أرقام صادمة ونفوذ متصاعد… كيف تحولت ليبيا إلى وجهة استثمارية مفضلة لفرنسا؟
فرنسا ترفع راية الاقتصاد في ليبيا: قفزة 10.3% في الصادرات وبعثة تجارية تخترق الشرق
ليبيا 24
باريس توسع نفوذها التجاري في طرابلس وبنغازي: 448 مليون يورو صادرات وسباق استثماري على إعادة الإعمار
من قمة النفط إلى بعثة الشرق: الشركات الفرنسية تعيد رسم خارطة مصالحها في ليبيا وسط فرص واعدة
كيف تحولت ليبيا إلى وجهة استثمارية مفضلة لفرنسا؟ أرقام صادمة ونفوذ متصاعد
قفزة غير مسبوقة في التبادل التجاري
في تطور اقتصادي لافت يعكس تحولاً استراتيجياً في العلاقات الثنائية، كشفت صحيفة كلاس إكسبورت الفرنسية عن نمو الصادرات الفرنسية إلى ليبيا بنسبة 10.3% خلال النصف الأول من عام 2026، وهو مؤشر يعكس تعافياً متسارعاً في العلاقات التجارية بين البلدين.
وتشير أحدث بيانات التجارة الفرنسية إلى أن قيمة الصادرات بلغت 448 مليون يورو خلال عام 2025، بزيادة قدرها 50% مقارنة بعام 2024، وهو رقم يعكس تنامي اهتمام الشركات الفرنسية بالسوق الليبية كسوق واعد ومحوري في شمال أفريقيا.
هذا النمو ليس مجرد رقم عابر، بل هو ترجمة عملية لسياسة اقتصادية فرنسية أكثر جرأة تجاه ليبيا، تستند إلى قراءة واقعية للمتغيرات السياسية والأمنية في البلاد، وإلى رغبة باريس في تعويض تراجع نفوذها في مناطق أخرى من القارة الأفريقية.
فليبيا، بموقعها الجغرافي المتوسطي وثرواتها النفطية واحتياجاتها الهائلة لإعادة الإعمار، تمثل بالنسبة لفرنسا بوابة استراتيجية نحو عمق أفريقي واسع.
بعثة تجارية تخترق الشرق الليبي
لم يقتصر الاهتمام الفرنسي على الجانب الرقمي، بل تجاوز ذلك إلى تحركات ميدانية ملموسة. فقد أوفدت وكالة بيزنس فرانس، في سبتمبر الجاري، بعثة تضم 17 شركة إلى شرق ليبيا، في خطوة تعكس رغبة فرنسية واضحة في اختراق سوق الشرق الليبي.
هذه البعثة جاءت بعد مشاركة سابقة لـ19 شركة في قمة طرابلس النفطية في يناير الماضي، ما يعني أن باريس تعمل على جبهتين: الغرب والشرق، في محاولة لبناء حضور شامل لا يقتصر على طرف دون آخر.
القطاعات المستهدفة واضحة: إعادة الإعمار والبناء، النقل البحري، المياه والصرف الصحي، والبنية التحتية للطاقة.
وهي قطاعات حيوية تعكس حاجة ليبيا الملحة إلى إعادة بناء ما دمرته سنوات الصراع، وتوفير خدمات أساسية لمواطنيها. كما تعكس في الوقت نفسه قدرة الشركات الفرنسية على المنافسة في مجالات تتطلب خبرات تقنية عالية ورؤوس أموال ضخمة.
قراءة سياسية واجتماعية للأبعاد
سياسياً، يعكس هذا التحرك الفرنسي رغبة في تعزيز الحضور الأوروبي في ليبيا، في وقت تتنافس فيه قوى إقليمية ودولية على النفوذ. ففرنسا، التي تدرك جيداً أهمية ليبيا في معادلة الأمن الأوروبي والطاقة، تسعى إلى ترسيخ وجودها كشريك موثوق في مرحلة إعادة الاستقرار. وهذا التوجه لا يخلو من رسائل ضمنية إلى فاعلين آخرين، بأن باريس لن تترك الساحة الليبية لقوى أخرى.
اجتماعياً، يمكن القول إن هذا الزخم الاقتصادي، إذا ما تُرجم إلى مشاريع فعلية على الأرض، قد يسهم في خلق فرص عمل للشباب الليبي، ونقل الخبرات التقنية، وتحسين البنية التحتية للخدمات الأساسية. لكن يبقى التحدي الأكبر في قدرة المؤسسات الليبية على استيعاب هذه الشراكات، وضمان توزيع عادل لعوائدها، بعيداً عن المحاصصة والفساد.
ليبيا 24 ترصد المشهد
هذا التنامي في العلاقات التجارية مع فرنسا يمثل فرصة يجب استثمارها بحكمة. فليبيا اليوم بحاجة إلى شركاء دوليين جادين، لا إلى وكلاء لمصالح ضيقة.
والشركات الفرنسية، بما تملكه من خبرة وتقنية، يمكن أن تكون جزءاً من حلول عملية، شرط أن يكون التعاون قائماً على أساس الشفافية والمنفعة المتبادلة، وأن تُمنح الأولوية للمصلحة الوطنية الليبية العليا.
إن الأرقام التي كشفت عنها الصحيفة الفرنسية ليست مجرد مؤشر اقتصادي، بل هي رسالة سياسية بأن ليبيا عادت إلى خريطة الاستثمار الإقليمي والدولي.
والسؤال المطروح اليوم: هل تستطيع المؤسسات الليبية تحويل هذا الاهتمام إلى مشاريع حقيقية تلمس حياة المواطن؟ أم أن السباق الفرنسي سيبقى مجرد أرقام في التقارير؟



