياجًا أكثر صعوبة. ومن دون بيانات وطنية منتظمة وشفافة وقابلة للمقارنة، تظل تقديرات الفقر والهشاشة محدودة القدرة على رسم صورة شاملة، بينما تستمر المؤسسات الإنسانية في الاعتماد على الدراسات الميدانية والمؤشرات البديلة لسد جزء من هذا النقص.
ويطرح ذلك تحديًا يتجاوز نطاق العمل الإغاثي إلى الحاجة لبناء منظومة معلومات اجتماعية واقتصادية أكثر انتظامًا، يمكن أن تساعد صناع السياسات والمؤسسات المعنية على فهم توزيع الفقر والهشاشة، وتوجيه التدخلات من الاستجابة الطارئة إلى حلول أكثر استدامة.



